أخبار عاجلة
وزير النقل يزور محافظة الغربية السبت -

«المصري اليوم» داخل السجن الإسرائيلى فى«العريش»

«المصري اليوم» داخل السجن الإسرائيلى فى«العريش»
«المصري اليوم» داخل السجن الإسرائيلى فى«العريش»

«هنا أرض النضال.. هنا تراب سيناء، يختلط بدماء التضحية والفداء.. هنا تحقق النصر وكسر أنف العدو الصهيونى.. هنا أيضا بقيت الذكرى وما تحويه من ألم وأمل وفرحة.. هنا بنى الصهاينة سجنهم، وبين جدران غرفه مارسوا كل أشكال الوحشية لانتزاع الاعترافات من الصامدين الصامتين.. كثيرون منهم سبقوا إلى الشهادة، وآخرون كتبت لهم النجاة... «المصرى اليوم» عاشت ساعات بين «السجن الإسرائيلى» وسجلت تفاصيل من مشاهد الصراع بين صمود الأبطال وجرائم السفاحين.. التفاصيل فى السطور القادمة.

البداية كانت حينما سألنى صديق: «تحب تعمل موضوع من داخل السجن الإسرائيلى الذى عذبوا فيه الفدائيين؟».. وافقت على الفور – بعد بضعة أسئلة.. وصلت وزميلى المصور الصحفى «محمد راشد» إلى العريش.. تركنا متاعنا وانطلقنا فورا صحبة الحاج سامى الكاشف - أحد شهود الأحداث- والصديق إيهاب المالح.. صعدت السيارة مرتفعا فى الجنوب من مدينة العريش..على بعد 100 متر من قمة المرتفع يغازلك البحر بصفحته الزرقاء الصافية، وتداعبك نسمات هواء صافية، تلتفت إلى اليمين من الطريق المتجه إلى البحر، تهاجمك قبضة بين ضلوعك، مبان قديمة، تطل منها علامات الخراب، ولافتة مكتوب عليها «نزل الشباب».

تتوقف السيارة أمام مدخل حديث، يبدو عليه علامات الاهتمام، ندخل ونمر على ملعب كرة قدم خماسى يمينا، أسوار تحيط مساحة كبيرة من المبانى.. مكونات معسكر على الطراز الإنجليزى القديم، الواجهة تضم مجموعة مكاتب متجاورة، تجمعها مظلة خشبية منحدة من أعلى، ثم يأتى على اليمين مبنى مستطيل، يشكل زاوية قائمة مع مبنى المكاتب.

من فوق المبانى تطل بقايا لأبراج حراسة منتشرة فى عدة مواقع، معظمها على المبنى المستطيل، ومن حجرات هذا المبنى تطالعك نوافد صغيرة جدا، عليها أسياخ حديدية غليظة، تشبه زناين السجون، ومن أسفل نوافذ تم عملها حديثا، المشهد العام للمبنى يؤكد أنه سجن أو مكان للاحتجاز.

نظرت إلى شاهد الأحداث – الحاج سامى الكاشف- وسألته «هل هذا هو السجن؟».. فبدأ يروى التفاصيل وقال، اختارت سلطات الاحتلال هذا الموقع المتميز ليكون مقرا لإدارة سيناء، بنوا المبنى على الطراز الإنجليزى ليأخذ شكل حرف «u».. ليكون فى الواجهة مكاتب الحاكم الإسرائيلى والقادة من الضباط، وعلى اليمين السجن، والى اليسار «البار والمسرح».. وفى المنتصف حديقة والمطعم وما يخص الشئون الإدارية، وفى السجن كانت تجرى عمليات التحقيق والتعذيب للفدائيين من أبناء سيناء، ثم بعد ذلك يتم إرسالهم إلى «تل أبيب» لمحاكمتهم هناك.

دخلنا السجن.. بدايته حجرة متسعة، كان يتم استخدامها فى تعذيب الفدائيين والمحاولات الفاشلة لانتزاع الاعترافات منهم، إلى جوار غرفة التعذيب مجموعة من الغرف، كانت مخصصة للمحققين من ضباط المخابرات الإسرائيلية.. تتحرك إلى الأمام بعد بهو تطل منه نوافذ زجاجية من أعلى - للتهوية أو الإضاءة – تشاهد ممر ضيق على جوانبه حجرات الاحتجاز على جانبى الطرقة، مدون عليها أرقام بعضها يحمل آثار الماضى الأسود والآخر موضوع حديثا، جدران الحجرات مدهون باللون الزيتى، والبعض الآخر بألوان أخرى.

روى الحاج سمير ذكرياته مع هذا السجن فقال: كان والدى كامل الكاشف من الذين يجاهدون ضد العدو الصهيونى وقت الاحتلال، وألقى القبض عليه ذات مرة، اشتبه الأعداء فى مساعدته للمجاهدين، احتجزوه فى هذه الغرف المعدة للتعذيب، وحاولوا أن يصلوا منه إلى أى معلومات عن العمليات الفدائية التى كان يقوم بها الأبطال من أبناء سيناء، لكنهم فشلوا، تحمل التعذيب والتهديد حتى النهاية، وبعد ذلك تم الإفراج عنه.

وقال «الكاشف» إن والدى كان يعمل بالصيد – مثل معظم سكان العريش – وكان له «غزلا» للصيد فى المياه، لكن من كانوا على السفينة الحربية الإسرائلية، سرقوا الغزل واستولوا على ما به من أسماك، فتشاجر والدى معهم وسبهم، وألقوا القبض عليه ووضعوه فى السجن، لكنه طلب لقاء الحاكم الصهيونى، وأضرب عن الطعام حتى أشرف على الموت، حتى حضر أحد الضباط الكبار والتقى به، فقال له والدى أنكم سرقتم أرضنا وجنودك فى البحر سرقوا الغزل والأسماك، وحاول الضابط أن يقنع والدى بأنهم دعاة عدالة فأعادوا له المسروقات وأفرجوا عنه، وذهب بعض أفراد الأسرة وأنا كنت معهم – صغيرا – واستلمنا والدى فى حالة صحية سيئة.

وقال «الكاشف» روى لنا والدى ما يشيب له الولدان، حيث حكى لهم عن التعذيب الذى يتعرض له الفدائيون وأبناء سيناء على أيدى السفاحين الصهاينة، طوال الليل يسمع أنين الأبطال، ونداءات بعضهم على البعض مطالبين بالصمود، كما أن مشاهد آثار الدماء الطاهرة فى كل مكان، وكيف أن المجندات الإسرائيليات كن يشاركن فى التعذيب ويفعلن أبشع ما فعلته الأمريكيات فى سجن «أبوغريب».

وأضاف «الكاشف» أن أهل العريش كانوا ينتظرون فى البداية أن يتحول هذا المبنى إلى فندق أو ناد كبير، لكن المسؤولين تركوه فى البداية كما هو، ثم استخدموه مخزنا للشباب والرياضة، فكان الخفير يروى أنه كان يسمع أصواتا من غرف السجن فى الليل، عبارة عن صرخات واستغاثات، ذهب أكثر من مرة ليرى مصدرها، لكنه عندما كان يقترب كانت تصمت ولا يسمع شيئا، بعد ذلك كانت المفاجأة أن غرف هذا السجن تحولت إلى نزل للشباب، ووضعوا فيها أسرة لمبيت الشباب فيها دون أى تغيير لشكل المبنى، ولا أدرى كيف ليمكن لشاب أن ينام فى غرفة، سالت فيها دماء أبيه أو جده، كيف يهنئا بوقت فى مكان يشهد على احتلال الأرض وقتل الأبرياء وجرائم الصهاينة.

وواصل «الكاشف» أن قرارا – حسب مدير الشباب والرياضة – صدر بهدم المبانى التى تذكرنا بآلام الآباء، وتحويل المكان إلى مبنى لمديرية الشباب والرياضة.

وقبل أن يختتم «الكاشف» روايته قال، الإسرائيليون كانوا يتوهمون أنهم لن يتركوا سيناء مرة أخرى، حاولوا أن يفعلوا مع أهل العريش ما فعلوه مع بعض الفلسطينيين، عرضوا على السكان من أصحاب المنازل – فى المنطقة المجاورة لمقرهم – مبالغ مالية مغرية، مقابل أن يبيعوها لهم، ولجأوا فى بعض الأحيان إلى الإرهاب والترهيب، لكنهم صمدوا ورفضوا التفريط فى شبر من الأرض، وإذا كان بعض أهالى العريش لم يستطيعوا – فى فترة الاحتلال - أن يقوموا بعمليات فدائية ضد العدو الصهيونى، يكفيهم مجدا أنهم صمدوا حتى النهاية إلى أن عادت إلينا سيناء محررة.

ويختتم «الكاشف» روايته بأنه لا ينسى يوم أن حضر الرئيس البطل أنور السادات لاستلام العريش، حيث إنه وعددا من أهالى العريش خرجوا يهتفون له ويهتفون ضد الصهاينة، ولن ينسى لحظات قذفوا فيها مقر الصهاينة بالحجارة.

ويحكى الحاج «يحيى أبوطبل» عن ذكريات أسرته مع السجن الإسرائيلى، فيقول إن شقيقه البطل «على أبوطبل» كان واحدا من أكبر تجار العريش وأعيانها، كان يمد يد العون إلى كل مصرى فى سيناء، ولم نكن نعلم عنه أكثر من ذلك، فجأة وجدنا قوة مدججة بالسلاح تقلب البيت، تحطم كل ما تجده أمامها، استجوبوا من فى البيت جميعا، علمنا منهم أن «على» كان يجمع الفدائيين من أهل العريش وغيرهم، وأنه يمد المخابرات المصرية بالمعلومات والصور التى كان يجمعها الفدائيون فى سيناء، كان يوصلهم لهم عن طريق تجارته، وأنه تم القبض عليه ومحتجز فى سجن العريش، وأنهم سيعدمونه إذا لم يعترف لهم بكل الذين يشاركونه ويرشدهم عن أماكنهم.

يضيف «الحاج على» أنهم بقدر خوفهم على البطل وحزنهم على القبض عليه، إلا أنهم كادوا يطيروا من الفرحة لأن شقيقه يقوم بهذه الأعمال البطولية، ولم تمض سوى أيام قليلة حتى جاءت قوة تفتش المنزل بصورة أكبر، وتحوله إلى ثكنة عسكرية، علمنا أن البطل هرب منهم أثناء ترحيله بحيلة غريبة، استطاع أن يحفن حفنة كبيرة من الرمل ويلقيها فى عينى حارسه ويهرب، ظللنا أيام نضع أيدينا على قلوبنا خشية القبض عليه وقتله، حتى جاءنا النبأ السار عن طريق الإذاعة المصرية، حين سمعنا صوت البطل وهو يردد «أهلى فى العريش.. سلامى إلى الجميع.. لقد وصلت بسلامة الله إلى أرض الوطن».. بعدها أقمنا الولائم وتوقفت المطاردة والتفتيش.

يختتم «الحاج على» روايته فيقول، إن أغرب شىء حدث بعدما عاد شقيقه إلى أرض العريش الغالية – بعد السلام – حين وجدته والدتى يذهب إلى سيارة قديمة، كان يحتفظ بها فى مكان من المنزل مخصص لتربية الدجاج، نزع «الشكمان» وأخرج منه لفافة، كانت تحتوى على نسخ وصور من الصور والمعلومات التى كان يرسلها إلى المخابرات المصرية من العريش، وعندما سألناه، كيف كان يفعل كل هذا فى البيت دون أن نعلم شيئا فاكتفى بابتسامة عريضة.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك