أخبار عاجلة

المناظرة...!

المناظرة...!
المناظرة...!

بدا الأمر كما لو كان قلب الولايات المتحدة سوف يتوقف عن الخفقان. كانت المعزوفة الإعلامية كلها، وهى هائلة، قد نصبت سِيرْكاً قومياً كبيراً فى انتظار المناظرة الأولى بين المرشح الديمقراطى للرئاسة الأمريكية هيلارى كلينتون، والمرشح الجمهورى دونالد ترامب. وحتى يشعر الجمع كله بالأهمية فقد جرى التأكيد مرارًا أن «المناظرة الأولى» هى الحاسمة، ومن أجل ذلك كانت المراقبة لاستعدادات الجانبين. ولأن لا أحد يعرف على وجه الدقة ماذا يدور على الناحيتين، فإنه جرى استئجار خبراء لكى ينظروا فى هذا الاستعداد اعتمادا على خبرات سابقة. بالطبع كانت حالة «ترامب» هى المعقدة، لأن فريقه، فضلاً عن خبرائه، رأوا أنه من الأفضل أن يكون مرشحهم على سجيته، فبهذه الطريقة الهوجاء كسب الانتخابات التمهيدية باكتساح وقهر «المؤسسة» الجمهورية كلها، وها هو يقف على عتبات البيت الأبيض بعد أن ضيق الفجوة مع كلينتون فى استطلاعات الرأى العام، بل وتفوق عليها فى بعض استطلاعات الرأى العام.

وكما يحدث فى المباريات الرياضية كانت «استوديوهات» التحليل جاهزة بالمحللين والمراقبين والمؤيدين على جانبى الصراع الرئاسى. والمحطات المختلفة جاهزة بفيديوهات وثائقية تحكى قصة المناظرات من أول تلك التى جرت بين ريتشارد نيكسون وجون كنيدى، وما بعدها من مناظرات حتى وصلنا للأخيرة بين أوباما ورومنى قبل أربعة أعوام. الشاهد هكذا بات جاهزا تماما للحدث الكبير، فهو يعرف ما جرى بقدر ما يعرف ماذا عليه الحال لكلا المرشحين من آراء، ومزايا، وعيوب، ونقاط ضعف وقوة. وبدأ العد التنازلى لمشهد اللقاء التاريخى أولا بالأسابيع، ثم بالأيام، وأخيرا بالساعات والدقائق والثوانى. لم يكن هناك ستار ليرتفع فى واحدة من جامعات نيويورك التى لم أسمع بها من قبل، والمنظم كان هيئة خاصة هى التى قررت الموعد، ومن سيطرح الأسئلة، وكيفية الإجابة. الهيئة يرأسها جمهورى وديمقراطى، وهى التى قررت أن يكون هناك ثلاث مناظرات، وواحدة بين نائبى الرئيس. وفى كل المناظرات سوف تكون السياستان الداخلية والخارجية تحت المجهر.

ولكن الموضوع لم يكن سيداً أو وحده تحت المجهر، فالشخصية فرضت نفسها، فرئيس الجمهورية الأمريكية، وزعيم الغرب، وقائد العالم الحر، لابد أن تكون له مواصفات خاصة غير معروفة على وجه التحديد، ولكنها خاصة وكفى. فمن يوضع على أكتافه القدرة على إبادة البشرية، أو العبث بمصائر دول وشعوب، ومؤخرا أفراد شعرت الولايات المتحدة بأنه من الضرورى إزاحتهم عن الطريق، لابد أن تكون له مواهب معينة فى القدرة على اتخاذ القرار من ناحية، وأن يكون القرار صائباً من ناحية أخرى. فى المناظرة بدت هيلارى كلينتون أكثر استعدادا وخبرة فى القيادة، فقد شاركت كزوجة وعضوة مجلس شيوخ ووزيرة للخارجية فى قرارات صعبة على مدى قرابة ربع قرن. ولأن اغتيال أسامة بن لادن، زعيم «القاعدة»، كان أكثرها شهرة، فإنها أضافت له فى المناظرة التخلص من أبوبكر البغدادى، زعيم «داعش» هذه المرة. ترامب من ناحيته كان يميل دوما إلى السرية، فهو ليس على استعداد للتصريح بسجله الضريبى، بنفس القدر الذى عليه أن يحتفظ بخطته لتدمير «داعش» السرية، لأنه ليس مثل هيلارى على استعداد لإذاعة خططه لكى يعرفها الأعداء. المشكلة هنا مع هذه السرية أنها يمكن أن تكون الغطاء لعدم وجود خطة على الإطلاق.

المناظرة مثيرة ولا شك، وربما كانت هى المناظرة التى أشهدها منذ بدأت مشاهدة المناظرات منذ عام ١٩٧٧ وقد أفلت فيها الزمام من حيث احترام الوقت، والمقاطعة، والأرجح أن ذلك كان مقصودا لتوفير أكبر قدر ممكن من التلقائية. وهذه لم تكن فى صالح ترامب، فتلقائيته لم تجعله منضبطا فى الوقت ولا التوقيت ولا فى الكلمات التى استخدمها، فانتهت المناظرة إلى دفاع ترامب عن دونالد ترامب طوال الوقت، سواء عن أموره الخاصة أو مواقفه العامة. كلينتون على الجانب الآخر كانت ذات شخصية «رئاسية» ثابتة وراسية وغير متوترة، ومتعايشة مع الموقف والكاميرات، وبشكل ما نجحت فى الإفلات من صورة الشخصية المصنوعة والمصطنعة التى كان مشجعو ترامب يروجون لها. مثل هذه الحالة سمحت لها بالانصراف بعد انتهاء المناظرة، تاركة لمعاونيها «الغَزْل أو Spin» أو تربيط الخيوط المبعثرة فى صورة واحدة عن المرشح تجعله المفضل بين المرشحين. ترامب على الجانب الآخر لم يترك مكان المناظرة، ولكن بقى مع عائلته، وتولى بنفسه عملية تعويض وشرح ما فاته، ولكن العالم لم يكن منتظرا، فقد كان المحللون قد حكموا ومن بعدهم أول استطلاع للرأى العام الذى حكم بفوز هيلارى.

ولكن بعيدا عن الحالة الأمريكية السينمائية، فإن القصد من المناظرة قد تحقق، ولكنها ليس نهاية العالم، فهناك ثلاث جولات أخرى بين فريقى الترشيح للرئاسة، وفيها فإن التعويض ممكن. ولكن التجربة تظل درساً لنا فى مصر للتعرف على الفرق ما بين «المناظرة» والجدل، وكيفية وضع المرشحين تحت المنظار، وربما أيضا الناخبين لأنهم هم الذين فى النهاية سوف يختارون من منظور مصالحهم، وتفضيلاتهم، وخياراتهم. فالانتخابات فى الأول والآخر ليست نوعا من الرياضات التنافسية المثيرة للحماس بين فرق متنافسة، إنما هى مسارات تاريخية للأمم، وقرارات اليوم تحصد نتائجها مراً وعلقماً، أو بهجة وسعادة فى قادم الأيام.٫

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك