«جنات».. زهرة أدماها «القلب» (صور)

soutalomma 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة
خرج مهرولا حاملًا بين يديه شيئا كبيرا، مغطى بـ «ملاءة سرير»، يحاول جاهدًا ألا يراه أحد، بينما يتدافع الهواء محاولا كشف ما تحجبه «الملاءة» عن أعين إهالي القرية.. صوت الهمهمة والغمغمة والأنفاس المتصاعدة جذب أنظار كافة المحيطين به، وفي لحظات تدافع الهواء، تعثر بالملاءة فسقط على الأرض، وبدأ النحيب والعويل، وفجأة صدرت صرخات متعالية «جنات بنتي بنتي»، وسيدة من الخلف تسرع خطواتها باحثة عن نظرات قد تكون الأخيرة.

تدافع أهل القرية مسرعين لنجدة الأب والأم المنكوبين، رفعوا الغطا، فإذا بها طفلة لم تبلغ الحلم، ملقاة على الأرض، تلقط أنفاسها بصعوبة، عينيها مغلقتين، وكأنها تودع الحياة.. تجمع العشرات حولهم، وخرج الجيران من «الشبابيك والبلكونات»، فيما صرخ الأب: «حد يساعدني هتتفرجوا كتير.. بنتي بتضيع مني الحقوني».

أسرع بعض الجيران لنقل الطفلة إلى أقرب مستشفى، وبعد بضع ساعات عادوا إلى المنزل في مشهد جنائزي، حاملين الطفلة بين أيديهم مغطاة بذات «الملاءة»، التي أخفت الأتربة معالمها وغيرت من لونها، تلك كانت صورة حية لما يعيشه «عبد الواحد أبو بكر عكاشة»، عسكري شرطة المطافئ، وزوجته، من قرية الأخيضر؛ بمركز المراغة، محافظة سوهاج، مع «جنات»، 11 شهرًا، والتي تعاني من مرض بالقلب، يحتاج إلى إجراء عمليتين جراحيتين.

مع بزوغ الخيط الأبيض من الفجر، خرج الأب إلى أحد «شبابيك» منزله، حاملًا في يديه «سيجارة» ليفرغ فيها همه وحزنه، متمنيا أن يهب القدر حياته لفتاته الصغيرة. وضع يده على رأسه واتكأ، محاولا إخفاء صوت نحيبه وعويله، عن زوجته وطفلته الصغيرة حتى لا يصيبهما الوهن والخوف.

اقتربنا منه وألقينا عليه السلام، فخرج مسرعًا وكأنه يبحث عن طوق نجاة، يعيد له قواه المفقودة وبادرنا قائلا: «بنتي بتموت، من يوم ما وصلت الدنيا وهي مريضة، وأنا ظروفي على قد حالها.. محتاجة تعمل عمليتين جراحيتين».

كلمات خرجت بتكاسل شديد، وكأنه يأبى البوح عن ضعفه وعدم قدرته على علاج «جنات»- طفلته الصغيرة، موضحًا أنه عقب ولادة «جنات»، أخبره الأطباء بمرضها، وأنها تعاني عيبًا خلقيًا في القلب، يستلزم إجراء عملية «تحزيم شريان»، ويعقبها بعدة أشهر عملية «قلب مفتوح».

وأضاف «عكاشة»: «جنات عمرها 11 شهرًا، ومن يوم ربنا رزقنا بها، وإحنا كل يوم في جمعية أو مستشفيات التأمين الصحي، بنحاول نلاقي علاج على نفقت الدولة، لأني مش قادر أصرف على العمليتين».

حل الصمت قليلًا وخانته عيناه واغرورقت بالدموع، ثم قال بصوت مرتجف مُتقطع وخائف: «أجيب منين 200 ألف جنيه أعمل بيهم العملية لبنتي.. بنتي هتروح مني أنا معنديش غيرها، وعندي استعداد أعمل أي حاجة بس ربنا يشفيها».

وتابع: «بنتي في حالة تخليها متقدرش تنتظر دورها في قائمة الانتظار بتاعت مستشفيات التأمين الصحي، وكل ما أروح أسال على ميعاد عمليتها يقولولي لسه دورها مجاش.. وسألت في معظم الجمعيات الخيريه علشان حد يتنى حالة (جنات)، بس مش لاقي، وخلاص الدنيا قفلت في وشي ومش عارف أعمل أيه».

سمعت الأم صوت زوجها المرتجف أثناء حديثه، فخرجت من «الشباك»، الذي كان يقف فيه «عكاشة» قبل حديثه معنا، قائلة: «تعالى (جنات) صحيت، ومينفعش تشوفك كده متقلقش بكره ربنا هيعدلها وبأذن الله هتتحل»، مسح الأب المكلوم عينيه ودخل مسرعًا إلى فتاته الصغيرة واحتضنها بشدة وداعبها، وكأنه يخشى أن يكون ذلك أخر لقاء له مع «جنات».

المصدر : صوت الأمة

soutalomma

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق