أخبار عاجلة
نملك عقولا مثل شرلوك هولمز! -
سويسرا تمدد تجميد أصول مبارك عامًا إضافيًا -

مات بيترسون يكتب: أغنياء الحرب فى دمشق.. ملوك السوق السوداء

مات بيترسون يكتب: أغنياء الحرب فى دمشق.. ملوك السوق السوداء
مات بيترسون يكتب: أغنياء الحرب فى دمشق.. ملوك السوق السوداء

للوهلة الأولى تبدو دمشق وكأنها معزولة عن الصراع الذى يجتاح مناطق كثيرة من البلاد حالياً، فحركة المرور تغلق شوارع وسط المدينة تماماً، وتزدحم المقاهى والمطاعم بالزبائن، وتكتظ الأسواق بالمتسوقين كل يوم تقريباً، وقطاع الخدمات مزدهر للغاية، وأعاد ما لا يقل عن ١٢ حانة افتتاحها فى باب شرقى بالمدينة القديمة، وتمتلئ الحانات فى نهاية كل أسبوع بالمقامرين الذين يأتون لشرب الخمور، والأكل، والاستماع إلى أغانى تايلور سويفت، على مسافة أقل من كيلومتر واحد من ساحة القتال بين الجيش السورى والميليشيات الموالية له ضد الإسلاميين والجماعات المسلحة التابعة لتنظيم «القاعدة» فى الحرب التى ستحدد مستقبل البلاد.

ودخلت سوريا عامها السادس من الحرب، ولايزال معظم الناس الذين يعيشون فى المناطق التى تسيطر عليها الحكومة، مثل دمشق، يعانون من أزمة اقتصادية خانقة من المرجح أن تبقى طويلاً، بعد أن تصمت المدافع، فقد كشف تقرير صادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، عام ٢٠١٥، عن خسائر تراكمية بين عامى ٢٠١١- ٢٠١٥ تقدر بنحو ٢٦٠ مليار دولار أمريكى، وبحلول نهاية هذا العام سيتقلص الاقتصاد السورى بمقدار ١٠ أضعاف منذ بدء النزاع.

وللتكيف مع الواقع الجديد اتخذ البعض تدابير يائسة، مثل بيع ممتلكاتهم، أو العمل فى وظائف أخرى، أو حتى السرقة، ولكن هناك آخرين ممن يجدون الفرص وسط الفوضى، فقد بنى أثرياء الحرب سوقاً سوداء مزدهرة بالالتفاف على العقوبات المفروضة على البلاد لمنع استيراد السلع الأساسية، وتمكنوا من كسب الملايين عبر استيراد وبيع السلع التى تشتد الحاجة إليها، بداية من الحلوى وحتى السيجار الكوبى، ومن خلال الربح والسلطة اللذين حققوهما وصلوا إلى درجة هائلة من السيطرة على حياة السوريين الذين يعيشون فى المناطق التى تسيطر عليها الحكومة.

وبدأ صعود ملوك السوق السوداء فى سوريا بعد إبريل ٢٠١١، عندما فرض الرئيس الأمريكى باراك أوباما أول مجموعة من العقوبات الاقتصادية على سوريا لمعاقبة الرئيس بشار الأسد على انتهاكات حقوق الإنسان من خلال خنق الاقتصاد السورى، ومنعه من الوصول إلى السلع الأساسية، مثل الأدوية والوقود، ومنع التحويلات المصرفية.

وأثرت هذه القرارات على كل شىء من قطاع الطاقة إلى الرواتب، فوفقاً للبنك الدولى انخفضت صادرات النفط من 4.7 مليار دولار فى ٢٠١١ إلى 0.14 مليار دولار بحلول ٢٠١٥، فتصطف عشرات السيارات يومياً لساعات خارج محطات الوقود، بعد ارتفاع أسعاره بنسبة ١٥ ضعفا منذ ٢٠١١ بسبب نقصه، كما تضاءلت احتياطيات النقد الأجنبى، وبدأت الليرة السورية أمام الدولار الأمريكى من ٤٧ ليرة قبل اندلاع الحرب إلى نحو ٥٢٠ ليرة للدولار اليوم.

وفى ٢٠١٠ كان العامل العادى فى دمشق يتلقى ما لا يقل عن ١١ ألف ليرة شهرياً، أى حوالى ٢٢٠ دولارا أمريكيا، أما اليوم، إذا كان محظوظاً، فإنه قد يحصل على ما يصل إلى ٢٦ ألف ليرة، ما يقرب من ٥٣ دولارا، فى الوقت الذى يبلغ فيه متوسط التكلفة الشهرية للمعيشة لعائلة سورية من ٥ أفراد ١٩٦ ألف ليرة، أى حوالى ٣٨٠ دولارا أمريكيا، وفى دمشق تصل هذه التكلفة إلى نحو ٢٢٠ ألف ليرة، ما يعادل ٤٢٥ دولارا، ولدعم رواتبهم الهزيلة تلقى البعض تحويلات مالية من أقاربهم فى الخارج، فيما اضطر آخرون للعمل فى وظيفة ثانية.

وأكثر الطرق المعروفة لكسب المال هى احتكار بيع أشياء مثل الهواتف النقالة، والسجائر، أو «السلع الكمالية»، والملابس والمنتجات الغذائية المستوردة، مثل الحلوى والجبن والخمور، فى حين تحاول الحكومة توفير العملة الأجنبية لاستيراد المنتجات الغذائية والدوائية الضرورية فقط، مثل أدوية السرطان والقمح، فإنه لا يبدو أن الأسواق فى المناطق التى تسيطر عليها الحكومة تعانى أى نقص فى الواردات من السلع المرفهة، وكانت سوريا قبل الحرب تحصل على نحو ٩٥٪ من الدواء من المصانع المحلية، ولكن معظمها تم تدميره.

كما أن بعض نقاط التفتيش تدر أرباحاً ضخمة للقائمين عليها، وتشتهر دمشق بأنها مدينة «المليون نقطة تفتيش»، وتحصل على ملايين الليرات يومياً منها، فيما يحصل بعض الجنود على رشاوى مقابل استخدام «الممر العسكرى» الذى عادة ما يكون مخصصا للمركبات العسكرية، وذلك لتجاوز الوقوف فى الطوابير الطويلة.

وأنشأ آخرون شركات أمنية خاصة توفر الحراسة المسلحة فى المناطق التى تسيطر عليها الحكومة، وفى أغسطس ٢٠١٣ أصدر الأسد مرسوماً يسمح لها بالعمل، فكثير من هذه الشركات يملكها رجال أعمال من الدائرة المقربة للرئيس.

وإحدى الطرق الأخرى المعروفة للتربح من الحرب هى نهب الأحياء التى تتم استعادتها، ففى الشهر الماضى عندما استعاد الجيش حى الراموسة الصناعى فى حلب تم نهب مئات المصانع وورش العمل، وفى مدينة ماهين فى حمص، بعد انسحاب «داعش» أُزيلت منه جميع إطارات النوافذ والأبواب، وجميع الأثاث، والأجهزة داخل الشقق.

وكان هذا مصدر خلاف بين جنود الجيش السورى والمقاتلين الموالين للحكومة، حيث لا يميل الجنود الذين يدفعون الثمن فى المعارك والخسائر للمشاركة فى النهب، ولكن بات معروفاً أن العديد من القادة العسكريين فى قوات الدفاع الوطنى أصبحت لديهم ثروات هائلة.

ومن المرجح أن توفر الأرباح التى تحققت من الاقتصاد الخفى، فى وقت الحرب، أكثر من حافز لاستمرار الحرب وليس التشجيع على وقفها، الأمر الذى سيؤدى إلى توسيع الفجوة الاجتماعية والاقتصادية بين الأغنياء والذين غرقوا تحت خط الفقر، وفى نفس الوقت فإن هؤلاء الناس هم أيضاً من سيستفيدون من مشاريع إعادة الإعمار التى ستأتى بعد انتهاء الحرب، وهذا من شأنه توجيه عملية إعادة الإعمار لصالح المصالح الخاصة بدلاً من مصالح عامة الجماهير، وبينما يتوقع أن يكون هناك اقتصاد مشروع بعد الحرب فالأرباح غير المشروعة ستظل قائمة، وفى النهاية، ليس هناك أى حافز لإيقاف الحرب، فما يحدث الآن سيكون كابوسا مخيفا خلال السنوات المقبلة.

نقلاً عن مجلة «ذا أتلانتك» الأمريكية

ترجمة- فاطمة زيـدان

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك