الفضل شلق يكتب: بؤس الإنتلجنسيا العربية: العزوف السياسى والجمود الأخلاقى

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة

نقلاً عن جريدة «السفير» اللبنانية

تتعلق السياسة بالفضاء العام. تتعدد الآراء، يدور النقاش والحوار، والتواصل وتبادل الآراء، الحاجة إلى تسوية أو تسويات، اختيار الممكن من بينها، الممكن واحد من خيارات أخرى متاحة، كل منها يحتاج إلى تسوية، كل تسوية تعنى أن كل طرف فى العلاقة يتخلى عن جزء مما يعتبره حقاً أو حقيقة فى سبيل الوصول إلى نقطة مشتركة، دون ذلك ينقسم المجتمع ويصير أخذ القرار مستحيلاً إلا مع القمع والاستبداد. السياسة نقيض الاستبداد، بديل الحرب الأهلية، هى إحلال السلم الأهلى مكان العنف المسلح. لكن فى كل تعددية الخيار يعبر عن حرية ما.

تتعلق الأخلاق بالمعايير والقيم. هذه مقاييس لما يجب أن يكون. أنت يجب أن تقوم بما تقوم به لأنك يجب أن تقوم به. إذا لم يكن لديك ما يكفى من النوازع والدوافع للقيام بما يجب القيام به، فهناك القانون الذى يفرض عليك التقيد بما يجب. القانون سلطة قسرية. تتقلص الحرية فى مواجهة القانون. أنت لا تختار القانون. فى السياسة احتمالات متعددة لخيار واحد يتخذ عند القرار. فى الأخلاق احتمال واحد لقرار واحد. يرتاح العقل والضمير عندما تكون الاحتمالات ضئيلة. هناك عذاب كبير مع تعدد الاحتمالات وضرورة الخيار بينها. يكتفى الكثير من الناس بالأخلاق ويعزفون عن السياسة. يصبح العزوف ضرورة مع الاستبداد. الاستبداد يلغى السياسة لكنه لا يلغى الأخلاق، يؤكدها، وإن لغايات مشبوهة. فى هذا التأكيد مصادرة للأخلاق يجعلها خاضعة لاعتبارات خارجية وقسرية.

الدولة مجال السياسة. دون السياسة تتحول الدولة إلى سلطة، مجرد سلطة تحكم بالقمع والإكراه. الدولة الحديثة هى الإطار الناظم للمجتمع. عندما يكون المجتمع سياسياً، يصير هو الدولة، تصير الدولة تعبيراً عن المجتمع فى قراراتها، تتوحد السلطة والدولة، تخضع السلطة لاعتبارات الدولة، لا تعود الدولة سلطة خارجية. تصير هى جزءا من الفرد، من الضمير الفردى والجماعى. يتوسع مجال الحرية، يصير تطبيق القانون تلقائياً، تخرج الأخلاق من عباءة السلطة، يعود للفرد ضميره. لا بد من سلطة ما، لكن شرط السلطة أن تخضع لاعتبارات الدولة. لا شرط على الدولة، الدولة شرط لما عداها. القول بأن تكون عادلة أو قوية، إلخ... لا ضرورة له، إذ إنها صارت هى المجتمع السياسى، صارت هى التعبير عن الذات، عن الضمير، عن الوجود الإنسانى.

مصادرة السياسة هى مصادرة الأخلاق فى آن معاً. يصعب، بل يستحيل، الركون إلى الأخلاق فى غياب السياسة. تصير الأخلاق وهماً مع الاستبداد. أما العزوف السياسى فهو عزوف أخلاقى فى آن معاً. يتقوقع الإنسان داخل ذاته، يعزى النفس بالسلوك المستقيم. راحة نفسية أشبه بالصوفية. يموت الدافع الإنسانى، يتوقف الفرد عن السعى الحقيقى من أجل الارتقاء والتقدم.

الفرق بين الأخلاق والسياسة هو بين ما يجب أن يكون وبين ما يمكن أن يكون، هو بين الوجوب والإمكان. مع الاستبداد يتحول الوجوب والإمكان إلى استحالة، استحالة أن يكون الإنسان كما ذاته، استحالة أن يتصرف الإنسان حسب ضميره. العزوف عن السياسة، عن الممكن، هو أيضاً عزوف عن السعى من أجل الوجوب الأخلاقى، هو خضوع لوجوب آخر تفرضه سلطة خارجية، من خارج الذات، هو استتباع الإنسان لما هو خارج ذاته، هو جعل الإنسان أداة لغيره.

تبرر النخب العربية عزوفها السياسى بالاحتماء وراء الأخلاق، لأنها لا تدرك معنى الدولة، لا تدرك من السياسة إلا معنى الصراع على السلطة. هى «فى نهاية التحليل» تخضع للسلطة الجاثمة فوق صدور الناس، السلطة التى تخنق الوعى وتمنع السعى وتشل مجتمعنا. العزوف السياسى أدى إلى جمود أخلاقى وإلى شلل فكرى. ما زلنا خلال القرن الأخير نردد الأفكار ذاتها، فى حين أنها أثبتت فشلها. توقفنا عن السؤال والتساؤل حول المصطلحات والمفاهيم الشائعة. ليس الاختلاف بين السياسة والأخلاق اختلافاً بين النظرية والممارسة، بل هو تعبير عن فقر أخلاقى وروحى. ننقاد لما هو شائع. ليس لدينا العزم للخروج على المألوف.

مثل واحد يكفى: عندما خرج أحد المفكرين الأمريكيين بمقولة صراع الحضارات، أقمنا الدنيا ولم نقعدها. لكن، مَن غيرنا فى العالم الآن يشن صراع الحضارات والثقافات؟ مَن غيرنا فى العالم يدعو إلى خصوصية دينية أو ثقافية فى العلوم المادية والعلوم الإنسانية وحقوق الإنسان؟ أليس فى ذلك استسلام للماضى ولما يسمى التراث والثقافة الموروثة؟ وهل يكون لوجودنا معنى دون أن نتجاوز ما نحن عليه وما كنا عليه؟ وهل يمكن التجاوز دون الوعى والسعى؟.

أولوية الممكن (السياسة) على الواجب (الأخلاق) هى ما يمنحنا الفرصة للخروج من المأزق. هى أولوية السعى إلى الاستسلام، أولوية التجاوز لأنفسنا. عزوف سياسى يقود إلى جمود، إلى أخلاقى، كل منهما يلغى إمكانية التجاوز.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

إخترنا لك

0 تعليق