أخبار عاجلة
سقوط فتاة من قطار الإسكندرية بسبب لص -

السلفية الثورية

السلفية الثورية
السلفية الثورية

يبدو أن اشتراطات الانتماء لمعسكر «يناير» فى مصر آخذة فى الازدياد والتعقيد. فهناك اتفاق ما غير مكتوب، يزداد نرجسيةً وتعصباً مع الوقت، يتفنن فى لفظ وإقصاء كثيرين عن «يناير» وتخومها. الأمر يذكرك بالمعتقد السلفى الذى يجتهد أتباعه فى إثبات أنهم الفرقة الناجية من عموم بضع وسبعين شعبة تنقسم عليها أمة الإسلام، متفننين فى استعراض الفروقات والشبهات واستبعاد كل من ليس على المعتقد خالصاً من كل شائبة تشوب. فلكى تصبح سلفياً ينبغى أن يكون لك موقف صارم من زيارة المساجد التى تضم قبوراً، فضلا عن موقف حاسم من الشيعة والنصارى والليبراليين وعبدة البقدونس والفنانين التشكيليين وتجار الزهور القرمزية.

هذا بعد أن تتبلور لديك قناعة تفصيلية بالوحى والموحى له- صلى الله عليه وسلم- وصحابته الأخيار وآله الأطهار والتابعين الأبرار وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وصولاً لابن باز وابن عثيمين. لا يجوز أن تتفق مع السلفيين فى كل شىء وتختلف فى مسألة عبادة البقدونس، فهذا يخرجك من الحظيرة المذهبية المقدسة. وهكذا يناير الآن.. تسلفنت حتى النخاع. فقبل أيام ليست بالبعيدة، نهش رفاق الميدان أحد الشعراء المحسوبين على الثورة، لمجرد أنه حكى عن مزاملته لـ«مثلى جنسياً» فى السجن، وكيف استنكر السلوك المثلى بينه وبين نفسه وتأفف من صاحبه وتخوف.

فكيف لرفيق الدرب، الذى دفع ثمن الكفاح عياناً بياناً من عمره عامين فى السجن أن يبدى تأففاً من مثلى الجنس؟ كيف يتجرأ على المجاهرة بالرغبة فى إقصاء الآخر وتأطيره داخل إطار يدينه أخلاقياً وقيمياً؟ كيف ينطلق فى كتابته من المربع الشعبى الذى يتعامل مع المثلى كشخص مدان؟ كيف يتقزز أو يطلق أسئلة حائرة فى الفضاء لا تنتصر لموقف المثلى جنسياً وتتعامل مع قضيته بكل طبيعية دون «تشذيذ»؟ كيف له أن يخون «يناير» بكل قيمها النبيلة؟ وكيف يتبرأ من روح «التحرير»؟ وبديباجات تصلح لإدانة الحجاج بن يوسف وجنكيز خان وستالين وموسولينى وهتلر، مضى الرفاق فى النفور والتنفير ومصمصة الشفاه. لا تبدو هذه الواقعة الغريبة برأيى هى لُب الأزمة، لو أنك فهمت أننى أحاول الدفاع عن «تهمة» «إشاعة التقزز العام من المثلية الجنسية»، فالمثلية الجنسية هنا ليست غرضى وليست جوهر نقاشى، تأييداً أو معارضةً، تفهماً أو تبرماً. بل فى هذا السبب الغريب الذى جنحت إليه ذائقة الرفاق لإقصاء زميل من زملاء الميدان، دفع ثمناً باهظاً مؤلماً من عمره خلف القضبان، ولم يشفع له هذا، قبل أن يمزقه إخوة الثورة كل ممزق، لأنه شرعن إقصاءً اجتماعياً بحق مثلى جنسياً فى مقال يُفهم من سياقه ويُستشعر من بين طياته «تأفف» من المثليين جنسياً!

أى خبال هذا وأى تصيد وأى عصبية وحساسية مفرطة ونرجسية متكبرة تلك التى تدبجها «يناير» كى تستأثر بها قلةٌ تصور نفسها- لنفسها قبل الآخرين- على أنها زمرة الأتباع الأوفياء والجنود الخلصاء الذين لم تشبهم شائبة؟ ما هذا التوحش الذى تمضى إليه «يناير» فتلفظ تخومها وتتخلص من شحومها وترفض من بنى لحمتها من أزاحته التلاكيك تباعاً؟ أظنه عَرَضًا من أعراض الإحباط العام أكثر منه ممثلاً لقناعة عامة متبلورة متفق عليها ضمنا منذ البداية حول ما هو من صميم فلسفة الثورة وما هو من «صميم فلسفة الاستبداد». وإذا مضى المستأثرون بـ«يناير» وحملة قميصها فى التخلص من صفوفها بـ«تلاكيك» تبدو «مثالية» فإن «الثورة» التى تقدم نفسها وريثاً شرعياً وبديلاً جاهزاً لمشاريع الحكم التى توالت على البلاد منذ الإطاحة بمبارك من «دينى» و«عسكرى» فإنها لن تجد أحداً تعتمد عليه أو يدعمها أو يمثل قوامها.

وسيتحول متحدثوها الرسميون، من الذين يصكون سقوفاً أخلاقية بمواءمات ومعايير لا تعرف من أفهمهم أنها من صميم ما قامت يناير لأجله، ولا من أفهمهم أنهم سيربون الشعب الجاهل بالعصيان والخيزرانات كى يتعلمها.. سيتحول متحدثوها الرسميون إلى جماعة مضحكة من غرباء الأطوار الذين ينادون بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق السناجب ويؤيدون جماعات الحفاظ على نبتة الكرفس ويناصرون الناشطين فى مجال الدفاع عن الشعاب المرجانية فى أعماق الكاريبى. سيتحولون لسلفيين آخرين يظنون حين ينظرون فى المرآة أن الله لن يدخل أحداً الجنة غير أولئك الذين يرونهم فيها!

أكرر.. هذا ليس مقالاً عن المثلية تأييداً أو تنفيراً، لأن تكون «هوموفوبيك»، بل عن الثورة التى تأكل نفسها وتستغرقها أعراض الإحباط وتبدو على مشارف الجنون أقرب مما تبدو على مشارف وراثة أى نظام حكم ولو اعتلى العرش محمد السبكى شخصياً.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك