أخبار عاجلة
السيسي يوفد مندوبين للتعزية -

نوبل وتشرنوبل وما بعدهما

نوبل وتشرنوبل وما بعدهما
نوبل وتشرنوبل وما بعدهما

فى 13 أكتوبر هذا العام أُعلن عن فوز الموسيقى وكاتب الأغانى ومؤديها الأمريكى بوب ديلان بجائزة نوبل فى الأدب، فأثار جلبة تستحق التأمل فى الأوساط الثقافية بين مرحب ومُستنكر ومُتحير، وبرغم أننى من الفئة الأخيرة إلا أن هذا النبأ أيقظ فى ذاكرتى ما انتابنى إثر إعلان فوز الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش بالجائزة ذاتها فى 8 أكتوبر من العام الماضى عن «كتابتها متعددة الأصوات التى تُشكل نُصُبا تذكاريا للمعاناة والشجاعة فى عصرنا»ــ تبعا لمنطوق لجنة الجائزة، ويومها لم أتحير لأننى كنت أعرف شيئا عن كتابات أليكسييفيتش، خاصة كتابها الذى تُرجم إلى الإنجليزية تحت عنوان «أصوات تشيرنوبل»، ومن ثم احتفلت بفوزها مع نفسى كما لو كان ذلك فوزا شخصيا لى، لأن هذا الفوز جاء انتصارا لقضيتين أعتبرهما مهمتين فى حياتى ككاتب، وكإنسان، أولاهما مناهضة نشر المفاعلات النووية لتوليد الكهرباء، خاصة فى بلدى، وثانيتهما التبشير بحلول أشكال أدبية خارج التصنيف المُروَّج له بخفة نقدية وإلحاح تسويقى، مما يُحيى دعوتى الخافتة منذ ربع قرن إلى ضرورة مراجعة مقولة «زمن الرواية» لخطورة هذا المُصطلح على فضيلة التنوع السردى، الذى هو شرط من شروط ازدهار فنون الكتابة الإبداعية كلها، تماما كما التنوع الحيوى الذى يُمثِّل شرطا من شروط ازدهار واستدامة الحياة.

قبل إعلان فوز سفيتلانا أليكسييفيتش بجائزة نوبل كنت قد قرأت تنويهات ومقتطفات موجزة من كتاباتها فى مراجعات مواقع الكتب العالمية، ولم يتيسر لى الحصول على كتاب لها، ومع نبأ فوزها بالجائزة صرت محموما أريد أن أقرأها فورا، وبرغم أننى كنت فى أيام النقاهة الأولى بعد إجراء جراحة فى عينى الاثنتين، أجراها ببراعة، وبكرم طبى وحضارى مدهش الدكتور حازم ياسين، إلا أننى لم أستطع ردع تشوقى لقراءة شىء من كتاب الفائزة بنوبل. واستطعت تنزيل خمسين صفحة عبر الإنترنت من ترجمة إنجليزية لكتابها الأشهر عن تشرنوبل، وكانت عيناى تهطلان دمعا وأنا أقرأ، لا بفعل المشاهد المروِّعة لمأساة تشرنوبل التى جمعتها الكاتبة من خلال أصوات ذوى الضحايا ومن عايشوا المأساة، لكن لأن عينيَّ اللتين صارتا بعد الجراحة تنعمان بمزيد من تدفق النور عبر مقلتيهما، كان يبهرهما فيض النور الذى لم تتأقلما معه بعد، فتدافعان عن نفسيهما بالدموع، وبرغم تلك المعاناة الشديدة واصلت البحث عن أية نصوص وتعليقات نقدية تتعلق بعمل أليكسييفيتش، فقرأت ما حصلت عليه بالإنجليزية وقرأت بالعربية صفحات ترجمها أحمد شافعى، وكذلك أحمد صلاح الدين، فهدأَتْ إلى حين رغبتى الملحة فى قراءة عمل كامل لصاحبة أصوات تشرنوبل ومكثت أنتظر كتابا أو كتبا لها، وأخيرا جاءتنى ترجمة أحمد صلاح الدين المتميزة عن الروسية مُلتزمة بالعنوان الأصلى للكتاب «صلاة تشرنوبل»هدية كريمة بإهداء بالغ الود، فنحيت كل ما لديَّ لأقرأها دفعة واحدة بنهم، وكانت شيئا مهولا. فصلاة تشرنوبل لم تكن كتابا أدبيا رفيع المستوى ومتمردا على التنميط النقدى المدرسى والتجارى الترويجى والتسويقى وحسب، بل صرخة لن يستطيع من يسمعها أن يستسلم لأوهام الأحلام الكهرونووية، لا فى العالم الثرى المتقدم علميا وتقنيا، ولا فى عالمنا الفقير فى الثروة والعلم والتقنية.

سفيتلانا أليكسييفيتش بدأت جمع مادة كتابها عن تشرنوبل عام 1997 من أفواه ذوى ضحايا الكارثة كما من بعض مُعايشى آلامها، وبدأتُ جمع مادة كتابى عن الموضوع ذاته من مُعايشة أصداء الفزع النووى فى مدينة كييف بعد أيام قليلة من وقوع الكارثة ليلة 26 إبريل 1986 وانكشاف التكتم عليها بضخامة إجراءات الطوارئ غير العادية لمواجهة وصول التسرب الإشعاعى المُحتمل إلى المدينة. ولأننى كنت مبهورا قبلها بالتدفئة المركزية فى سَكنى الجامعى كما سائر بيوت المدينة الكبيرة، كإحدى ثمار هذه الطاقة الفياضة فى بلد تهبط حرارة طقسه فى الشتاء أحيانا إلى 30 درجة تحت الصفر، فإن انبهارى السابق ردَّنى إلى شعور عميق بالصدمة، وقلت لنفسى إن «يد الله قد وضعتنى فى تجربة، وعليَّ ككاتب وكإنسان أن أكون أمينا عليها» وكانت الأمانة تقتضى أن أتقصَّى وأفهم، وكلما تقصيت وفهمت، أدرك أن الطاقة النووية-الانشطاريةــ فى الحرب كما فى السلم، هى لعبة من ألاعيب الغواية الشيطانية الكبرى للبشرية المغرورة فى عصرنا، وهو يقين لم يكف عن التأكُّد والرسوخ مع متابعة لم تتوقف منذ ذلك الربيع المقبض فى كييف عام 1986 وحتى الآن.

هذه الغواية النووية بالنسبة لنا من أغرب الأمور، نحن الذين لانمتلك تقنياتها، ولا وقودها، ولا مدافن نفاياتها، وحتى مع ضمان عدم حدوث مخاطرها، وهو ضمان كاذب، لأنه مع فظاعة هذه المخاطر، لايكفى إلا الأمان المُطلَق، ولا مُطلَق إلا بيد الله المُطلَق، والشواهد التاريخية، تقول إن الله لم يضمن أبدا أمان هذه المفاعلات، ولن يضمنها، وحتى لو افترضنا نظريا أنها آمنة 100% وتعامينا عن كل الأسباب لدينا لنقض هذه الفرضية، فإن إلقاء 25 مليار دولار فى إنشاء محطة لإنتاج أقل من 5 جيجا وات لهو أمرٌ مُستغرَب فى بلد فقير يمكنه أن يغتنى من الطاقة بصرامة الترشيد، وجدية التوجه لبدائلها المتاحة محليا، خاصة لو استدعينا للمقارنة القريبة نجاح الحُكم الحالى- نفسه- مُمثَّلا بوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة فى إضافة أكثر من 3 جيجا وات فى سنة واحدة لسد فجوة الكهرباء بتكاليف أقل ومخاطر تكاد تكون معدومة ويتجه إلى مضاعفة ذلك بحلول العام 2018، أى 6 جيجا وات، تفوق الإنتاج المُنتظر للمحطة النووية المُزمع إنشاؤها بمفاعلاتها الأربعة، فى زمن أقل كثيرا وبأعباء أمنية واقتصادية وسياسية أقل كثيرا، وتدعمها اكتشافات الغاز التى يمكن أن تفتح لنا آفاقا أفضل بعيدا عن هذا الكابوس النووى، ودون حاجة للاستدانة والارتهان حتى للملائكة، وأظن أن مراوحة عودة السياحة الروسية لبلادنا بعد كارثة سقوط طائرة السياح الروس فى سيناء، تمثل نموذجا يمكن أن يكون خطيرا فى شأن مفاعلات لا نملك وقودها، ويمكن أن تتحول فى أى لحظة من المتغيرات السياسية أو الاقتصادية- فى عالم يتجه بتهور نحو حرب باردة جديدة- إلى هياكل من الخُردة القاتلة المثقلة بالإشعاع، ثم إن الـ 25 مليار دولار لامتلاك محطة نووية واحدة بها أربعة مفاعلات ليست الرقم النهائى لأى امتلاك واقعى لهذا النوع من محطات الطاقة، فمروجو ومسوقو النووى بيننا ومن خارجنا، كذبوا كذبا خطيرا عندما أخفوا عن متخذ القرار وعنا تكاليف أخرى عديدة مسكوتاً عنها، تتعلق بالترميم الباهظ لمكونات عالية التكاليف تُستَهلك بمعدلات سريعة نتيجة قصفها المتواصل بالجُسيمات تحت الذرية أثناء الانشطار النووى للوقود، ثم يأتى تفكيك المفاعلات ومعالجة ودفن مخلفاتها، وهناك ما يرجح أنها تعادل نفقات الإنشاء! فلماذا نغِلُّ أعناق أولادنا وأحفادنا بهذا الإثم العظيم؟

ومادمنا سنسدد فى المستقبل المتوسط دين الـ 25 مليار دولار، فلماذا لا نستبدل هذا الدين بتمويل محلى ممتد على هذا المدى فى اتجاه آخر يكفى لإدخالنا - بجد - فى عصر الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية غير معقدة التقنيات والتى يمكن تصنيع معظم مكوناتها محليا كما فعلت الجزائر وتفعل المغرب، وهى طاقة تشهد قفزات فى فاعليتها واقتصادياتها عالميا، وهى لدينا أكثر جدوى اقتصادية نظرا لقوة السطوع الشمسى وعدد الأيام المشمسة، وهى مجانية المصدر ولاتنضب إلا بانطفاء الشمس وأفول الحياة على هذا الكوكب؟ ثم إن محطات الطاقة الشمسية الحرارية، التى شُيِّدت أول محطة من نوعها فى العالم على الأرض المصرية فى المعادى عام 1913، هى منشآت كثيفة العمالة البشرية لتقليل جحافل العاطلين عندنا، وصالحة لتحلية المياه التى سنعانى شحها بسبب سد النهضة أو غيره أو بتفاقم الكتلة السكانية وتعاظم احتياجاتها المائية. ثم إننا أول بلد فى العالم عرف أن تفكيك المحطات الشمسية الحرارية، كتلك التى أنشأها فرانك شومان فى المعادى منذ أكثر من قرن، كانت زهيدة التكلفة وبلا مخاطر، بينما تفكيك المحطات النووية، بل مفاعل نووى واحد، لايزال يُعيى أعتى الدول تقنيا واقتصاديا وبيئيا، ولدرجة صدمت حكومات دول كالولايات المتحدة فأضافت على مُستهلكى الطاقة المولَّدة نوويا ضرائب يوضع عائدها فى صندوق لتفكيك المحطات النووية وتطهير مجاثمها وأنقاضها بعد تقاعدها، وعانت ولا تزال ألمانيا من شبح أعباء تفكيك المفاعلات التى أرادت وتريد التخلص منها، بعد محاولة الشركات العملاقة المالكة لهذه المفاعلات أن تتملص من وجوب دفع هذه التكاليف، وتبين أنها ثقيلة على الدولة الألمانية برغم غناها الاقتصادى ومستواها العلمى والتقنى الرفيع. فما أغرب أن نذهب نحن إلى الحج النووى وحجاجه عائدون منه، كافرين به!

تشرنوبل لم تكن عندى «عقدة نفسية» تدفعنى إلى هذا العداء لمفاعلات الطاقة النووية الانشطارية كما زعمت بعض الأبواق النووية، بل بقعة الضوء التى أخذت تتسع وتتكاثف لأكتشف فى نورها مخاطر وأكاذيب هذه الصناعة وغرابة احتفائنا بها، نحن الفقراء فى كل مكوناتها وتقنياتها واقتصادياتها، والأغنياء ببدائلها المتاحة على أرضنا والأكثر أمانا واستدامة ونأياً عن سؤال الكريم أو اللئيم، فى الحاضر وفى المستقبل.

■ ■ ■

(كان هذا عن سر أول الأسباب لاحتفائى البالغ بفوز صاحبة «صلاة تشرنوبل» بجائزة نوبل للعام 2015، أما ثانى الأسباب وهو أدبى مُتمرِّد ومُجدِّد، مع نماذج دالة من كتابها الأشهر الذى نقله عن الروسية فى ترجمة عربية متميزة الأستاذ أحمد صلاح الدين، فله وقفة أخرى).

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك