أخبار عاجلة
إزالة 15 حالة تعد على الأراضي الزراعية بالأقصر -

مَنْ يخاف الهجرة؟

مَنْ يخاف الهجرة؟
مَنْ يخاف الهجرة؟

«ثم هناك المسألة المُزعجة المتمثلة بعدم استعمالهم المراحيض بطريقة صحية. فكثيرٌ من اللاجئين المُعتادين استعمال المراحيض الآسيوية، التى على شكل حفرة فى الأرض، لا يحبوّن الجلوس على مقعد المِرحاض (...) وقد التقيتُ لدى مركز اللاجئين بمدينة هامبورج بعاملى صيانة لمقاعد المراحيض، وكانا يشكوان من تعرُّض هذه المقاعد للكسر المُستمر».

هذا جزءٌ من مقال مطوّل نشرته «ناشونال جيوجرافيك» فى عددها الأخير تحت عنوان «الأوروبيون الجدد». المقال يحكى قصة المُهاجرين واللاجئين فى أوروبا، مُركّزاً على ألمانيا بالتحديد. مناسبة الكلام عن المراحيض هى «البرزخ الثقافى» الذى يفصل المُهاجرين عن أهل البلد. وهذا جانبٌ واحدٌ فقط لواحدة من أعقد الظواهر فى زماننا: الهجرة. الهجرة نتيجة طبيعية لشكل العالم الذى نعيش فيه. هو ليس فقط عالماً تقلصت فيه المسافات، ولكنه أيضاً بلا حواجز. لا أقصد فقط الحواجز المادية التى تحول بين الناس وبين التنقل من بلد إلى بلد. الحواجز النفسية تداعت هى الأخرى. الناس تعرف - بفضل تكنولوجيا الاتصال والإعلام- كيف يعيش الآخرون. اختلاف أنماط العيش لم يعد سداً منيعاً أمام انتقال البشر كما كان فى السابق. أغلبية البشر، ولأول مرة فى التاريخ منذ عام 2007، صاروا يعيشون فى مدن. عدد سكان المدن فى تصاعد. قاطنو المُدن أكثر تقبلاً لفكرة الانتقال لمدن أخرى مُقارنة بسكان الريف. البشر يتحركون بسهولة أكثر. بكثافة أعلى. هذا اتجاه سوف يستمر ولن يتقلص. فجوة الدخل بين البلدان الفقيرة والغنية تصاعدت على نحو غير مسبوق منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضى. هذه الفجوة هى الدافع الرئيسى للهجرة.

المُهاجر هو شخص يعيش بصورة دائمة، وبمحض إرادته، خارج البلد الذى وُلد فيه. العام الماضى، كان فى العالم 244 مليون مُهاجر. الرقم يُماثل تعداد دولة كبيرة. هناك أيضاً نحو 60 مليون لاجئ. الفرق بين المهاجر واللاجئ هو أن الأخير ترك بلده مُكرَهاً. المُهاجرون واللاجئون معاً يلعبون اليوم دوراً أساسياً على مسرح السياسة الدولية. كثيرٌ من التغيرات الكُبرى التى تُداهم عالمنا لها علاقة بظاهرة الهجرة: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى. صعود الأحزاب اليمينية التى تُهدد بتغيير شكل الاتحاد الأوروبى. بروز شخصية سياسية مثل ترامب للمنافسة على أهم منصب فى الولايات المُتحدة.. إلخ.

هل يشيع المُهاجرون واللاجئون بذور الفوضى والاضطراب فى العالم؟ هل الهجرة، فى المحصلة، شيء جيد أم شرٌ مستطير؟ هل يتعين على الدول الغنية القبول بمُهاجرين من الدول الأفقر؟ هل تُفيد الهجرة البلد المُضيف؟ ماذا عن البلد المُرسل للمهاجرين.. هل يستفيد هو الآخر أم يتضرر؟

هذه الأسئلة كلها تكشف عن الطبيعة المُعقدة لظاهرة الهجرة. ليست هناك إجابة صحيحة واحدة متفقٌ على أى منها. تأمل حالة ألمانيا: عدد الوفيات يفوق عدد المواليد بـ 200 ألف نسمة سنوياً. السُكان آخذون فى التناقص. سوف تخسر ألمانيا 10 ملايين من سُكانها (81 مليوناً اليوم) بحلول عام 2060. بعض الإحصائيات يُشير إلى أنها تحتاج إلى نصف مليون مُهاجر سنوياً حتى عام 2050 من أجل المُحافظة على نسبة ثابتة من السُكان فى سن العمل. هذه مسألة جوهرية لأن عدد كبار السن الذين يعتمدون على المعاشات (التى يمولها العاملون من الشباب) فى تصاعد. ليس هذا الوضع مقصوراً على ألمانيا وحدها. أوروبا فيها تسع دول من الأعلى عالمياً من حيث نسبة السُكان فوق الخامسة والستين (الدولة العاشرة هى اليابان). معنى ذلك أن هذه الدول فى حاجة ماسة لمُهاجرين للحفاظ على توازنها الديموغرافى. قد تكون «ميركل»، والحال هذه، قد تصرفت بدافع المصلحة عندما قررت قبول مليون لاجئ سورى العام الماضى. هى لم تكن، بالتأكيد، غافلة عن المخاطر والمشاكل المُرتبطة بمثل هذا القرار. هناك حجة قوية لمن يقولون إن الهجرة تؤدى إلى إنعاش اقتصادى فى المُجتمعات المُستقبلة لها.

من جانب آخر، الهجرة تدفع بمُشكلات الهوية إلى السطح. تُزيد من حدة التوترات فى المُجتمعات، خاصة إذا جاء المهاجرون من منظومات ثقافية مُغايرة. مثال المراحيض الذى بدأنا به المقال مُجرد فرع من مشكلة أكبر هى «الهوية». متى يشعر المهاجر أنه ينتمى - بالفعل - للبلد الذى يقطنه؟ كيف ينظر إلى ذاته وكيف ينظر إليه المُجتمع: كمواطنٍ أم مُجرد مُهاجر؟.. هذه الأسئلة تظل مُعلقة على رؤوس المهاجرين، بل أبناؤهم من الجيلين الثانى والثالث.

من جانب ثالث، للهجرة تأثيرات مُركبة على البلد المُرسِل. فى كتاب أصدرته عالم المعرفة الشهر الماضى تحت عنوان «الهجرة: كيف تؤثر فى عالمنا؟»، لاحظتُ الإحصائية التالية: فى 2012 وصلت قيمة الحوالات المالية التى أرسلت من بلدان ذات دخل مُرتفع إلى البلدان النامية إلى 400 مليار دولار. هذا مبلغٌ يكاد يصل تقريباً إلى أربعة أضعاف المُساعدات العالمية، ويُمكن أن يوازى الاستثمار الأجنبى المُباشر. غير أن الهجرة تسحب أيضاً من رصيد الموهوبين فى المُجتمع. تُفرغه من الكفاءات والعناصر الصالحة للقيادة. الكتاب يُناقش هذا الادعاء من زاوية مختلفة. يقول إن «الشىء الأكثر إثارة للذهول فى البلدان الصغيرة والفقيرة هو عدد الرؤساء ووزراء المالية ومديرى البنوك المركزية ذوى الكفاءة، ممكن كانوا فى فترات سابقة يعيشون فى بلدان مُضيفة، سواء كطُلاب أو مُقيمين لمُدة طويلة». كما ترى ليست الهجرة قضية بسيطة. صحيحٌ أن لكلٍ منّا رأياً قاطعاً فيها، بُحكم التجارب الشخصية والموقف السياسى والأخلاقى، إلا أن كل حُجة فى هذا الموضوع مردود عليها بحجة مُضادة. ظنى أن الهجرة ظاهرة جيدة فى المُجمل وتصب فى صالح الجميع. هكذا كانت وكذا ستظل. على أن خروجها عن السيطرة واطراد معدلاتها على النحو الذى نراه حالياً يُنذر بالاضطراب ويُعطى مجالاً واسعاً للمتطرفين والشعبويين والمُنادين ببناء الأسوار وإغلاق الأبواب. لا شىء يُخيف الناس من الهجرة قدر أن تكون عشوائية وخارجة عن السيطرة.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق إنقاذ الصحافة المصرية
التالى ماجد الراهب: الروتين والبيروقراطية يسيطران على عمل المسؤولين بالآثار (حوار)