أخبار عاجلة
ضبط عاطلين بحوزتهما 1052 تذكرة هيروين في المنيا -
«أمريكانا» تؤكد بيع حصتها في «هاينز» منذ 2009 -
الإسماعيلي ينتزع تعادلًا صعبًا من وادي دجلة -

أم البطل.. لكل عصر خنساء


يدخل قائد اللواء الجوي العميد " فاروق أبو النصر عليش " عائداً إلى منزله بعد أسابيع طويلة على حدود العدو منتشياً، محملاً بقصص النصر، وقبل أن يخلع عنه بدلته العسكرية يلتقط سماعة التلفون ليجب ندائه الملح، ليجاوبه صوت أنثوي هادئ يطلب مقابلته لأمر ضروري.. ذهب ملبياً لندائها، يصل إلى العنوان الذي سجله، ليجد منزل مهيب تحتضنه الأشجار الكثيفة، يستقبله الخدم عند الباب ويصطحبه داخل القصر إلى الصالون، ثراء ورفاهية لا تخطئها العين تقاطعه بعد دقائق طويلة خطوات على سلم القصر، لتقابله سيدة أرستقراطية تبدو عليها علامات الثراء والجمال رغم كبرها في السن، ترتدي فستانًا أبيضًا يكمل أناقتها.

مدت يدها مصافحة لتقدم نفسها بثبات واثق: "والدة الشهيد الطيار الشهيد عبد القوي شمس الدين، الذي كان يخدم وطنه تحت قيادتك". 

ارتبك الرجل من هدوئها، لكنه سيطر على هذا الارتباك مقدمًا تعازيه ومواسته في فقيدها لتقاطعه بحزم: "أنا عايزة أطمن على ابني"، يزداد ارتباك الرجل، بل يتحول الارتباك إلى شك بشأن قواها العقلية ليعيد على مسامعها مرة أخرى قائلاً: "نحتسب ابنك عند الله شهيداً، لقد مات في أحد طلعاته الجوية مهاجماً العدو في أرضنا المحتلة". 

تخرج السيدة ورقة تحمل آخر رسائل ابنها من الجبهة، دفعتها إلى يد الرجل باحثة في عينيه عن إجابة تشفي وجعها، "اقرأ هذا"

 "يبدو يا أمي أن أمنيتي التي أحلم بها و التي تعرفينها لن تتحقق، فقائدي لا يريدني أن أطير أو أشارك في القتال، وأصدر أوامر مشددة أن أظل على الأرض و لا أطير، أو أشارك في العمليات القتالية مع زملائي الطيارين و لفترة طويله، و أنا حزين جدًا لما حدث وأحس أن هذا القائد لا يريدني أن أشارك أنا بالتحديد و يظلمني".

ينتهي نص الرسالة بتوقيع: "الشهيد بإذن الله عبد القوي شمس الدين"، تنظر الأم إلى الرجل سائلة "ابني مات مقبل على العدو، ولا مدبر هارب؟".

لم يكن ليتوقع ثِقل السؤال الذي ألقته، لكنه يجيب بإسهاب عله يثلج صدرها:

الشهيد "عبد القوي شمس الدين " كان يدفع مبالغ من المال لزملائه حتى يطير بدلاً منهم في طلعات القتال والهجوم على العدو الإسرائيلي، حتى أصبح هو وحده صاحب أكبر عدد طلعات قتال خلال وقت قصير، و تفوق على أقرانه من الطيارين بما فيهم الطيار "فاروق أبو النصر عليش " قائد اللواء الجوي والذي كان يشارك في طلعات القتال مثل أي طيار آخر.

يواصل الرجل حديثه "عندما وجد القائد الفارق الكبير بين عدد طلعات الطيار عبد القوي شمس الدين وباقي طياري اللواء الجوي كلهم، أمر أن يظل هذا الطيار على الأرض حتى يقوم باقي الطيارين بعدد مماثل من طلعات القتال ويلحقوا بزميلهم، وهذا ما حدث بالفعل وظل الطيار عبد القوي شمس الدين وهو يشعر بالقهر ينتظر كالصقور تلك الحظة الحاسمة ثابتًا على الأرض يراقب الطيارين في عمليات القتال حتى تساوى الجميع، وحينها لبى نداء قائده، مستأنفاً شغفه ليحلق مقاتلاً العدو مرة أخرى ليلقى الشهادة بطلاً كما تمناها".

ابتسمت أم البطل عبد القوي شمس الدين راضية محتسبة ابنها شهيدًا كمثيلتها السيدة "سميرة " التي أُطلق عليها " أم الأبطال"، حيث بدأت حكايتها بعد أن رحل عنها زوجها الصاغ " محمد عبد السلام سالم " في معركة العصلوج عام "٤٨" وتركها أرملة عمرها أربعة و عشرون عاماً محاطة بأربع صغار هم:

“محمد عصام الدين.. ثم محمد حسام الدين .. ثم محمد وسام الدين.. ثم الأخير محمد وئام الدين " تحملهم بصبر الخنساء إلى مركز التطوع حيث كان أصغرهم عشرة سنوات، تريدهم أن يتلقوا التربية العسكرية:

"أريد أن يكونوا مثل أبيهم.. أبنائي قرأوا سورة البقرة وعرفوا كل شيء عن اليهود الذين قتلوا أباهم.. فهم يريدون الثأر له"

لكنهم بلطف يردونها لمنزلها لحداثة سن االصغار ويرسلون لها أحد الضباط يعلم صغارها تركيب وفك السلاح كتحية عسكرية لها، لتردها بأحسن مما حُيت و ترسل رجالها الأربعة إلى أرض المعركة بعد استعدادهم للثأر.

في عام٦٧ عندما وقعت النكسة انسحب الأبطال إلي القنطرة غرب.. وهناك حدثها أصغرهم هاتفياً قائلاً:

من عاد من إخوتي؟.. حسام رجع؟

فقالت الأم: لا

عصام رجع؟

قالت: لا

وسام رجع؟

قالت: لا

فقال الابن ينهي حديثه: سوف نعبر شرقا ً لملاقاة العدو.

بثبات قالت: "الله معكم وينصركم، لقد أخذ الله مني محمدًا واحداً .. وأعطاني أربعة".

حكاوى أم البطل المصرية كثيرة ولا تنتهي، لعل من بينها حكاية السيدة "شريفة فاضل" التي وقفت على المسرح متشحة السواد بعد أن فقدت وحيدها "سيد" في حرب أكتوبر ٧٣، أخذت تبكي بأنشودتها وكأن أحبالها الصوتية تنزف رِثاءً لكل بطل يفخر به المصريون، وتواسي نفسها وأم كل بطل.

 
 

 

المصدر : دوت مصر

دوت مصر

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى محمد ناصر - مصر النهادرة حلقة الاربعاء 2016/11/30 - الجزء الاول