أخبار عاجلة
مقتل 30 شخصًا جراء انفجار شاحنة صهريج في كينيا -
وضع 10 أشخاص قيد الاحتجاز إثر هجومي إسطنبول -

رسالة إلى الأب اللواء حسن الجريدلى.. الإنسان والقائد.. فى ذكرى حرب أكتوبر

رسالة إلى الأب اللواء حسن الجريدلى.. الإنسان والقائد.. فى ذكرى حرب أكتوبر
رسالة إلى الأب اللواء حسن الجريدلى.. الإنسان والقائد.. فى ذكرى حرب أكتوبر

لقد تعودنا أن تكون الرسائل من الأب إلى الابن.. نصحاً وتوجيهاً.. حباً يسمو على الذات، لكن فليسمح لى أبى الغالى- رحمه الله- اللواء/ حسن الجريدلى فى هذه الرسالة أن أعكس المألوف، فرسالتى لك تأتى من ابن له من الأولاد والأحفاد، رسالة تخاطب روحك الطاهرة فى ذكرى حرب أكتوبر العظيمة، أخاطبك فى شخص جيل يفخر به الوطن، جنودا وصف ضباط وضباطا وقادة، كان أمامهم هدف تحرير الأرض وصيانة العرض. كم كان جيل أكتوبر عظيما ومضحيا فى صمت ونكران للذات!.

كنت يا أبى من جيلٍ أفنى عمره حبا فى وطنه الغالى مصر، منذ أن تخرجت فى الكلية الحربية فى الخامس من سبتمبر عام 1942، واخترت سلاح الإشارة، وأنت تكرس حياتك للجندية فى عطاء مستمر، توليت فيها- من بعض ما توليت- مديرا لعمليات القيادة العسكرية الشرقية، فضابطا بهيئة عمليات القوات المسلحة، وأمينا عاما لوزارة الدفاع، ثم رئيسا لهيئة عمليات القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر 1973، وحتى أنهيت خدمتك العسكرية عام 1978، لتدلى بخبراتك التراكمية لأجيال جديدة من العسكريين والمدنيين.

أقول لك إن الجيل الحالى فى أمسّ الحاجة لأن يستلهم روح جيلكم، ويكمل مسيرة جهدكم، وليجد فيكم القدوة والإخلاص. لقد كنت يا أبى من جيل نحت الصخر ليحقق نصر أكتوبر، انتصارا جاء بعد جهد وإخلاص، وضوحا فى الهدف، إعدادا للدولة لتتخطى هزيمة يونيو 1967، جيل أيقن أن هناك جولة رابعة للصراع يلزم الإعداد الجاد المتكامل لها عسكريا وسياسيا واقتصاديا وإعلاميا ومعنويا. كيف أنسى أنك من جيل خاض حروب 48، 56، 67، الاستنزاف، 1973.

أتذكر دائما، وأذكر لأولادى وأحفادى، تاريخك المشرف، منذ أن تخرجت ملازما ثانيا وعمرك 18 عاما ونصف لتكون ضابط إشارة لسرية إشارة آلاى مدفعية مضادة للطائرات، إلى أن تم تعيينك رئيسا لإشارة الفرقة الثانية (المشاة) فى فايد، ثم رئيسا لعمليات الفرقة بعد تأهيلك العلمى والعملى بالداخل وفى بعثات بالخارج فى مجال العمليات، ولتتمركز فى الكيلو 161 على الطريق الأوسط بسيناء، لتبدأ فصلا محوريا فى تعديل مسار خدمتك العسكرية، عشقت فيها تراب ودروب سيناء، وعشقت مجال العمليات، لتتدرب بعدها للعمل مديرا لعمليات القيادة العسكرية الشرقية، وليبدأ جيلك، شعبا وجيشا، ملحمة جديدة رفضا لهزيمة يونيو 1967، لاستعادة الأرض والعرض على مدار 6 سنوات، تحديتم فيها المستحيل دون شكوى أو كلل، مؤمنين بالله، بإرادة واثقة واجهت ما كان يطلق عليه حينئذ بالمستحيل ذاته، فقهرتم جيش إسرائيل الذى كان يزعم أنه لا يقهر.

عذرا يا أبى، إنى لم أخبرك أن مصرنا الغالية تمر حاليا بفترة مليئة بالتحديات.. مخاطر وتهديدات من كل صوب، ولعل أرواحكم الطاهرة تشعر بها، ولكننا على ثقة بأن شعبها العظيم قد قبل التحدى، وبإذنه- سبحانه- سيتخطى المحن، فهو الشعب ذاته على مر العصور، قد يكبو أحيانا لكنه يعود شامخا قويا. نحن- بل كل الشعب- فى أمس الحاجة لاستحضار تضحيات وجهد وروح جيل أكتوبر خلال مرحلة الصمود، استعدادا للتصدى حتى مرحلة الانقضاض فى حرب السادس من أكتوبر، لقد علمتمونا أن تحقيق الهدف يستوجب وضوحا فى الهدف، إعدادا وتخطيطا، جيلا مؤهلا علما وتدريبا، يضع مصلحة الوطن قبل أى غال أو نفيس، يلتحم وينصهر فيه الشعب مع الجيش فى نسيج واحد، فكلاهما هو الآخر. لن أنسى ما حييت كلماتك لى عندما تخرجت ضابطا فى الكلية البحرية قبل نشوب حرب أكتوبر المجيدة، فقد قلت لى من بين كلمات من ذهب: «الرجال هم من يتحملون المسؤولية، فالمسؤولية لا تفوض مهما كانت الأسباب، فاحرص على ذلك دائما، فستكون يوما قائدا مسؤولا»، هكذا تعلمت منك، وهكذا علينا جميعا أن نتعلم.

كم أفخر يا أبى بانتمائى لجيل حرب أكتوبر! فقد كان لى كل الشرف كما تعلم أن أنتقل بعد خدمتى بالقوات المسلحة لجهاز عظيم لأكمل مسيرتك، حمايةً لأمن مصر الوطنى، جهاز أمضيت فيه حياتى، ولاؤه للشعب ولا يخشى إلا الله، له دور كبير ومحورى فى انتصارنا، فبدون معلومات موثوقة محللة مقيمة مقدرة لا يمكن أن يتخذ القرار الصحيح فى التوقيت الملائم.

أبى القائد.. لا يمكن أن أنسى، ومن ينتمى لجيلى، لحظة انطلاق قواتنا الجوية إلى عمق سيناء فى العاشر من رمضان عام 1393 هجرية، لتدك تمركزات العدو فى الساعة الواحدة وخمسين دقيقة، ثم لحظة عبور كل تشكيلات قواتنا المسلحة قناة السويس متجهة لسيناء فى الساعة الثانية وخمس دقائق. من منا يستطيع أن ينسى هتاف جنود مصر البواسل «الله أكبر» وهم يقتحمون خط بارليف، ويدمرون نقاطه الحصينة؟ من ينسى توحد العرب فى تلك الحرب؟ من ينسى درسا تعلمناه أننا قادرون على العبور من حالة اليأس والإحباط إلى حالة الشعور بالثقة والفخار؟

كم أنا فخور بك يا أبى، بمشاركتك فى هذه الحرب، وبمشاركتك حينما كنت رئيسا لهيئة العمليات مع رجال أوفياء يعشقون الوطن فى إعداد الخطة «شامل» لتدمير قوات العدو بالكامل غرب قناة السويس والاتصال برؤوس الكبارى شرق القناة وغلق ثغرة الدفرسوار، ثم التخطيط لاستكمال تحرير الأرض بالقوة فى حال فشل المفاوضات السلمية.

تحية إعزاز وتقدير لجيل حدد هدفه الاستراتيجى العسكرى، ووقت بدء الحرب، والمهام الموكلة لقواتنا المسلحة، والإعداد للحرب فى مجالات «تخطيط وتحديد حجم وبناء القوات المسلحة، ومراجعة وتطوير نظام التعبئة، وتجهيز مسرح العمليات، وإعداد عناصر القيادة والسيطرة، وإعداد الفرد المقاتل، وإعداد الاقتصاد القومى، ورفع الروح المعنوية للشعب»، جيل لم يفرط فى حبة رمل واحدة من أرضنا الغالية.

عذرا أيها الأب والإنسان والقائد (حسن الجريدلى)، فالسطور قاربت على الانتهاء، ولم أنته من الإفاضة عما أريد أن أعبر عنه فى رسالتى من مشاعر وذكريات، عن مسيرة عطاء لن أنساها ما حييت، رافقتك خلالها والدتى- رحمها الله- بكل التفانى والإخلاص والرضا والتفهم والدعم، دون كلل أو شكوى، فهكذا هن دائما كل نساء مصر.

رحمك الله يا أبى وكل جيل أكتوبر، فقد كنتم عاشقين للوطن أداءً وجهداً وإخلاصاً فى صمت ونكران للذات، ونحسب أن تكريمكم الحقيقى عند الله- سبحانه وتعالى- الذى لا يضيع عنده أجر.

وفى الختام.. سلام، سلام عليك وعلى جيل أكتوبر.. الذى سلم علم مصر مرفوعا شامخا.. والذى سيظل هكذا إن شاء الله ليوم الدين.. ابنك أسامة الجريدلى.

* اللواء/ أسامة الجريدلى.. وكيل المخابرات العامة السابق

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك