أخبار عاجلة

حلم يقظة

حلم يقظة
حلم يقظة

منذ طفولتى وأنا أنخرط فى أحلام اليقظة. فتارة أنا نجم الكرة الموهوب الذى يسدد عشرة أهداف بمجرد نزوله. وتارة أنا الملحن الذى يستخلص الألحان من صميم الكون، ومرة أنا المخترع العبقرى الذى استطاع توليد الطاقة من المياه، أو أكتشف علاج السرطان أو أستنبت الزرع فى الصحراء الجدباء فألونها باللون الأخضر.

■ ■ ■

لكن حلم اليقظة الذى لا يفارقنى هذه الأيام هو إصلاح مصر. لتنهض وتأخذ بيدها محيطها العربى والإسلامى. وأحيانا أسترسل فى الحلم، فأفتح الأبواب لكل الأعراق والأديان. سأظل أحلم بـ«دولة الإنسان» حتى آخر لحظة فى حياتى. ذات يوم، ولو بعد ألف عام، ستصبح الأرض، كما خلقها الله، وكما كانت فى الأصل، مكانا للأنام، كل الأنام. ستنمحى الحدود وتنتهى الحروب وتُغلَق مصانع السلاح، ولن تعود ثمة حاجة إلا لقوات الشرطة المسلحة بسلاح خفيف تقهر به الأشرار وتنصف به الضعفاء فى «دولة الإنسان» التى سيشهدها أحفاد أحفادى.

■ ■ ■

أقول لكم: أحلم كثيرا هذه الأيام بإصلاح مصر. لقد صار واضحا لكل ذى عينين أننا لا نسير فى الطريق الصحيح، وأن الأمور ساءت وتسوء والله يلطف بنا. لا أدرى أهى معجزة أن يحدث الإصلاح؟ أتكلم جادا: هل مشاكلنا مستعصية إلى هذا الحد؟ الإصلاح صعب لدرجة أن يفشل فيه جميع الرؤساء المتعاقبين؟

ربما.

■ ■ ■

وأعود فأقول لنفسى إن مفتاح التقدم واحد فى جميع بلدان العالم. لسبب بسيط أن الإنسان هو الإنسان. نحن لسنا بدعا من الدول، وشعبنا ليس مختلفا عن باقى الشعوب، الحكاية أننا لم نمتلك المفتاح حتى الآن. وحيثما نظرنا شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا، نرَ دولا كثيرة، كانت فى أحوال أسوأ منا بكثير، ثم تجاوزتها وتقدمت وتطورت. ذلك أنها أولجت مفتاح التقدم فانفتح لها الباب على مصراعيه. وكلنا شاهدنا أفلام «الوسترن» الأمريكية! شاهدنا الفوضى والبدائية وحكم الغاب؟ ألم يثر انتباهكم أن هذه الأحداث كانت منذ مائة وخمسين عاما فقط. كانت مصر وقتها طائرا يستجمع جناحيه ليحلق! فكيف أصبحت أمريكا- بعد أقل من مائة عام من أحداث هذه الأفلام- تمتلك القنبلة الذرية وتسود العالم؟

■ ■ ■

أوروبا، جنة الله فى الأرض، والتى تقع واقعيا على كوكب آخر، هل تعرفون كيف كانت أحوالها فى النصف الأول من القرن العشرين؟ لقد كانت محطمة، محترقة، جائعة بالمعنى الحرفى للكلمة، فى هذا الوقت كانت مصر جنة بالمقارنة بها! وكان الأوروبى يحلم أن يعمل فى بلادنا ساقيا! فكيف فى غضون عشرين عاما فقط من انتهاء الحرب العالمية الثانية أصبحت واحة للتقدم والسلام؟ كيف أصبح أعداء الأمس، الذين دُمرت مدنهم بالكامل، حلفاء وأصدقاء؟ فيما اخترعنا نحن أعداء من أنفسنا!

■ ■ ■

حلم اليقظة الذى يراودنى الآن أن نعترف أولا أمام أنفسنا أننا لا نمتلك المفتاح ولا نعرف الطريق. ثم بعدها نذهب بكل تواضع إلى إحدى الدول المتقدمة، وهى كثير فى الشرق والغرب، عندنا أوروبا بأكملها، واليابان وكوريا وماليزيا، وأمريكا والبرازيل، نطلب من إحداها أن تمدنا بطاقم كامل من الكفاءات الإدارية. نعدهم بامتلاك كل الصلاحيات، بدون مراوغة ولا ملاوعة ولا فساد، ليعيدوا تنظيم بلادنا بطريقة صحيحة حتى يصبح بلدنا متقدما كبلادهم!

■ ■ ■

حلم يقظة يستحيل أن يتحقق، لأن كل من يمسك بزمام الحكم عندنا يعتقد، بمجرد جلوسه على الكرسى، أنه العبقرى الأوحد والحكيم الأوحد والوطنى الأوحد. وأنه- وحده- الذى يعرف، وغيره لا يعرف. ومهما بدا فشل سياسته واضحا، فإنه لا يعترف، بل يلقى اللوم علينا!.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك