الرأسمالية المصرية.. هل تستطيع؟ (1-2)

المصرى اليوم 0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

ظل التمييز سائداً، خاصة فى الوثائق السياسية، بين الطبقات والفئات الاجتماعية مثل الفلاحين والعمال والرأسمالية الوطنية والمثقفين. وإلى جانب تأكيد الدساتير والقوانين على الحقوق المشروعة للفلاحين والعمال، فقد جرى التمييز بين الرأسمالية المستغلة وتلك الوطنية التى نجت من التأميمات أو بدأت نشاطاً جديداً منذ الستينيات. مع بدء الانفتاح الاقتصادى فى منتصف السبعينيات نُحّيَتْ جانباً الاشتراكية ومناصروها وشريكها الصغير المسمى الرأسمالية، حتى لو كانت وطنية، ليحل مكانها اسم ولافتة جديدة تظلل فئة صاعدة من «رجال الأعمال». فى الوثائق الحكومية والخطاب الإعلامى جرى- فى التسعينيات- اعتماد اسم «القطاع الخاص» للابتعاد تأدباً عن اسم الدلع (رجل أعمال) والاسم السياسى (رأسمالى). وعلى الرغم من ذلك تعرض الاسمان لحملات متواصلة من التشويه والنقد اللاذع. فعلى مستوى الدراما فى السينما والتليفزيون مثلا أصبحت الصورة الذهنية لرجل الأعمال نموذجا للانتهازية والفساد وسوء السلوك والجريمة والاتجار فى الممنوعات... إلخ. كانت تصرفات بعض هؤلاء فى الواقع ربما أفدح مما جسدته الأعمال الدرامية. وعلى المستوى الفكرى والسياسى وُصِفَت الرأسمالية المصرية- خاصة فى ظل التحول إلى الاشتراكية- بافتقادها للأصل الطبقى التاريخى (فهى ليست برجوازية)، وأنها أسرية وطفيلية وتابعة للرأسمالية العالمية... إلخ. مع العولمة وزيادة درجة اللامساواة وسوء توزيع الدخل حتى فى الدول المتقدمة، ومع تصاعد النقد الموجه للشركات المتعدية الجنسية، تعددت وانتشرت الكتابات عن «الرأسمالية المتوحشة»، وكذلك عن رأسمالية «المحاسيب» التى تعكس تآلفاً غير برىء بين سلطة استبدادية وأنشطة أعمال فاسدة واستغلالية. لم تكن مصر بعيدة عن هذه التغيرات فى المفاهيم والشعارات والأدوار، فقد أُطْلِق على حكومتها- فى منتصف أول عقد للألفية الجديدة- حكومة رجال الأعمال، كما وُضعت مؤلفات ودراسات حول رأسمالية المحاسيب وظاهرة توأمة الثروة والسلطة فى مصر.

الرأسمالية ليست صفة أخلاقية (سلبية أو إيجابية) لطبقة أو فئة من الناس، وإنما هى فى الأصل وظيفة ودور للشخص الذى يوظف موارد بشرية وعينية ومالية لإحداث تراكم رأسمالى بغرض إنتاج سلعة أو خدمة يُقْبلُ عليها (يطلبها) منتج آخر أو مستهلك. هل استطاعت الرأسمالية المصرية أن تفتح وتسير فى طريق الثورة الصناعية؟ هل ظُلِمَت الرأسمالية عندما عجزت عن البناء على الصناعات والأنشطة التى تم تمصيرها فى أواخر الخمسينيات من القرن الماضى؟ لماذا لم ير الرأسماليون المصريون فى أول خطة خمسية للتنمية (60- 1965) فرصة للنهوض بالاقتصاد والتنمية فى مصر، بل عارضوها فتمت عملية التأميمات الواسعة؟ لماذا لم تنجح فى توظيف الموارد التى تدفقت على مصر بعد الفورة النفطية ولم تبدأ فى تصنيع مصر كأكبر اقتصاد مؤهل لذلك فى السبعينيات، بل تغاضت- إن لم تكن عناصر منها شاركت- فى أوسع عملية نهب وإهدار للموارد قامت بها شركات توظيف الأموال؟ لماذا رَضِيَتْ بدور الشريك الأصغر فى عملية الاستحواذ على السوق المصرية، بل تركته ميداناً مباحاً لوكلاء الأجانب؟ وهل تستطيع أن تعود إلى ساحة النشاط الاقتصادى- بعد الخروج من الأزمة الفادحة- بل والمعاونة فى التغلب عليها؟

كى يَرُد الرأسماليون المنتجون (والصناعيون منهم بصفة خاصة) على أسئلة الماضى، ورؤية المستقبل، عليهم أن يقرأوا بحرص كل المؤشرات التى يفصح عنها التعداد الاقتصادى الذى أجراه جهاز الإحصاء، وأن يبحث اتحاد الصناعات وجمعيات ومنظمات المستثمرين وغيرها فى الحقائق والمعلومات والسياسات التى تلزم لتغيير هذا الواقع، ومنها:

نحن نتباهى كثيراً بأن الاقتصاد المصرى متنوع فى مصادر الدخل (زراعة- صناعة- تجارة- خدمات- نقل- سياحة- اتصالات... إلخ)، ولكن الحقيقة أنه اقتصاد متشرذم، ومؤسسات النشاط فيه ضعيفة، ومعظم وحداته الإنتاجية صغيرة وضئيلة الحجم. لقد بلغ عدد المنشآت والشركات التى تزاول النشاط الاقتصادى (لا يشمل الحكومة والزراعة) حوالى 2.4 مليون منشأة، معظم هذا العدد الكبير منشآت صغيرة الحجم، إذ إن حوالى 97% من المنشآت يعمل بكل منها أقل من 10 مشتغلين. حوالى خُمْس المشتغلين فقط يعملون فى منشآت بها 50 مشتغلا فأكثر. وهناك 1% فقط من المنشآت يعمل بكل منها 25 مشتغلا فأكثر. لا يسمح هذا الإطار القانونى والمؤسسى القائم على منشآت صغيرة وقزمية بالتعامل الجاد والفعال مع مشكلات الضرائب والتأمينات والرقابة على الجودة والمواصفات والتراخيص... إلخ.

- آن الأوان أن نسمى الأشياء بأسمائها. الرأسمالية الصناعية هى المُعَوَّل عليها فى حفز النشاط والنمو الاقتصادى والتشغيل. هيكل الاقتصاد المصرى يبين أنها لم تعد بلداً زراعياً، ولكنها أيضاً ليست دولة صناعية، ومن ثم فإن اسم «رجال الأعمال» مظلة واسعة ولا يقتصر على المستثمرين المنتجين. لقد استحوذ نشاط تجارة الجملة والتجزئة على حوالى 57% من إجمالى عدد المنشآت، بينما تشتمل الصناعة التحويلية على 16% فقط منها، وأن 40% من المشتغلين يعملون فى نشاط التجارة، بينما يشتغل 29% منهم فى الصناعة التحويلية.

- على مستوى الناتج نجد أن نصف القيمة المضافة فى «القطاع الخاص» تتحقق فى نشاطى التعدين واستغلال المحاجر من ناحية والتجارة من ناحية أخرى. الصناعة التحويلية لا تولد سوى خُمْس القيمة المضافة. الرأسمالية المصرية ليست رأسمالية صناعية، وينعكس هذا الضعف على الاقتصاد المصرى بأكمله، لأن القطاع الخاص ينتج 84% من إجمالى القيمة المضافة، وأن 70% من القيمة المضافة المتولدة فى القطاع الخاص مُرَكّزَة فى 9 آلاف منشأة كبيرة نسبياً.

- قُدْرة الرأسمالية الصناعية على عملية التكوين الرأسمالى (بناء الأصول) والاستثمار محدودة أيضاً. فبينما تمثل التكوينات الرأسمالية فى القطاع الخاص ضعف مثيلتها فى القطاع العام، فإن 20% فقط منها يتم فى الصناعة التحويلية، وأن 93% منها تقوم به المنشآت الكبيرة. ترجع هذه القدرة المحدودة إلى قصور ذاتى فى فكر ورؤية المستثمرين الصناعيين وفهمهم لأهمية الاستثمار وتراكم رأس المال من ناحية وإلى عدم تفضيلهم إعادة استثمار عوائدهم من النشاط (الأرباح)، وإلى القيود على الاقتراض والحصول على الائتمان. المسؤولية هنا مشتركة بين الرأسماليين والحكومة.

- ضآلة وتشتت النشاط الصناعى الخاص يوضح كذلك ضعف الرأسماليين فى مواجهة أهل التجارة الداخلية والخارجية، وربما عدم إدراكهم أهمية «السوق الوطنية» التى كان عليهم أن يحوزوا على الحصة الأكبر منها، وبأدوات عصرية أهمها زيادة الكفاءة وتحسين الإنتاجية. إن الرأسمالية فى الدول الصناعية المتقدمة دافعت عن أسواقها الوطنية، بل حركت أساطيلها الحربية لغزو أسواق خارجية. لكن ما الذى يجب على قطاع الصناعة التحويلية القيام به لبناء اقتصاد ما بعد الأزمة؟ للحديث بقية.

حمى الله مصر

* أستاذ الاقتصاد، وزير التخطيط الأسبق

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق