أخبار عاجلة
رماد فيدل كاسترو يصل سانتياجو دي كوبا لدفنه -

وباء الميجا

وباء الميجا
وباء الميجا

■ ملأنا البر حتى ضاق عنا............ وظهر البحر نملؤه سفينا.

■ إذا بلغ الفطام لنا صبى ............. تخر له الجبابرة ساجدينا.

■ هكذا اختتم «عمرو بن كلثوم» معلقته.. فنحن أمة لديها ولع بالكلام «الكبير»... النفخ والمبالغة واللجوء إلى المفردات «المهيبة».. و«الرادعة»، بما تحمله من دلالات لغوية وظلال تاريخية وسياسية وأمنية. فهذا «مشروع قومى» وذاك «أمن قومى»، وهؤلاء هم «أشجع ناس»... «أشرف ناس»... إلخ.

■ مصطلح «ميجالومينيا Megalomania»، يتكون من مقطعين.. «ميجا».. بمعنى ضخم.. هائل الحجم... و«مينيا».. بمعنى الولع الدائم إلى حد «الهوس». والمعنى العام للمصطلح هوالولع بالأداءات والإنجازات العظيمة وهائلة الحجم. وهو يعنى أيضا، فى الإطار النفسى الدارج »جنون العظمة«، أى توهم قدرة وقوة غير عادية على فعل أى شىء، والسعى نحو المزيد من القوة.

■ فى كتابه «نول السعادة»
«The Conquest of Happiness» يفرق الفيلسوف برتراند راسل «Russell» بين الشخصية «الميجالومينية Megalomanic»، المصابة بداء جنون العظمة وبين «الشخصية النرجسية Narcissist»، بقوله إن الشخص النرجسى يرى نفسه جذابا، مفتونا بجاذبيته، ويرغب فى أن يكون محبوبا من الآخرين، أما الشخصية الميجالومينية، المصاب بجنون العظمة، فهو يسعى نحو القوة، وأن يكون مهابا، يخشاه الآخرون. وفى رأى «راسل» أيضا، أن الميجالومينيا، والهوس بالشعور بالعظمة، لم تفرز لنا المختلين عقليا فقط، بل أفرزت أيضا بعضا من عظماء التاريخ، مثل «الإسكندر المقدونى»، و«نابليون بونابرت». وأن الإفراط فى هذا الشعور قد أدى بهما إلى نهاية غير سعيدة.

■ يرجع «راسل» «الميجالومينيا»، إلى عُقَد النقص والشعور بالدونية والتعرض للإهانة الشديدة فى الماضى. فلكم عانى «بونابرت» - على سبيل المثال - فى زمن بؤسه وهو يزامل أبناء الأرستقراطية، أثناء سنوات الدراسة. وتمضى الأيام، ويصبح هو ذاته «الإمبراطور بونابرت»، وينحنى أمامه كل زملاء الدراسة القدامى. ومع هذا، انتهت به الميجالومينيا إلى منفى جزيرة «سانتا هيلانه».

■ الشخصيات الميجالومينية - سواء كانت زعامات سياسية أو دينية - فى أحوال كثيرة تتلقى عبر الرؤى والأحلام ما تفسره بأنه رسائل تكليف من السماء، للقيام بمهام عظيمة، بل إن بعضهم، مثل «الإسكندر».. قد أعلن ألوهيته هو ذاته.

■ هناك «ميجالومينيا» مبررة- جزئياً- كتلك التى كانت لدى رجال من أمثال، «الإسكندر»، و«يوليوس قيصر» و«بونابرت» و«هتلر» و«ستالين». كما أن هناك ميجالومينيا «كاريكاتورية»، بل «جيجالومنيا» لزعماء من عيار «عيدى أمين» و«بوكاسا» و«صدام» و«القذافى». وهى غير مبررة.

■ فى تسعينيات القرن الماضى، بدأ «الاستاذ».. «هيكل» يسرب بعضاً من آرائه، ومقولاته الجذابة. أطلق مقولة «السلطة شاخت على مقاعدها» - وكان محقا - وردد بإلحاح و«زن» بأنه: «لا يوجد فى مصر مشروع قومى تلتف حوله الجماهير». وهو فى هذا يلجأ إلى لغة خطاب سياسى، ينتمى إلى ستينيات القرن الماضى. التقط رسالته بعض من رجال «مبارك»، ورئيس وزرائه فى ذلك الوقت (1997)... فقرروا أن يثبتوا لهيكل وصحابته أنهم على خطأ، وأن السلطة لم تشِخْ، وما زالت حيوية وقادرة على الحركة وإنجاز مشروعات «قومية» هائلة الضخامة.. مشروعات «ميجا». ذهبوا إلى أقصى جنوب البلاد... ما يقرب من ثلاثمائة كيلومتر جنوب أسوان.. إلى «توشكى»، وبدأت «هوجة».. «المشروع القومى». رفعت شعارات مستهلكة، موغلة فى القدم.. على شاكلة «الخروج من الوادى الضيق».. «زيادة الرقعة الزراعية». وبالطبع، ووفقا لمفهومهم «المشروع القومى»، يجب أن يكون «ضخما مبنى ومعنى»... وبالتالى يجب أن تكون تكلفته ميجا.. مليارية.

■ بدأوا كرنفالات «توشكى» ومهرجاناته، بأغانيها واستعراضاتها وسفرياتها وملحقاتها. وكما أقر بعض من المتخصصين، انفتحت بلاعة صرف موارد الدولة هباء فى صحراء «المشروع القومى». فهل أهدرنا المليارات نكاية فى «هيكل»؟.. أو ربما اتباعا لنصيحته؟. والأمر سواء، فلَكَم كان تاريخ الإخفافات العظيمة مرتبطا بـ«الأستاذ» وتنظيراته ونصائحه.

■ ترى.. ما هى أخبار «توشكى»؟ كم أنفقنا عليها حتى الآن؟ 7 مليارات جنيه؟ كان من المقدر زراعة 540 ألف فدان. فما هى مساحة الأرض المزروعة الآن.. بعد عشرين عاما من بدء المشروع؟ وما هو العائد المتحقق؟ لا أظن أن أحدا سوف يجيب. فقد تفرق دم المشروع بين القبائل.. خاصة بعد أحداث يناير. لا نريد أن يحاسب أحد، ولسنا من هواة المحاكمات السادية الانتقامية، ولكننا نأمل أن يقيَّم المشروع علنا وبالأرقام، بُغية معرفة الحقائق، تحاشياً لإهدار موارد الدولة، بحجة «المشروعات القومية».. تلك التى تعلو بصورة «الزعيم»، وبأرقام الديون. وتهبط بواقع الأحوال والناس.

■ وباء أوهام الـ«ميجا»، «مُتَفشٍ» منذ زمن بعيد. وهناك دائما أناسٌ مغرمون باستعمال «أفعل التفضيل»... أكبر... أول... أقدم... أحدث... إلخ. منذ زمن رفعنا فيه شعار: «نحن أكبر قوة ضاربة فى الشرق الأوسط»... زمن هزيمة 67. واستمرت أوهام قدرتنا فى زمن «مبارك».... طالبنا بإقامة «المونديال».. «كأس العالم» لكرة القدم فى مصر... فكان «صفر المونديال» الشهير. والآن فى ظل ظروفنا الصعبة، يطالب عضو فى مجلس «عجينة» بتنظيم دورة أوليمبية!!!!. وهذا ما لم تجرؤ دول تسبقنا بسنوات ضوئية على المطالبة به. فهل فَقَد بعضنا «بُرقع الحيا» إلى هذه الدرجة؟ هل أدمنّا «التبجح»؟ هل مازال البعض «يبرطع» بأفكاره فى زمن دولة «صفر المونديال»؟!.

■ ولأننا أمة «نسيج وحدها»، فلدينا مجلس وزراء، «ميجا».. يتكون من 34 وزيرا، ولم لا.. فلسنا مثل باقى الدول «الصغيرة»، مثل: بريطانيا 23 وزيرا... روسيا 23... إيران 18.. فرنسا.. إيطاليا 17... الولايات المتحدة 16. إسبانيا 15...إلخ.

■ هناك إجراءات وأهداف عديدة عظيمة.. لا يحتاج تنفيذها إلى ميزانيات.. ميجا.. مليارية... ومردودها المعنوى المباشر- فضلاً عن المادى غير المباشر- لا يقل أثراً عن غيرها من المشاريع «الميجا» هائلة الحجم. ولعلنا نضرب المثل بإنجاز تحرير وسط مدينة القاهرة من فوضى الباعة الجائلين، وسيطرتهم على الأرصفة ونهر الطريق. وهو إنجاز عبّر، قبل كل شىء، عن وجودٍ للدولة ولهيبة الدولة ودعم ثقة المواطنين بأن هناك «حكومة»، وأن الشارع هو «شارع الحكومة».. تنظمه بالطريقة المثلى لصالح عموم المواطنين.

■ انضباط الشارع المصرى، بكل مفرداته، من مرور وأرصفة وخلافه، هو مشروع قومى.

■ لدينا مشكلة ميجا (هائلة) مزمنة، هى الزيادة السكانية (2.5 مليون نسمة سنويا). ومواجهتها مشروع قومى حقيقى شديد الأهمية. وهى لن تُحل بالتوعية الرِّخوة... لن تحل إلا عبر قوانين وإجراءات صارمة وحاسمة، ولنسترشد بتجارب الآخرين. ولكن الخطاب السياسى الكائن لا يبين عن رغبة فى ذلك. ربما اقتناعا بوجهة النظر الدينية السائدة والرافضة تنظيم النسل، أو ربما استرضاءً لرجال الدين. وسواء أكان الأمر اقتناعا أو استرضاء... فالنتيجة واحدة.. الكارثة مستمرة. وإذا لم ننتبه، فسوف يتواصل التسارع فى الهبوط نحو القاع.

■ إلغاء مادة «ازدراء الأديان» مشروع قومى «ميجا»... يستلزم شجاعة «ميجا»، فى مواجهة «الميجالومينيا» الدينية.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق وقفة احتجاجية في عدن للتنديد بعمليات الاختفاء القسري والسلطات ترفض التجاوب (فيديو - صور)
التالى الفريق الأحمر يناقش المتطلبات الملحة لاستعادة مؤسسات الدولة في محافظتي البيضاء وذمار