كل الرجال كذا!

صحيفة تواصل 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة
كل الرجال كذا!

د. محمد بن عبد العزيز الشريم

توافينا مواقع الأخبار من وقت لآخر، فضلاً عن وسائل التواصل الاجتماعي، بخبر قام فيه رجل بعمل مؤذٍ لزوجته، أو انتهاك لحقوقها الشرعية أو الشخصية، وربما تجاوز على نساء أخريات لسن من محارمه، باعتداء أو تحرش. وغني عن البيان أن أي سلوك لا يرضي الله تعالى فهو مرفوض، مهما قدم له بعضهم من مسوغات أو حاول أن يجعله سلوكاً مقبولاً، أو حتى حاول تخفيف حدته أو أثره السلبي، سواء على المرأة التي وقع عليها التجاوز، أو على المجتمع بأسره.

ومن غير المستغرب -طبعا- أن تكون ردة فعل النساء أشد وأقسى، ربما لأنهن أكثر إحساساً بمشاعر المرأة المظلومة. وبالتالي، فإنهن يشاركن الضحية التعاطف، حتى ولو لم يكنّ يعرفنها بشكل شخصي! وما ذلك إلا بسبب تأثرهن العاطفي بما مرت به تلك المرأة من معاناة مؤلمة لأصحاب المشاعر الطبيعية.

وفي خضم التعاطفات والتفسيرات لما حدث، تبرز بعض الأصوات التي تتعالى معلنة رمي التهمة على جنس الرجال كلهم! فحينما يعتدي رجل على أموال امرأته، ويطلقها ليتزوج بامرأة أخرى، تتبرع إحداهن قائلة: “كل الرجال كذا”. وحينما يهجر رجل متزوج بيته وأولاده بعدما يقترن بزوجة جديدة، تنطلق عبارة اللوم: “كل الرجال كذا”. وحينما تزعجنا الأخبار بقصة رجل ضرب زوجته بشكل عنيف تسبب في إيقاع ضرر جسدي ونفسي كبير عليها وعلى أطفالها، نسمع العبارة المعتادة من بعضهن: “كل الرجال كذا”.

صارت الصورة النمطية في أذهان بعض النساء عن الرجال أنهم لا يستغرب منهم أي فعل سيء، فهم خونة ولا يقدرون العلاقة الزوجية، طماعون ويتطلعون للاستيلاء على أموال زوجاتهم متى وجدوا لذلك سبيلا، عنيفون ولا يستخدمون سوى اليد للتفاهم. وتستمر هذه القائمة المشحونة بالتهم الجاهزة التي تنطبق على الرجال كلهم، ربما دون استثناء!

ولكن من يتأمل في هذه التفسيرات لسلوكيات الرجال الخاطئة، يجد أنها قد تكون من أفضل التبريرات التي تقدمها أولئك النساء لتلك الفئة من الرجال! إذ ليس من المعقول أن يتهم الرجال بارتكاب خطأ سببه أن الله تعالى خلقهم جميعاً كذلك. فإن كان الرجال كلهم خونة، فلماذا يلام الخائن؟! أليس كون الرجال كلهم بهذه الصفة دليلاً على أن الله تعالى خلقهم بضعف فطري لا يستطيعون مقاومته! وإذا كان الرجال كلهم لا يعرفون إلا لغة العنف للتفاهم مع زوجاتهم، فلماذا يلام من يلجأ لهذا الأسلوب في كل خلاف صغير أو كبير مع زوجته!

ربما تقول تلك النساء، إنهن لا يقصدن الجميع، ولكن الأغلبية! وهذا أيضاً تبرير يسوغ للرجال الميالين للخطأ لأن يستمروا فيه، فمادام غالب الرجال يضربون زوجاتهم، إذن فالأمر هين، وليس هناك ما يستدعي الغضب أيتها الزوجة، فمعظم الرجال سيئون، واحتمال اقترانك بزوج يجيد التفاهم بالعقل والمنطق قليل جدا، فأنت بالخيار، إما البقاء بلا زواج اغتناما للسلامة، أو الاقتران بزوج من هذه النوعية؛ لأن “كل الرجال كذا”.

لا أعتقد أن تبريراً يفرح به الرجال المخطئون مثل أن تسحب أخطاؤهم لتعمم على جنس الرجال كلهم؛ لأنهم حينها لن يشعروا بأنهم القلة المذنبة، بل من الغالبية الذين لا يملكون خياراً أمام المال أو النساء أو الغضب. وقد جاءت الشريعة بعلاج للمنكر يسعى لإخفائه وعدم إعلانه، كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا كذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه”.

حينما تكثر الأخبار عن تكرار فعل مشين بين عدد من الرجال، ثم تقوم النساء دون شعور بتعميمه على الرجال كلهم ونشره على أنه الأصل فيهم؛ فإن شعور الرجل المذنب أو المقصر سيكون مثل حال العاصي الذي كان يحسب أنه الوحيد المقيم على تلك المعصية، فإذا به نتيجة للمجاهرة يرى جميع الرجال شركاء له! حينها سيخف الأثر، ويزداد التمادي في الخطأ.

د. محمد بن عبدالعزيز الشريم

@mshraim

ed3c53e833.jpg

المصدر : صحيفة تواصل twasul .info

صحيفة تواصل

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق