أخبار عاجلة
حياء «المعلّم زيطة» -
مقتل 30 شخصًا جراء انفجار شاحنة صهريج في كينيا -
وضع 10 أشخاص قيد الاحتجاز إثر هجومي إسطنبول -

لماذا لا نلغى الدعم؟

لماذا لا نلغى الدعم؟
لماذا لا نلغى الدعم؟

تعلمت وعلمت تلاميذى، ومارست فى عملى الوزارى، أن أولى بدهيات علم الاقتصاد هى أن لكل تكلفة عائدا، أى أن كل إنفاق يقابله مردود يساويه أو يزيد عليه.

الهدف الأصلى من مخصصات الدعم السلعى أو ما عداه هو مساعدة الفئات الفقيرة أو ذات الدخل المنخفض، وأنه موقوت ومحدود بحجم هذه الفئات إلى أن تخرج من دائرة الفقر وانخفاض مستوى المعيشة.

مَنْ صاحب المصلحة فى استمرار برامج الدعم وزيادة اعتماداتها فى كل موازنة عامة من سنة لأخرى؟ أكدت كل المؤشرات المستفادة من التقارير والدراسات الميدانية والبحوث الراهنة أن نسبة لا يستهان بها من مخصصات الدعم يستحوذ عليها غير المستحقين من الفئات المقتدرة. ومن ثم يتسرب هذا الدعم بعيداً عن الفقراء، ما ينعكس فى زيادة أعدادهم ونسبتهم من السكان.

إن أولى مهام الحكومة والمالية العامة هى حُسن استخدام الموارد العامة التى تتاح لها، وتخصيص هذه الإيرادات للنفقات العامة وفقاً لنمط أولويات واضحة يقرها مجلس النواب.

وكما يظهر من أبواب الإنفاق فى الموازنة يحتل بند «الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية» أكبر نسبة، وتفوق أياً من الأجور وخدمة الدين العام (وهى بنود حتمية)، فى هيكل الموازنة العامة. وهو ما يعكس أن الحكومة تعتبر أن الدعم والحماية الاجتماعية للفقراء ومحدودى الدخل يقع على رأس قائمة الأولويات فى سياستها المالية والاجتماعية. لقد تضاعفت اعتمادات هذا البند من حوالى مائة مليار جنيه فى 9/ 2010 إلى أكثر من 210 مليارات فى موازنة 16/ 2017 (كانت قد بلغت 234 مليارا فى العام الماضى).

ويتضح مدى أهمية هذه الاعتمادات حينما نعرف أنها تستحوذ سنوياً على حوالى 10- 11% من قيمة الناتج المحلى الإجمالى، واستوعبت ما يعادل ثلث جملة المصروفات العامة فى ميزانية 13/ 2014، (بينما حصل كل من بندى الأجور وخدمة الديون على ربع المصروفات). وعلى الرغم من انخفاض هذه النسبة إلى 27%، فمازالت تفوق نسبة الأجور فى المصروفات العامة فى آخر ميزانية (15/ 2016).

وما يزيد الأمر ارتباكاً ليس فقط ضخامة مخصصات بند «الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية»، ولكن أيضاً اختلاط وتداخل مجالات إنفاق هذه الاعتمادات. من المثير أن نلاحظ أن دعم المواد البترولية كان يبلغ فى 12/ 2013 أربعة أضعاف دعم السلع التموينية (120 مليارا مقابل 33 مليارا)، ونتيجة لانخفاض أسعار البترول ومشتقاته، تراجع دعم المواد البترولية إلى 62 مليار دولار. وتتضمن موازنة 16/ 2017 حوالى 35 مليار جنيه فقط لهذا الدعم. ولكن الغريب- فى نفس الوقت- هو ارتفاع دعم الكهرباء من 8.6 مليار جنيه فى 12/ 2013 إلى أكثر من 31 مليار جنيه فى 15/ 2016. ما تفسير هذا الارتفاع رغم زيادة أسعار فواتير الكهرباء؟ هل تم تعديل أسعار توريد المازوت والغاز لمحطات الكهرباء وهو ما أدى إلى نقل البند من دعم المنتجات البترولية إلى دعم الكهرباء؟ الإجابة فى بطن المسؤول!!.. وبالإضافة إلى ذلك لا تبدو أى علاقة بين دعم السلع، وبخاصة التموينية، وتطبيق برنامج للدعم النقدى مثل معاش الضمان الاجتماعى، الذى زاد بمقدار أربعة أضعاف خلال السنوات الخمس الأخيرة (أكثر من 11 مليار جنيه فى موازنة 16/ 2017). المنطق العملى يقتضى سرعة استبدال الدعم النقدى بالدعم السلعى، ومن ثم انخفاض مخصصاته. وكذلك تتضمن اعتمادات المزايا الاجتماعية الدعم المقدم للمنتجين: دعم المزارعين، ودعم تنشيط الصادرات. ورغم أهمية التوجه نحو زيادة التصدير ومساندة المزارعين، من ناحية، وضآلة الاعتمادات المخصصة للبندين (حوالى 3 مليارات للصادرات، وزيادة دعم المزارعين من 870 ألف دولار إلى أكثر من 5 مليارات فى 16/ 2017) من ناحية أخرى.. فقد أثار البرنامجان من المشكلات أكثر مما أزالا من المعوقات. وربما تكون هناك وسائل أخرى لدعم التصدير والإنتاج الزراعى (المصدرين والمزارعين).

كان ما سبق عن التكلفة، فماذا عن الهدف والغرض من وراء هذا الإنفاق الكبير فى الموازنة العامة؟ ما أكثر الكتابات والحوارات التى تطالب الحكومة بمساندة الفقراء وحماية محدودى الدخل فى مواجهة تدهور مستويات المعيشة بسبب الغلاء، وقصور الخدمات والمرافق العامة! وعندما تتقدم الحكومة- كل حكومة- بمقترح الموازنة العامة للبرلمان، فإنها تبرر ارتفاع مخصصات بند «الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية»- على النحو الذى عرضناه- بتحملها مسؤولية التصدى لمشكلة الفقر، ومراعاة البعد الاجتماعى عند وضع سياستها العامة. الغريب فى الأمر أن هذه المطالبات والآراء تستند إلى ما ينشره جهاز الإحصاء عن تزايد نسبة الفقر وأعداد الفقراء من سنة لأخرى. وكان الأجدر أن تخضع هذه السياسة وبرامج الدعم للتقييم والمراجعة والتعديل، وليس الاكتفاء بطلب زيادة الاعتمادات كل سنة.

كيف نفسر الشكوى من زيادة الفقر ومعاناة ذوى الدخل المحدود وبعض شرائح الطبقة المتوسطة، رغم تزايد المصروفات العامة الموجهة لدعم هؤلاء، وغيرها من برامج البعد الاجتماعى؟

■ فى بداية الأمر، تجدر الإشارة إلى عدم الموضوعية فى استخدام كم المعلومات والمؤشرات المتوافرة عن مسألة الفقر وتوزيع الدخل. وكثيراً ما يجرى لَىُّ الحقائق للمبالغة فى تقدير نسبة الفقر. فمثلاً تقدر مسوحات ميزانية الأسرة أن خط الفقر يتحدد عند 16 جنيها أو أقل يومياً للفرد الفقير، بينما تشير بيانات البنك الدولى إلى أن عشرة جنيهات يومياً هى الحد الأدنى لإنفاق الفرد حتى لا يُعَد فقيراً. تعديل قيمة هذا الخط ستؤدى إلى انخفاض نسبة الفقراء فى مصر إلى حوالى 20% وليس 28% من السكان.

■ المسألة أهم من الاختلاف حول نسبة الفقر وأعداد الفقراء، بل من هو الفقير. فحينما يسود الانطباع بأننا شعب من الفقراء، ويُسْمَح لأكثر من 88% من المصريين بالحصول على بطاقة تموينية (95% من سكان الريف، 81% فى الحضر) ستتوزع مصروفات الدعم على هذه الأعداد دون أن يحصل الفقراء وحدهم على الدعم. هل يعقل أن أكثر من ثلاثة أرباع الأسر الأعلى إنفاقاً (أغنى 10% من السكان) لديهم بطاقات تموينية؟ نفس مصدر البيانات يشير إلى أن كل أسرة من أغنى 20% من المصريين تحصل على دعم يعادل 5% تقريباً من إجمالى إنفاقها على الغذاء. ومن ثم يحصل غير الفقير على حصة من الدعم تفوق ما يحصل عليه الفقير. لقد أظهرت دراسات قامت بها وزارة التخطيط أن أكثر من 80% من مخصصات دعم السلع الغذائية يستحوذ عليها غير الفقراء. فلماذا نتمسك بهذا النظام؟

■ الأرقام المطلقة قد توحى بأن مخصصات دعم الغذاء ليست هى مكمن الخطورة المالية. فى موازنة 16/ 2017 تم اعتماد 65 مليارا لدعم المواد البترولية والكهرباء مقابل 40 مليارا للسلع التموينية. هل يفيد دعم الطاقة للفقراء؟.. تابعت منذ 2005 هذا الملف، وكانت المعلومات التى توافرت لدىّ أن دعم منتجات الطاقة الذى يحصل عليه الشخص الغنى يبلغ ثلاثة أضعاف ما يحصل عليه الفقير. إذ يحصل أفقر 20% من السكان على 13% من قيمة دعم البوتاجاز، وتستحوذ الفئة الغنية على ضعف هذه النسبة، وأكثر من 90% من دعم البنزين يصل إلى أغنى فئة. ولايزال الأمر ملتبساً مع ذلك فيما يتعلق بدعم الصناعات كثيفة الطاقة، ومتردداً فيما يخص زيادة أسعار البنزين والكهرباء.

■ أى سياسة جادة تستهدف الكفاءة فى استخدام الموارد وضمان العدالة الاجتماعية فى توزيع الأعباء تستوجب الاستفادة من مؤشرات الخريطة الاجتماعية الموجودة، وشجاعة مواجهة أصحاب المصالح. يُقْتَرح إلغاء بطاقات التموين الخاصة بالعاملين فى الحكومة. البيانات تُظْهر أن 12% فقط من الفقراء يعملون فى القطاع الحكومى، ويمكن تعويض هؤلاء عن طريق «علاوة غلاء معيشة» تُمنح لمن يقل راتبهم عن مستوى معين. كما يجب تنقية بطاقات التموين لاستبعاد كل المهنيين. ولأن نصف عدد الفقراء يعملون خارج المنشآت فيجب أن يستمر تسجيل هؤلاء على بطاقات التموين حتى تتم مراجعة مواقفهم.

■ بالتوازى مع تنقية بطاقات التموين لتغطى فقط 40% من السكان، لابد من سرعة تطوير نظام الكارت الذكى أو بطاقة الرقم (القومى) الاجتماعى للتحول إلى نظام الدعم النقدى الشامل ليضم كذلك معاش الضمان الاجتماعى.

■ مراجعة نظام تسعير منتجات البترول والكهرباء وتدقيق حساباتها وترشيد استخداماتها، وبالتوازى يجب رفع أسعارها بما يتناسب مع التكلفة المقدرة بحيث يتوقف دعمها خلال ثلاث سنوات.

■ مراجعة مفهومنا عن الفقر، والكف عن اعتبار شرائح الطبقة المتوسطة من الفقراء، وإعادة التوجه نحو مفهوم «الفقر متعدد الأبعاد»، وتفعيل وتوسيع نطاق برنامج «الألف قرية».

فى ظل الأزمة الطاحنة التى نواجهها والوهن الاقتصادى الشديد، علينا جميعاً أن نتكاتف لدعم الحكومة حتى تتمكن من إعادة بناء منظومة عصرية لتقوية الاقتصاد والتشغيل، ومساندة الفقراء ومحدودى الدخل لتحسين فرص التنمية أمامهم.

حمى الله مصر

* وزير التخطيط الأسبق

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك