أخبار عاجلة

بيت طيب

بيت طيب
بيت طيب

بدأت أميز وجهه من بين مئات الوجوه التى تتردد يوميا على المستشفى. هذا الرجل السبعينى الكفيف، لا تبدو عليه سيماء الملل التى نشاهدها عادة على وجوه المرضى عندما يشتد الزحام ويتأخر الدخول إلى الطبيب. بل على العكس يبدو دائما مستريحا على الآخر. بذقنه نصف النامية وابتسامة مستريحة على وجهه المسترخى، وكأنما يشاهد- فى ظلام عينيه- مشهدا مبهجا، لا نراه نحن.

بدأت أحبه، وأحب وجوده! كان يتردد شهريا لصرف العلاج، ومعه ابنته. جلبابه كان نظيفا ومكويا، ولم ألمح ما يشير إلى الإهمال فى هيئته. كان واضحا أن ابنته توليه عناية فائقة. ولم يفتنى جو الود والدلال اللطيف المتبادل بينه وبينها، فعرفت أنه بيت طيب.

■ ■ ■

بالتدريج توثقت علاقاتنا، وعرفت أنه كان مُعلما قبل إحالته إلى المعاش، وعرفت أنه- فى الأصل- منحدر من أصل ريفى، لم تنقطع صلته بهم حتى اليوم.

كنت أشعر براحة حقيقية حين يدخل عيادتى، فأتعمد إطالة مدة بقائه لأحظى بنسمة سلام من هذا الوجود الودود الذى صار- هذه الأيام- نادرا ما تصادفه.

سكينته البادية كانت راحة من أتم مهمته فى الحياة على خير وجه. وصار من حقه أن ينعم بالحب والتدليل من أسرته الصغيرة. حكى لى عن إعارته فى مكان ناءٍ، والتى تسببت فى تفاقم المرض فى عينيه وفقدان البصر لغياب العناية الطبية. لكنه كان يشعر أنه ثمن يستحق! قال لى فى فخر: «عندما جمعت المال المناسب تعمدت أن أبحث فى أطراف المدينة، قاصدا أن أبتعد بهم عن الزحام والتلوث. وعندما وجدت هذا البيت لم أتردد. وضعت فيه ثمن غربتى كله. لا بد أن تزورنى يوما وتشاهد المزارع الخضراء حتى آخر المدى. والهواء المنعش، هواء الغيطان، يلثم وجهك».

وانبسط وجهه وهو يحكى، فأدركت أنه يرى المزارع الآن. المشهد الجميل اختزنه فى عينيه منذ ذلك الحين وما زال لا يرى غيره.

قال لى فى حماس وهو يغادر: «تعال لتزورنى. سنجلس فى الشرفة ونشرب الشاى بالنعناع. إنها الجنة».

■ ■ ■

لم يخطر ببالى- وأنا أعده من قبيل المجاملة- أننى سأذهب بالفعل. لقد جاءت ابنته، وقد فارق وجهها الابتسام، لتخبرنى أنه مريض جدا! وشعرت بحزن شديد جعلنى أعرض فى أريحية أن أذهب إليه كطبيب وصديق. والحقيقة أننى كنت بالفعل أحبه.

وهكذا ذهبنا، أنا وهى. أعرف الحى فلطالما مررت عليه- وأنا فى طريقى إلى المزارع- لأختلى بنفسى. ولكن هذا كان منذ عهد سحيق. اليوم ارتفعت العمائر وتلاصقت المبانى، وعمت العشوائية. رحنا نخترق الدروب الضيقة ذاهبين إلى البيت، ولا يفارق خيالى مشهد الشرفة التى وصفها لى بأنها قطعة من الجنة.

هناك شىء ما خطأ! لكننى لم أستطع أن أطرح تساؤلاتى وأنا أتبع ابنته عبر الدرج المتأكل الضيق.

كانت فرحته بقدومى لا توصف. وبنشاط اقتادنى على الفور إلى الشرفة، وكأنه يريد أن يتباهى أمامى برحلة عمره الظافرة، والتى دفعها من عينيه بثمن غال.

■ ■ ■

الشرفة كانت واسعة فعلا، ولكنها تطل على بناية قبيحة ارتفعت أمامها. وراح هو يصف المشهد كأنه يراه. خضرة الوادى حين تتعانق مع الأفق الأزرق، والهواء المنعش الذى يأتى من الحقول. والأبقار التى تمضغ العشب، وتمشى فى كسل. مشاهد اختزنها فى عينيه المظلمتين فأنارت فؤاده.

واتسعت عينا ابنته كأنها تحذرنى ان أنطق بالحقيقة. وفهمت كل شىء على الفور: لم يخبروه بتدهور الحى وارتفاع الحائط القبيح وتآكل المزارع التى تحولت كلها إلى مبان عشوائية. تركوه على الوهم القديم المريح. فيا له من بيت طيب!.

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى محكمة أمريكية تغرم طهران ودمشق 178 مليون دولار