أخبار عاجلة

مائة عام على سايكس بيكو!

مائة عام على سايكس بيكو!
مائة عام على سايكس بيكو!

تمر مائة عام على معاهدة سايكس بيكو 1916-2016. وكنا حتى ونحن صغارا نهتف بسقوط المعاهدة حتى كبرنا. ومازال اسم صانعى المعاهدة يرن فى أذننا بالشر بتمزيق الأمة العربية إلى دول استولت القوتان الكبيرتان فى ذلك الوقت، إنجلترا وفرنسا، على ممتلكات «الرجل المريض» أى الدولة العثمانية بعد خسارتها مع ألمانيا فى الحرب العالمية الأولى. وكان من الطبيعى أن تسقط الإمبراطورية العثمانية بعد أن امتدت أطرافها غربا حتى فيينا وشرقا حتى روسيا القيصرية وشمالا فى شبه جزيرة القرم وجنوبا إلى مصر والمغرب العربى حتى الجزائر. لم تراعِ الإمبراطورية حقوق القوميات: الأرمن، والأكراد، والعرب. وقد اعتمدت الإمبراطورية المنهارة فقط على قوة الجيش والدين، والاضطهاد الذى وصل إلى حد الذبح للأرمن. وهو الموضوع المثار حتى الآن. ويشنق زعماء القومية العربية 1913.

وقسمت المعاهدة الوطن العربى إلى دول ذات حدود مصطنعة. تقسم القبائل فى دولتين جارتين حتى تنزع القوة عنهما. فنشأت الخلافات الحدودية بين المغرب والجزائر على واحة تندوف، ومصر وليبيا حول قبائل أولاد على، ومصر والسودان حول وادى حلفا والتى ألغاها عبدالناصر بجعلها محافظة تكامل لا حدود لها إلا السكان الذين لهم حرية التنقل بين الجانبين، وحلايب وشلاتين، ومصر وفلسطين فى مثلث العوجة، وعمان والسعودية والإمارات فى واحة البريمى، والكويت والسعودية حول المثلث الصحراوى الموضوع الآن تحت إشراف الأمم المتحدة، وقطر والبحرين حول الجزر المجاورة، والعراق والكويت حول شمال الكويت وجنوب العراق الذى به آبار النفط، والأردن وسوريا حول وادى الحمة، وسوريا ولبنان حول مزارع شبعا. وكذلك قسم الشعب الكردى بين سوريا والعراق وتركيا وروسيا، وبين اليمن والسعودية حول عسير ونجران.

ثم نشأت الحركات والأحزاب الوطنية للتحرر من الاستعمار. بدأت فى سوريا ولبنان ضد الاستعمار الفرنسى، ثم تونس والمغرب. وقامت حركات التحرر الوطنى فى مصر التى كان شعارها «الاستقلال التام أو الموت الزؤام»، وشعار شعبى ضاحك «مصر والسودان لنا وإنجلترا إن أمكنا». ثم ناضلت الجزائر بحرب المليون شهيد ضد فرنسا. وكان آخرها اليمن والكويت.

وقاد عبدالناصر هذه الحركات الوطنية. وأمدها بالسلاح مثل الجزائر. وتحررت مصر على مراحل بعد احتلالها فى 1882 بعد ثورة عرابى ضد الخديو توفيق. ثم قامت ثورة 1919، ثورة وطنية ضد الاحتلال. ثم عقدت معاهدة 1936 التى تعطى مصر استقلالا صوريا. وقامت الحركة الوطنية بإلغائها. ثم قامت ثورة 1952 بقيادة الضباط الأحرار. وعقدت معاهدة الجلاء فى 1954 التى عارضتها الحركة الإسلامية لأنها كانت تعطى الحق لبريطانيا فى العودة لمنطقة القناة فى حالة «الضرورة القصوى». ثم أكمل تأميم قناة السويس الاستقلال بالرغم من العدوان الثلاثى فى 1956.

وبدأ تيار القومية العربية فى الانتشار من مصر بقيادة عبدالناصر، وفى سوريا فى حزب البعث. وتوحدت مصر وسوريا فى 1958-1961 فى الجمهورية العربية المتحدة. وانتشر التيار القومى الناصرى فى ثورة العراق 1958، واليمن 1964، وليبيا 1969. وبدأ يخبو بوفاة عبدالناصر 1970 وإثر هزيمة 1967.

ثم بدأ التيار القُطْرى بعد التيار القومى، مصر أولا، الأردن أولا، الكويت أولا. وهى بداية تفتيت الوطن العربى. فكل قُطْر مشغول بمشاكله. فعقدت مصر السلام مع إسرائيل وسيناء منزوعة السلاح، والضفة الغربية والجولان مازالتا محتلتين. وخاصم العرب مصر. وانتقلت الجامعة العربية إلى تونس ولم يحاول أحد بعد اغتيال الرئيس المصرى أن يعيد مصر بنفس القوة إلى دائرتها العربية. وتبعت الأردن مصر فى معاهدة السلام فى وادى عربة. وأصبح المشروع العربى للسلام، السلام فى مقابل الانسحاب من الأراضى المحتلة فى 1967، مطروحا. ولا يأخذه أحد.

ونظرا لسكون النظم الحاكمة، وعدم تحركها نحو الوحدة أو استكمال مشروع التحرر الوطنى فى فلسطين وتحول النظام الوطنى للدولة الوطنية المستقلة التى استشهد من أجلها الآلاف بل الملايين، وعموم الفساد فى مصر، بدأ التيار الإسلامى فى النمو. وتعددت أسماؤه من أول الإخوان المسلمين حتى تنظيم الدولة (داعش) وبينهما القاعدة. فقد جرّب العرب الوطنية والقومية ومن قبلهما الليبرالية والملكية قبلها وبعدها. فاحتلت نصف فلسطين فى 1948، والنصف الآخر فى 1967. وأصبح التيار الإسلامى أقوى قوة سياسية فى مصر وتونس والجزائر والمغرب والأردن ولبنان والعراق واليمن. وبدأ الناس يتعلقون به حتى قامت الثورات العربية فى الربيع العربى بكتلة وطنية عديدة ومعها الحركة الإسلامية.

ونظرًا لطول حرمان الحركة من المشاركة فى العمل السياسى، وممارسة نظم الحكم معها كل أساليب العنف، بدأ رد الفعل عندها فى مصر وتونس. ووصلت إلى الحكم فى مصر بعد انتخابات حرة ونزيهة. حكمت بمفردها وبتوجيه مكتب الإرشاد من وراء ستار. ولم يطبق شعار «مشاركة لا مغالبة» وتمت «أخونة الدولة» فبدأ فريق من السياسيين فى الملل من هذا الحكم الانفرادى. وقاموا فى 30 يونيو 2013 بالنزول إلى الشوارع. فسانده الجيش. وأخذ السلطة. وتحول الحكم من قريش إلى الجيش حتى الآن.

كان مصير الثورات العربية هو الانقلاب على نفسها فى مصر وتونس وليبيا واليمن. ومازالت دائرة فى سوريا والعراق. وتدخلت روسيا فى ضرب سوريا دفاعا عن رئيسها. وتدخلت إيران فى مناصرة أنصارها من الشيعة فى سوريا ولبنان والعراق واليمن. تزهو بأنها تحتل أربع عواصم عربية: بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء. وتحولت دول الربيع العربى إلى حروب طائفية، سنة وشيعة أو عرقية، عرب وأكراد.

وبدأ مخطط التفتيت فى الداخل قبل أن يكون تآمرا من الخارج. فالمنطقة قابلة للتفتيت. تفتت نفسها بنفسها. وانشغلت مصر بمحاربة الإرهاب فى سيناء وفى الوادى. وظهرت الحروب بالوكالة للدول الكبرى، روسيا وأمريكا من خارج المنطقة، وإيران وتركيا من داخل المنطقة. وتم تفتيت المفتت، وتجزئة المجزأ منذ سايكس بيكو، منذ مائة عام. وتصل إلى سايكس بيكو جديدة أسوأ من الماضية. ويتمنى الناس لو عادوا إلى سايكس بيكو القديمة التى قسمت الوطن العربى إلى دول ثم استعمرت ثم قامت حركات التحرر الوطنى ثم الحركة القومية. وهذا أفضل من مخطط التفتيت وواقعه القائم الآن. ولم تظهر نهاية القاع بعد. والدور على الأردن والجزائر والخليج. ثم تأتى مصر فى النهاية نظرا لوحدتها التاريخية.

وهذه المرة تكسب إسرائيل الحرب بلا حرب بعد أن صدّرت الحروب إلى الوطن العربى. وتملأ هى وأمريكا وإيران الفراغ فى المنطقة. وروسيا تصل إلى المتوسط، المياه الدافئة. ويعود العرب فى حاجة إلى رسالة جديدة توحد طوائفهم وأعراقهم. هل يظهر صلاح الدين أو محمد على أو عبدالناصر من جديد؟ هل يظهر وعى عربى جديد بعد أن استفاد من تجاربه السابقة؟ هل يتقدم المجتمع المدنى باتحاداته وروابطه وهيئاته ومنظماته؟ هل يقوم ربيع عربى جديد لا يتحول إلى شتاء؟

ليس بالضرورة أن يكون الأمل العربى باستمرار بالرجوع إلى الماضى، سايكس بيكو، وإلا كان الجميع سلفيا داعيا إلى عصر الخلافة أو إلى العصر الليبرالى أو إلى العصر القومى. ولماذا لا يكون الأمل العربى فى ثورة العرب على الطموح إلى نموذج جديد فى المستقبل؟ هل النظام الفيدرالى قادر على حماية الأوطان وفى نفس الوقت الحفاظ على القوميات؟ إن أمريكا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وإنجلترا كلها دول فيدرالية. والاتحاد الأوروبى مكون من الدول الأوروبية يحافظ على كل دولة ولكن يرفع الحدود. ويتعامل بعملة واحدة، واقتصاد موحد، وسياسات متناسقة. ولدينا الجامعة العربية. وكلنا نشتكى من عدم فاعليتها. فلماذا لا نطورها إلى نظام فيدرالى يحمى حقوق الجميع؟ إن الاجتهاد الجماعى قادر على أن يبدع نظاما عربيا جديدا بناءً على شعار «الوحدة فى التعدد، والتعدد فى الوحدة»، بدلا من حلم القومية القديم، والتفتيت الحاضر. هذا هو المستقبل.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك