أخبار عاجلة

جيمس ديفيس يكتب: الشيعة.. وسطاء السلطة فى العراق الجديد

جيمس ديفيس يكتب: الشيعة.. وسطاء السلطة فى العراق الجديد
جيمس ديفيس يكتب: الشيعة.. وسطاء السلطة فى العراق الجديد

نقلاً عن مجلة «ذا أتلانتك» الأمريكية

يهيمن شيعة العراق اليوم على المجالات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وتعد هذه إحدى النتائج غير المباشرة للغزو الأمريكى للبلاد فى عام ٢٠٠٣، والذى أطاح بديكتاتورية صدام حسين السُنية، ففى عهده كان يتم قمع رجال الدين الشيعة، والزج بهم فى السجون، أو نفيهم خارج البلاد.

والآن تضاعف حجم المشاركين فى احتفالات الأربعين لإحياء ذكرى وفاة الإمام الحسين، ومع زيادة حجم المشاركين تزداد التبرعات، والفرص التجارية، التى تعطى رجال الدين الشيعة الفرصة لمنافسة حكومة الإقليم، وتقاسمت الأضرحة والحكومة تكلفة دعم النازحين فى كربلاء، والبالغ عددهم ٢٠٠ ألف نازح، ولكن الوضع تغير بشكل كبير، ففى ٢٠١٥ كانت الحكومة تقدم الرعاية الطبية والسكن والمياه والصرف الصحى للنازحين فى أنحاء المحافظة، إلا أنها باتت تعتمد على تبرعات العائلات الثرية، ورجال الأعمال، بسبب انخفاض أسعار النفط، وتكاليف مكافحة الإرهاب، ولذا فدعم النازحين أصبح تحت إدارة الأضرحة الشيعية.

وأصبح رجال الدين الشيعة يسيطرون على أغنى المؤسسات فى العراق، فبخلاف دعمهم النازحين، وإدارتهم شبكة واسعة من المنظمات الخيرية، كالمدارس، والمستشفيات، ودور الأيتام، فإن الأموال التى تتدفق على أضرحة الشيعة يتم استخدامها فى تأسيس البنية التحتية، وفى الاستثمار فى الأعمال التجارية، ويقول مسؤولون فى أحد الأضرحة إن وزارة التربية والتعليم العراقية تستخدم المطابع الخاصة بالضريح لطباعة الكتب المدرسية، كما يتم استخدام إحدى شركات البناء المملوكة للأضرحة فى تمهيد الطرق، فضلاً عن دخولها فى تنافسات للحصول على عقود لبناء المطارات، ولذا فإنه بات واضحاً أن الأضرحة أصبحت تتولى وظائف الدولة.

ولعل أوضح مظهر من مظاهر هيمنة الأضرحة يكمن فى تشكيل «قوات الحشد الشعبى»، وهو جيش موازٍ يتألف، إلى حد كبير، من المتطوعين الشيعة فى الجيش العراقى، بعد فتوى صدرت عام ٢٠١٤ من المرجع الأكبر على السيستانى للجهاد الكفائى، ورغم أن السيستانى لا يتحكم مباشرة فى القوات التى تتألف من حوالى ٤٠ وحدة، فإن كلاً من الأضرحة الـ٣ الأبرز فى جنوب العراق ترعى وتدير الوحدة الخاصة بها.

وتحمل الكيفية التى تستثمر بها الأضرحة أموالها عواقب سياسية ضخمة، وهذا، بدوره، يغير فهم رجال الدين الشيعة لدورهم فى المجتمع العراقى، فتحت قيادة السيستانى وسلفه، الخوئى، اعتبر رجال الدين الشيعة أنفسهم مستشارين أخلاقيين للعراقيين، وحرصوا على تقديم النصح والإرشاد لمن يرغب فى الأمر، وهناك الآن نداء شعبى متزايد لهم لاتخاذ موقف ضد الحكومة المتعثرة التى يُنظر إليها على أنها فاسدة وغير فعّالة.

والفساد بلاشك أحد أهم التحديات فى العراق، حيث تقع العراق فى المرتبة ١٦١ من أصل ١٦٨ دولة فى مؤشر مدركات الفساد لعام ٢٠١٥، الذى تصدره منظمة الشفافية الدولية، لانتشار الرشوة، والمحسوبية، والكسب غير المشروع فى الحكومة، التى لا تفعل سوى القليل لغرس الثقة فى نفوس مواطنيها.

ولذا، يسهل إدراك سبب نمو نفوذ الأضرحة الشيعية، فبجانب تمتعها بالسلطة الأخلاقية، فإنه ثبت أنها فعّالة للغاية، ما يدفع المواطنين للتحدث مع رجال الأضرحة فى مشاكلهم وليس مع الحكومة.

ولكن طالما يؤكد السيستانى أنه لا يريد أن يحل محل الدولة ولكن يقدم النصيحة الأخلاقية للسياسيين، فهو يقترح على القادة العسكريين أن يجعلوا مسؤوليتهم فى حماية المدنيين أولوية، ولكنه لا يقرر الأسلحة أو التكتيكات التى يجب استخدامها فى المعركة.

وتمثل قضية الفساد تحدياً فريداً من نوعه لهذا النهج، فمن وجهة نظر الكثير من العراقيين مشكلة الفساد فى الأساس مسألة سلوك أخلاقى، وليست سياسة حزبية، ولهذا يتوقع كثير من العراقيين أن تتخذ الأضرحة موقفاً فى هذا الشأن.

وكشف سقوط رئيس الوزراء السابق، نورى المالكى، عام ٢٠١٤، عن تأثير السلطات الدينية، حيث أُجبر على التنحى عندما بات واضحاً أنه لم يكن يحظى بثقة السيستانى، ولكن إذا رأى رجال الدين الشيعة أنهم مسؤولون عن التنديد العلنى بأداء الوزراء أو بالقوانين التى يرونها تتعارض مع الشريعة فإن هذا الأمر سيشكل تحدياً خطيراً للديمقراطية العراقية، ومن شأن هذه الخطوة أن تجعل التوصل إلى تسوية سياسية مع الجماعات السنية شبه مستحيلة.

وفى حين لم يتخذ السيستانى خطوة واضحة حتى الآن للتصدى للفساد، فإنه لم يكن صامتاً تماماً، وقال المتحدث الرسمى باسمه، فى سبتمبر الماضى، إنه «عندما لا تُحترم القوانين وينتشر الفساد فى الأرض فإن اللعنة ستحل على الذين انتهكوا القوانين».

ولا يشاطر كل رجال الدين فى العراق السيستانى وجهة نظره بضرورة البقاء بعيداً عن السياسة، حيث يدعو آية الله بشير النجفى لولاية الفقيه، التى يصبح فيها رجل دين السلطة القانونية العليا فى البلاد.

والاتجاه الذى ستسير فيه البلاد أمر سيقرره خليفة السيستانى، الذى سيتم اختياره من قبل الطائفة الشيعية من بين آيات الله الـ٣ فى النجف، وتعد عملية الاختيار مبهمة وبطيئة، ولكنها تهدف إلى إقامة توافق واسع بين شيعة البلاد، ويُعتقد أن آية الله الحكيم يحظى بالدعم الأكبر بين الخلفاء المحتملين للسيستانى، والذى يقول ابنه «إنه يجب على الشيعة اتباع المرجع الشيعى الذى يمكنه تحديث تفسيرنا للقانون والرد على التحديات المعاصرة».

ومع هزيمة «داعش» التى باتت تظهر فى الأفق، يحدد رجال الدين الشيعة مستقبل العراق فى مناقشات قائمة على الدين فى النجف، ومن المفارقات أن المؤسسات الشيعية التى فعلت الكثير لدعم الدولة، فى محاولة استعادة النزاهة الأخلاقية للحكومة، قد تكون هى من تسقطها فى المستقبل.

ترجمة- فاطمة زيـدان

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك