أخبار عاجلة
الرئيس السيسي يوفد مندوبا للتعزية -

«نيولوك».. للدولة المؤجلة.. والديكتاتور العادل!

«نيولوك».. للدولة المؤجلة.. والديكتاتور العادل!
«نيولوك».. للدولة المؤجلة.. والديكتاتور العادل!

مازال الزعيم الراحل جمال عبدالناصر ملهما لكثير من الزعامات العربية وأولهم الرئيس السيسى نفسه.. ناصر كان تجسيدا لفكرة الديكتاتور العادل فى الخمسينيات.. مصر خرجت من الحكم الملكى وصراع الأحزاب ومؤامرات الإخوان لتسقط فى حجر مجموعة من الضباط الأحرار والقائد الملهم.. جمهورية يوليو 1952 هى التى تسببت فى ظهور الدولة العميقة والديكتاتور العادل.. ما ستقرأه فى السطور التالية خارج من العقل وغالبا لن يعجب كثيرين، فإذا كنت تريد أن تقرأ بإنصاف وتجرد نفسك عن الهوى أكمل القراءة.. وإلا اتركه فهناك كثير من الزملاء الآخرين ستجد عندهم البضاعة التى تريدها..

الرئيس السيسى قال إن سبب تحول مصر إلى شبة دولة هو هزيمة 67.. الهزيمة أو بالأحرى النكسة لم تكن إلا إحدى نتائج نظام استبدادى وإقصائى واحتكارى فى السياسة والثقافة والاقتصاد والفكر.. بداية نؤكد أن حركة يوليو 52 ساعدها انسداد الأفق بعد حريق القاهرة 1952 وإقالة حكومة الوفد وكانت السلطة أشبه بعلبة عصير ملقاة على قارعة الطريق فالتقطوها..

تسألنى كيف استمرت يوليو؟ ببساطة كان الضباط أذكياء عندما أعلنوا ضمن مبادئهم الستة الشهيرة إقامة حياة ديمقراطية سليمة.. «حقنة بنج» قوية المفعول خدرت حزب الوفد واستسلم لها مصطفى النحاس وحزبه على خلاف مقاومتهم الشديدة للانقلابات الملكية على الدستور فى السابق..

لم تكن لثورة يوليو شرعية الحكم فى البداية، لكنها ابتكرت فى الوقت ذاته ما سمى بـ«شرعية الإنجاز» وبالتالى كان ذكاء الضباط أنهم حصنوا مرحلتهم الأولى من الحكم بإعلان الجمهورية وحكم رئيس مصرى لأول مرة بعيدا عن أسرة محمد على وتحديد الملكية الزراعية وتوقيع اتفاقية الجلاء وتأميم قناة السويس وكسر احتكار السلاح وإقامة جيش وطنى قوى.. شرعية «الإنجاز الهائل» التهمت وابتلعت حلم الديمقراطية الذى أعلنته الثورة كأحد مبادئها..

من ثم أصبح مستحيلا قيام حركة ديمقراطية مع غياب الأحزاب وفقدان النحاس رغبته فى العمل السياسى وحصلت يوليو على مايشبه ختم «الجودة المؤجلة».. جودة شعبية ممتازة تغنيك عن الديموقراطية ووجع الدماغ.. من هنا روج إعلام عبدالناصر- الذى يتمنى الرئيس السيسى أن يكون إعلامنا مثله- لفكرة الاستقرار الشكلى.. وهو الهابط إلينا بقوة القمع من أعلى لأسفل.. ونحن استعذبناه ورضينا به حرصا على مكاسبنا.. نظام يحدثك عن حقوقك وليس واجباتك.. نظام يروعك دائما إنه لولاه لاحتلتك إسرائيل وإنجلترا وفرنسا.. نظام يصور لك أن الوطنية تتجسد فيه فقط بينما من يعارضه رجعى متعفن أو قلة مندسة وهى التعبيرات التى تطورت اليوم إلى الخيانة والعمالة والأجندات الخارجية.. ومن ناصر حتى السيسى نجحت جمهورية يوليو المؤجلة أو الدولة العميقة أن تكون التنين الذى يلتهم الأحزاب والديمقراطية.

(1)

لكن عند أول أزمة حقيقية تتعرض لها جمهورية يوليو وهى هزيمة 1967 طفا إلى السطح الصراع المكتوم بين ناصر وعامر.. وبين مجلس قيادة الثورة وقيادات الاتحاد الاشتراكى.. عبدالناصر الماكر التهم كل بذور الصراع وأنشأ محاكم الثورة التى خونت قادة الجيش وسط حالة تعتيم وإنكار هائلة.. كاريزما ناصر ووجود خطر الاحتلال ضاعف شعبيته بأنه سيكون البطل المخلص للأمة العربية من إسرائيل رغم هزيمته..

بعد وفاته سَوَّق إعلام الساحر العظيم حسنين هيكل الزعيم بأنه هو صاحب خطة عبور القناة وأن الحرب الحقيقية كانت الاستنزاف وأن أكتوبر 73 مجرد تمثيلية بالاتفاق مع الأمريكان.. وصدق الجميع ذلك لأن جمهورية يوليو ربت الشعب على أن ما يصدر عن ناصر ورجاله هو الحقيقة المطلقة.. وأن أى رأى آخر خيانة وطعن فى الوطنية والشرف.. وأتصور أن النظام الحالى يريد العودة لهذا الأسلوب رغم مرور 46 عاما تغير فيها العالم وأصبح المصريون خصوصا بعد يناير 2011 ويونيو 2013 ماردا خرج من القمقم يبحث عن حلول بنفسه ويرفض الرأى الواحد والصوت الأوحد..

التعددية هى أساس البشرية.. ليس هناك واحد إلا الله.. الشيوعية والاشتراكية سقطتا لأنهما ضد الطبيعة البشرية.. نحن فى عصر مختلف لا نقبل فيه بالمسلمات.. حان الوقت لانطلاق الدولة المؤجلة.. مصر تنتظر الرئيس كى تتحرك.. لم نعد دولة مؤسسات.. الحكومة والبرلمان والرئيس كيان سياسى واحد.. الديمقراطية ليست رجسا من عمل الشيطان بل هى إحدى الركائز الأساسية لنظام الحكم.. هى المشاركة التى تقدم حلولا بديلة لنظام لا يرى سوى نفسه.. إن أحد عيوب جمهورية ناصر المستمرة حتى الآن حرصها الشديد على دفن أى رأى مستقل واحتكار السلطة..

للأسف تحول الحكم بدلا من أن يكون مشاركة مع القوات المسلحة العظيمة إلى عملية أمنية وإدارية منظمة لتصفية أى رموز سياسية أو عقليات اقتصادية انتمت لنظام سابق أو ليست من أهل الثقة.. من ثم تحولت الدولة إلى ما يشبه «جهاز التليفزيون» لا يعمل إلا بالضغط على الريموت كنترول.. أجلنا معدل التنمية لننتهى من المشروعات القومية.. أجلنا التعليم والزراعة والصحة إلى أن ينتعش الاقتصاد.. وكيف ينتعش ونحن نؤجله لنقترض أو لنفرض ضرائب أو لنعوم الجنيه.. نتخبط بحثا عن طوق إنقاذ.. لدرجة أننا بحثنا عنه عند يوسف بطرس غالى الذى نطارده بالإنتربول ونتهمه بالفساد والإفساد.. إلى متى تظل الدولة مؤجلة ونحن متفرغون لتصفية الخصوم وتنفيذ مشروعات بالاقتراض أو التبرعات لدرجة أننا نفكر فى الاستيلاء على أموال الزكاة بالجمعيات الخيرية..

كل شىء مؤجل مثل أيام عبدالناصر إلى أن ساد الفقر والجهل والمرض حيث فشل كل رؤساء مصر فى القضاء عليهم.. منذ عشرات السنين نشد الحزام سعيا وراء الانتصار فى الحروب أو لتحقيق الاستقرار.. وفوجئنا مؤخرا بأنه لم يعد لدينا خصر لنشد عليه الحزام ونتقشف.. أرجوكم انسفوا الدولة المؤجلة وابدأوا فى شىء آخر..

(2)

إن المبدأ الذى يستند إليه مؤيدو الرئيس السيسى حاليا ويتلخص فى ضرورة تأييده لأنه ديكتاتور عادل، لم يعد يصلح الآن خصوصا بعد ثورتين أو انقلابين سمهما ما شئت.. المصريون أصبح لهم متطلبات وارتفع سقف طموحاتهم.. ليس معنى ذلك أننى أرفض حكم جنرال، بل على العكس هناك جنرالات محترمون مثل ديجول فى فرنسا وإيزنهاور فى أمريكا.. الرئيس القادم من مؤسسة عسكرية له مميزات هامة بشرط أن يكون هناك أحزاب قوية معه ونخبة مستنيرة.. إن هناك أملا جيدا أن يستمر حكم الجنرالات فى مصر بشرط أن يحدث تمازج واندماج بين المؤسسة العسكرية أو الدولة العميقة أو أيا ما كان المسمى وبين قوى المجتمع المدنى الديمقراطية التى تم تعطيلها وتجريفها عمدا..

هذا المزيج سينقذ الدولة المؤجلة العميقة من الجدل والتنابذ والانقسام، وسيكون هو حائط الصد النموذجى للأفكار المتطرفة الفاشية المعادية للديمقراطية.. الخلطة السحرية التى أتحدث عنها لن يكون لها دخل بالأمن القومى للبلاد أو الدفاع عنها أو تأمينها.. فمثلا رغم الحياة الديمقراطية التى يتشدق بها الإخوان فى تركيا، لا يمكن للأحزاب أو البرلمان أن تغلق- مثلا- القاعدة الجوية التركية فى إنجليرك أو الدخول إلى سوريا أو غيرها..

الدولة العميقة- وإن كانت مؤجلة وتبحث عن ذرائع لاستمرارها- تملك خبرات إستراتيجية تصب فى المصلحة الوطنية لمصر.. إذن الصيغة المقترحة أن يناط بهذه الدولة أيا كان اسمها حماية المصالح العليا وقضايا الحرب والسلام والعلاقات الدولية الكبرى.. ولا يمكن لعاقل أن نترك هذا كله للمزايدات والمظاهرات وغير ذلك.. إننى لا أجتهد ولا أقدم حلولا مستحيلة، ولكن عليكم الرجوع إلى صيغة التوافق بين العميقة وجبهة الإنقاذ الوطنى فى يوليو 2013 المعروفة بخريطة طريق..

الصياغة المقترحة حمت باكستان تحت قيادة برويز مشرف من أن تكون أفغانستان أخرى رغم أنه أطاح بنواز شريف المنتخب.. هى أيضا التى أنقذت فرنسا من فوضى الجمهورية الرابعة التى تأسست عقب الحرب العالمية الثانية وجاءت بالجمهورية الخامسة بقيادة ديجول.. نفس الشىء حدث مع الجنرال فرانكو بإسبانيا وجنرالات الأرجنتين والبرتغال..

غير أن هذه الصياغة لها عيب جوهرى وهو أن تقبل الدولة المؤجلة أو الرئيس السيسى نفسه أن ترفع يدها عن التعيينات سواء فى الحكومة أو المحافظين أو المحليات أو رؤساء الجامعات أو رؤساء الصحف ولاتسيطر على النقابات أو تمنح الأراضى والترخيصات.. ربما يقول قائل إن الإخوان سيعودون، وأرد قائلا تستطيعون منعهم بآلاف الطرق.. مصر تحتاج «نيو لوك» يا سادة.. لوك تكون مواجهة المشاكل والأزمات فيه من جناحى السلطة المنتخبة والحاكمة.. الإقناع والاقتناع أفضل من الإذعان والاستسلام على المدى الطويل..

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق تعز : المقاومة تصد هجمات في عدة جبهات وتكبد المليشيا خسائر فادحة
التالى رباط عنق أسود من فضلك