أخبار عاجلة
الأمن المغربي يعتقل عنصرًا مواليا لـ«داعش» -
دي ميستورا يكشف نيته عقد لقاء مع ترامب قريبًا -
بركان يتجدد في شارع قصر العيني -
كيف تشاهد فيلمًا ليخرجك من واقعك المحدود؟ (1) -
هل أخطأ مفيد فوزى فى حق الشيخ الشعراوى؟! -
حكومة تقشف.. وإنقاذ! -
طارق! -
حيث لا يوجد ارتجال -

رؤوف مسعد يكتب «لا رواية» زهرة الصمت

رؤوف مسعد يكتب «لا رواية» زهرة الصمت
رؤوف مسعد يكتب «لا رواية» زهرة الصمت

كاتب مخضرم يشارف الثمانين من عمره، ولد بالسودان وناضل فى مصر واستقر به المقام فى هولندا، يحمل فى دمه أعراق الفراعنة والأقباط وبركة أم العواجز. مثقل بالأيديولوجيا ومولع بكتب المستشرقين وصفحات الخروج. شق بطن السرد فأخرج منه «بيضة النعامة» منذ عقدين من الزمان، استولد بعدها عدة روايات هجينة، لكنه يتعسف كثيراً فى «زهرة الصمت» الأخيرة، إذ يكتب على غلافها كلمة «رواية»، وما هى منها فى شىء، بل هى نقيض النوع الأدبى المعروف، أمشاج من الحكايات المبتورة والمشاهد المنثورة، والشروح المطولة، والنقول الممتدة من المعاجم والدراسات والنصوص القديمة والحديثة لصفحات عديدة دون رابط عضوى، بحث غير متماسك يفتقد أطر الزمان وشروط المكان ووحدة الشخوص. قد تكون فى دلالتها صرخة فى البرية، نشيداً للوطنية، دعوة لاحتضان التاريخ وإعادة إنتاجه فى أتون الأحداث المعاصرة، قد تقدم قبساً من أساطير ما بعد الفتح العربى وأوجاعه المريرة، رؤية لمصر وهى تسلخ جلدها الدينى ثلاث مرات فى تاريخها الفرعونى والقبطى والإسلامى، لكن أى رواية يمكن أن تحيط بهذه المصائر مهما تذرعت بتقنيات تداخل النصوص وتقليب الأزمان؟ يهدى المؤلف كتابته إلى من يسميهم أولياءه «أبوالحسن الشاذلى والسيدة زينب وإيزيس وحورس»، ويصفهم بأنهم «كابحو الجامحين فى الكون»، ولست أدرى كيف تكون هذه الرموز المتباعدة كابحة للجموح السياسى المتذرع بالدين والغارق فى التعصب الغيبى. يشرح خطته فى البداية قائلاً: «ثمة نصان هنا، نص قديم بعنوان (مزاج التماسيح) استعرت منه بعض الشخصيات التى وجدت ضرورة لاستمرارها فى هذا النص.. ونص جديد سميته (زهرة الصمت) أعتبر النصين - كما يقول أوزير عن نفسه عبر كهنته - نصاً يثمر ويتوالد منه نص جديد كحبة الحنطة»، وليته استطاع أن يجسد هذا التوالد فى المواقف والأحداث والشخوص مثلما تثمر حبة الحنطة مثلاً فى سنابلها الخصبة، على أن الكشف عن تداخل النصوص عمل نقدى وليس هدفاً إبداعياً بحال، فالروائى خالق أشكال، وصانع رؤى ونجار أشكال ودمى، يودعها سر معناه، قد يجنح للتجريب، فينجح بقدر ما يحافظ على شغف القارئ ويثير لذته الجمالية ومتعته الفكرية، أما أن يقدم نصوصاً مهلهلة متباعدة لا رابط بينها فهو يصرف قراءه ويحبطهم، وقد قاومت بشدة هذا الإحباط، وصبرت على تشتت النص وتمزقه، لأن رؤوف مسعد اسم كبير فى خارطة الإبداع اليوم وليس من حقى أن أتجاهله إيثاراً للسلامة كما أميل فى أحيان كثيرة، فهو ليس لين العود أشفق عليه، بل قوى الشكيمة يستطيع أن يتحدانى ويكتب سردية فائقة بطريقة تجريبية جديدة ومرهقة. حاولت أن ألتمس له عذراً، فأعثر على خيوط تجمع أشلاء روايته وأبعثها فى قراءتى، فلم أجد ما أتكئ عليه سوى عبارة هشة تقول: «ومثلما بدأنا هذه الحكاية بكاهنة إيزيس وربيبتها تلتقيان وجهاً لوجه مع الجيش العربى الغازى لمصر.. ننهيها بأسطورة البعث الفرعونية، حيث ينتقل الموتى من دار إلى دار»، وما أهون هذا الإطار وعجزه عن تشكيل العمل.

قفزات واقتباسات:

تتركز بؤرة الرواية فى مشهد المصريين خلال الغزو/ الفتح العربى، حيث نتابع كاهنة مصرية تدين لإيزيس، وهى تزور أخاها القسيس المسيحى فى سجن الحصن، وتسمع ما يقولونه عن هذه الحرب، ولا يكتفى الراوى العليم جداً بدخول حصن الرومان، بل يتابع فى الآن ذاته عمرو بن العاص، الذى كان حينئذ فى الخامسة والأربعين من عمره، قصير القامة، قوى البنية، ويأخذ فى نقل صفحات مطولة من كتاب «فتح العرب لمصر»، الذى ألفه ألفريد بتلر، وترجمه محمد فريد أبوحديد، ونشرته مكتبة الأسرة عن تاريخ عمرو بن العاص ويوميات الفتح من صفحة 36 فى الرواية لعشرات الصفحات، دون أن يقوم بتذويب هذه المعلومات فى جسد النص الإبداعى أو زرعها فى خلاياه، فإذا ترك بتلر انتقل إلى كتاب «الآلهة والناس» لينقل نصاً فرعونياً لا علاقة له بالعرب، وفجأة ينتقل إلى ما يسميه «كتاب المتاريس»، حيث يعرض لما حدث فى مصر مؤخراً «بانتصار جماعة الإخوان المسلمين وحلفائهم من سلفيين وجماعات سنية أخرى على المصريين الآخرين من شعب ثلاثين يونيو (!!) الذين لبوا نداء قائد الجيش بأن ينهمروا إلى الميادين ليعطوه تفويضاً واضحاً بالإطاحة بالرئيس الإخوانى»، هذه القفزة البهلوانية فى الأزمنة والسياقات لا تجد ما يبررها فى أى كتابة أدبية، فضلاً عن أن تكون روائية، خاصة وهى لا تستمر سوى صفحة واحدة تعود بعدها للنصوص القديمة. ومع أن جنس الرواية - كما أقول دائماً - مثل «جوف الفرا» يتسع لكل شىء، غير أنه يحتاج لجلد بطن متماسك يحتويه، الأمر الذى يجعلنى أصنف هذه الكتابة بأنها تقع فى دائرة «اللارواية»، التى دخلت فيها تجارب لم تبلغ أبداً هذه الدرجة من التشتت اللامعقول، والأغرب من ذلك أنه عندما يمضى فى حكاية شىء يستعيره - حسب تعبيره - من روايته السابقة «من مزاج التماسيح»، نعثر فيه على بعض الفلذات الشائقة الدالة على تلاحم النسيج الوطنى للمصريين، مثل حلم تفيدة المسلمة، التى ظهر لها «مارى جرجس»، وطار فوقها فى لجة الماء الهادر، ومسّها بذؤابة سيفه قبل أن تحمله السحابة وهو يمتطى فرسه الأبيض، فعرفت تفيدة أنها مختارة من السيدة العذراء، ودعك من الهوامش التى يشرح فيها الكاتب قصة هذا الفارس القديس الأمير، فهذا ليس من طبيعة القص فى شىء، وعلى الرغم من أن هذا ليس مألوفاً بين المصريين أن يستبطنوا تقديس رموز الدين الآخر حتى فى الأحلام، غير أنه استغراق محمود الدلالة فى تمثيل التلاحم الشعبى الحميم بين الجانبين، لا يناسبه على الإطلاق أن يمارس الكاتب هوايته البهلوانية فى القفز على الأزمنة والأمكنة، ليورد نصوصاً من فترات تاريخية أخرى احتدمت فيها مظاهر التفرقة الطائفية والتمييز الدينى فى مصر المحروسة، حيث يستبق الأحداث لمدة أربعة قرون كاملة، فيأتى دون مناسبة بنص منقول من إحدى الدراسات التاريخية عن فترة الحاكم بالله الفاطمى وما صنعه فى أهل الذمة، يطلق الكاتب عليه بردية «شاروبيم»، التى تسجل ما حدث فى شهر المحرم، حيث «أصدر الحاكم بأمر الله سجلاً ألزم النصارى واليهود - دون الخيابرة - بشد الزنانير فى أوساطهم ووضع العمائم السود على رؤوسهم - إذ كان السواد هو شعار العباسيين، وهم العصاة فى نظر الفاطميين - وأعلن هذا السجل فى جوامع مصر، فامتثل لأمر الخليفة سائر أهل الذمة فى أنحاء الدولة»، ولو كان النص المكتوب بحثاً تاريخياً عن الصراعات الدينية فى العصور القديمة والوسطى، والتى لم يخل منها مكان على ظهر الأرض، لاحتاج إلى منطق أشد إحكاماً فى سوق الشواهد وتحرير الفروق والصراعات فى العصور المختلفة، فقد كان العباسيون أشد تعرضاً للمطاردة والاضطهاد حينئذ من أهل الذمة مع أنهم ينتسبون إلى العباس عم الرسول، على أن العمل الروائى يتطلب أن تكون منظومة الأحداث وطبيعة الشخصيات ممكنة الوقوع بنسقها الزمنى وتواليها التاريخى، فلا نصوص البرديات المنقولة عن رسائل الماجستير والدكتوراه ولا أدعية النقوش الفرعونية ولا تاريخ العصور القديمة كلها بقادرة على تعويض الكاتب عما يفتقده هنا من القدرة على ربط المشاهد وبعث الشخوص من قيامتها التاريخية.

وقد بلغ الافتعال مداه عند الكاتب فى الفصل الأخير الذى يود فيه أن يقارب برهافة رمزية وحس شعرى - كنت أتمنى لهما النجاح - لحادثة أليمة مازالت تؤرق ضمير المجتمع المصرى المعاصر، وهى حادثة «دهس المواطنين فى ماسبيرو» خلال الأحداث التى أعقبت ثورة يناير المجيدة، حيث يرى حارس المبنى العتيد زهرة تبزغ من الأرض، ثم تختفى قبل أن تهرسها عجلات السيارات، فأطلق الناس عليها «زهرة الصمت»، ومع أن رؤوف مسعد يتخذ ذلك اسماً لنصه الذى يزعم أنه رواية، فإنه لا يستطيع أن يسقى بتلات هذه الزهرة الأسطورية رحيق الحياة القصصية، ولا يقوى على إدانة الجندى البسيط الذى لا يمكن أن يهرسها عامداً. وقد كان بإمكان المؤلف أن يوقد بهذا الرمز شمعة وضيئة فى ليل الفتن الطائفية، ويعمد إلى كتابة رواية حقيقية يستعيد فيها عرامته السردية واقتداره الفنى فى سبيكة جديدة تليق باسمه الإبداعى الكبير.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك