أخبار عاجلة
سلاح المقاطعة! -
سكرتارية الرئيس استقيلوا يرحمنا الله -
إلا.. رغيف الخبز! -
الإرادة الساسية الغائبة وقضية الفساد -
هل يغامر الرئيس عباس بعلاقته بمصر؟ -
«الآنسة سلون» وقليل من السحر السينمائى! -
محاكمة نجيب محفوظ وأجدادنا والفراشات -
شبـهة الفسـاد -

الاستعداد للرئيس الأمريكى الجديد

الاستعداد للرئيس الأمريكى الجديد
الاستعداد للرئيس الأمريكى الجديد

منذ حصول دونالد ترامب وهيلارى كلينتون على ترشيح الحزبين الجمهورى والديمقراطى لانتخابات الرئاسة الأمريكية لخلافة باراك أوباما، والطلبات تنهال علىَّ للتعليق إذاعياً، أو الظهور تليفزيونياً، أو لكتابة مقالات صحفية، للإجابة عن سؤال محدد، ألا وهو من الأفضل لمصر ترامب أم كلينتون؟

وحتى الآن تجنبت الاستجابة لكافة هذه الطلبات، رافضا التعليق بأى شكل كان، لأن السؤال فى حد ذاته غير سليم، لأسباب عديدة.

فالشرق الأوسط يمر بمرحلة مخاض مجتمعى وطنى وقومى وإقليمى شديد، بحثاً عن الهوية والذات، يتجاوز قدرة دول خارجية على حسمها، مهما بلغت قوتها أو اتسعت مؤامراتها، أمريكا كانت أم روسيا أم غيرهما، والدليل على هذا الاضطرابات الممتدة والمستمرة منذ بداية الصحوة والاضطرابات العربية فى تونس وليبيا ومصر وسوريا والعراق واليمن ومنطقة الخليج، دون ترجيح موقف أو مصلحة لدولة خارجية، باستمرار نظم علمانية، أو فرض الإسلام السياسى، أو غير ذلك.

ومفتاح الاستقرار عربياً أو شرق أوسطياً ليس فى واشنطن أو موسكو، بعد أن تعثرنا نحن فى إدارة عجلة التغير المجتمعى الحتمية، وتحقيق التحضر الضرورى، مثلما فعلت دول عديدة أخرى كنا متقدمين عنها أو مساوين لها، منها كوريا الجنوبية وسنغافورة والهند والبرازيل، بكل ما يعنيه ذلك اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وأمنياً، من خلال إقامة عقد اجتماعى جديد مع شعوبنا، على أسس العدالة المجتمعية، وشفافية المعلومات والقرارات والمحاسبة الرشيدة والواعية.

ولن تستقر أوضاعنا طالما اعتمدت الدول العربية بشكل مبالغ فيه على الغير، شرقاً وغرباً، فى قضايا أمنها القومى، وهو خطأ وقعنا فيه جميعا منذ استقلالنا، وهذا ما جعل القدرات الأمنية على المستوى الإقليمى لصالح دول غير عربية، خاصة تركيا وإسرائيل وإيران، وفرض أجندات ومصالح دولية زادت أمورنا تعقيدا، على حساب أجنداتنا الوطنية ومصالحنا القومية والإقليمية، كما نشهد فى ليبيا وسوريا والعراق بشكل خاص.

هذا وستتعامل الولايات المتحدة مع الشرق الأوسط فى جميع الأحوال، لأهمية المنطقة فى تنافسها الجيوبولوتيكى مع روسيا والصين أمنياً واقتصادياً، للحفاظ على مصالحها بعيدا عن أى ارتباط عرقى أو أيديولوجى، إنما ستفضل وتميز فى تعاملاتها الدول والأطراف الفاعلة، حتى وإن كانت فى الأساس على غير وفاق معها، وهناك مؤشرات لعودة جديدة للسياسات الواقعية أو Real Politic، وأكبر الأمثلة لذلك التقارب الروسى- التركى، والأمريكى- الإيرانى.

ولكل هذه الأسباب، وباعتبار أن الدول الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة، مشغولة بقضايا عدة فى أماكن متنوعة تشمل وإنما لا تقتصر على الشرق الأوسط، فمستقبل العلاقات المصرية- الأمريكية، أيا كان الرئيس الأمريكى ترامب أو كلينتون، سيحدد بنسبة 70٪ بأيدى مصر وتصرفاتها، ولن يتجاوز التأثير الأمريكى فى رسم الطريق أكثر من 30٪، وكلما استقرت الأوضاع الوطنية وتبنينا سياسات مؤثرة، وطرحنا مبادرات محددة حول القضايا الشرق أوسطية، ازدادت أهميتنا فى الشرق الأوسط، وشكلنا عنصرا فعالا ولا غنى عنه بالنسبة للأطراف الدولية، سواء كانت أوروبا أو روسيا أو حتى الولايات المتحدة، أيا كان رئيسها.

من هذا المنطلق، بدلا من التوقف كثيرا حول شخص الرئيس الأمريكى القادم، يجب أن يكون توجهنا وطموحاتنا الانتقال من «حالة مصرية يخشى عليها العالم ويعمل على تجنب انهيارها» لتداعياتها على مصالحه واستقرار الشرق الأوسط، إلى «حالة مصرية فاعلة مؤثرة فى تشكيل التوجه المستقبلى للشرق الوسط» واستقراره وأمنه وازدهاره، وليس لدينا رفاهية الانتظار أو التأخر فى الانتقال بين الحالتين، فالمنطقة يعاد رسمها وتخطيطها، والدول الإقليمية الفاعلة تتحدد الآن وفقا لهذه الظروف الصعبة.

وهناك سبب آخر، لترددى فى التعليق على سباق الرئاسة الأمريكى رغم أهميته، وهو وبكل صراحة ضحالة وتدنى مستوى الحوار الانتخابى الرئاسى الأمريكى، وتركيزه على الفضائح والجوانب الشخصية للمرشحين، بشكل يتجاوز بكثير كافة الانتخابات السابقة، فكل من المرشحين يركز على التشكيك فى أو المساس بكفاءة ونزاهة الطرف الآخر، فحملة هيلارى كلينتون تؤكد عدم صلاحية دونالد ترامب لهذا المنصب المرموق، وسطحية أطروحاته، وقلة خبرته السياسية، وعنصريته الجارحة، فى حين يدفع ترامب بعدم مصداقية هيلارى كلينتون، وفسادها السياسى، واستغلالها لنفوذها ولنفوذ زوجها، وباعتبارها مثالا صارخا للسياسى التقليدى الذى أصبح يرفضه المجتمع الأمريكى.

وقد لاحظت فى زيارتى الأخيرة إلى الولايات المتحدة، الشهر الماضى، أن الساسة الأمريكيين يشعرون بخجل كبير من تدنى مستوى الحملة الانتخابية الأمريكية، والتراشق الفظ بين المرشحين، ويشرحون تصويتهم المستقبلى بأنه سيكون للأقل ضررا فيما بين المرشحين.

كما استخلصت من جولة خارجية لأوروبا وروسيا والصين أن المجتمع الدولى فى حيرة حقيقية حول ما هو قادم، فلديه تساؤل مشروع عن رغبة واستعداد الشعب الأمريكى لقيام الولايات المتحدة بدور رئيسى منتشر دوليا، بعد أن أرهقته حروب بوش الابن وتعرض لمخاطر الإرهاب، وهناك قناعة دولية واسعة أن اختيار الجمهوريين لدونالد ترامب رغم أنف كوادر الحزب الجمهورى ورواده، والتنافس الشرس بين المرشح ساندرز وكلينتون، المرشحة المفضلة للحزب الديمقراطى، رغم ميوله الاشتراكية واليسارية، يشكلان دلالة على أن المجتمع الأمريكى راغب فى تغيير سياسى حقيقى، ورافض للمنظومة السياسية الأمريكية بمواقفها ووضعها الحالى، لذا يتساءل العالم عن مدى استعداد الشعب الأمريكى لتحمل أعباء الريادة الدولية أيا كان الرئيس الأمريكى القادم.

ووجدت المجتمع الدولى أكثر هدوءا أو أقل توترا فى قراءة السياسات القادمة والتعامل مع كلينتون باعتبارها سياسية مخضرمة تقليدية، ترجح الحسابات والمواءمات الداخلية باستمرار، وبالتالى من السهل تصور هامش حركتها وردود أفعالها تجاه ظروف وأحداث مختلفة، وإن خشى البعض من أن المؤسسات الأمريكية التقليدية ستطوعها، ويشهد العالم المزيد من السياسات الأمريكية الفاشلة وقصيرة النظر غير المواكبة للتحديات أو المخاطر المعاصرة.

لا تقل الحيرة الدولية بالنسبة لدونالد ترامب، فهناك شعور عام بأنه شخصية متذبذبة نرجسية، غير مقدر لتشابك القضايا الدولية وصعوبتها، فرغم وضوح تصريحاته بالنسبة للتصدى للإرهاب الموجه لأمريكا، فتجاوزاته تجاه فئات كاملة، مثل المسلمين والمهاجرين من المكسيك، ونزعته الانعزالية، أثارت مخاوف واسعة على المستوى الدولى، بمن فى ذلك حلفاؤه من الدول الأوروبية، بعدما طالبهم بتحمل نفقات حماية أنفسهم إذا أرادوا الأمن والاستقرار من الحلف الأطلنطى، وعليه فبقدر ترحيب البعض بأنه سيحدث تغيرا دوليا، فهناك قلق من مغبة التغير غير المحسوب والمتهور، وهناك تساؤلات جادة من أطراف عدة، سواء من أصدقاء أو حتى أعداء الولايات المتحدة، حول سبل ملء الفراغ المتوقع أو انتهاز الفرصة لاستثماره لصالح الغير.

وقد استغل بعض قادة العالم فرصة حضور الاجتماع السنوى للجمعية العمومية للأمم المتحدة الفرصة للتعرف على المرشحين وعلى مستشاريهما، ومنهم الرئيس عبدالفتاح السيسى، ورغم عدم إلمامى بنتيجة هذه اللقاءات بشكل مباشر، فمن معرفتى بالمرشحين وشخصيتهما لا أستبعد أن يكون غالبية السياسيين قد خرجوا من لقاءاتهم مع ترامب وكلينتون أكثر فهما لتوقعات المرشحين، وإنما دون الاطمئنان أو الارتياح كلية للمواقف الأمريكية المتوقعة فى حالة فوز مرشح أو آخر، وذلك نظرا لميل ترامب للحديث بعبارات عامة وواسعة دون تفصيل أو تحديد، واتجاه كلينتون للدخول فى تفاصيل موضوعات فرعية وتفصيلية على حساب القضايا الرئيسية والمهمة، وهو ما حدث خلال لقائهما بالرئيس المصرى وانعكس على بيانات المرشحين بعده.

والخلاصة أن معظم العالم يرى أن الحالة الأمريكية الراهنة بين اللاتغير والتغير غير المحسوب أو المدروس.

على الرئيس الأمريكى الجديد التعامل مع مشاكل الشرق الأوسط بالغة التعقيد والحساسية، واهتزاز موقع الدول الكبرى وتباين مواقفها وطموحاتها، والمنافسة المتوقعة القادمة من الصين كطرف فاعل دوليا، فضلا عن قضايا دولية أخرى، مثل تغير المناخ والفقر والأمراض الوبائية والإرهاب والانتشار النووى والصراعات الإقليمية، وخلق نظام عالمى جديد مواكب لتنامى دور أطراف عديدة فى مختلف أنحاء العالم، بما فى ذلك إصلاح وتطوير العديد من المؤسسات الدولية الأساسية، مثل الأمم المتحدة، لمواكبة الوضع الدولى المعاصر، والمختلف تماما عما كان فى أعقاب الحرب العالمية الثانية.

ومن جهة أخرى، فالفرص المتوفرة للرئيس الأمريكى القادم، والتى يمكن الاستفادة منها متنوعة وواسعة المدى، لتحقيق مستقبل أفضل، بعد أن كسرت التكنولوجيا الكثير من الحواجز، وفتحت مجالات اقتصادية واسعة أمام عدد أكبر من الدول والشعوب، ويفترض أن يصاحب ذلك أيضا دور فعال وقوى للأطراف الدولية الرئيسية، ومنها بطبيعة الحال الولايات المتحدة، والتى تملك الاقتصاد والجيش الأقوى فى العالم.

والخلاصة هى أن الوضع الدولى مهتز وغامض، وأنه مهما بلغ مدى وتأثير القوى الكبرى أيا كانت، فما هو قادم ضبابى وليس واضحا، بما فى ذلك فى الولايات المتحدة، رغم اعتقادى أن كافة تلك القوى ستظل مؤثرة أكثر من غيرها على الساحة الدولية، فى تقديرى، لذا على المجتمع الدولى تبنى منظومة تعددية تتسم بالمزيد من الاعتماد الذاتى، وتهدف إلى تحقيق المزيد من التعاون متعدد الأطراف، سعيا لمواجهة الظلم وغياب العدالة الذى عانينا منه فى الماضى، بهدف إقامة نظام عالمى سياسى واقتصادى جديد، يتبنى الديمقراطية فى العلاقات الدولية، وليس فقط كمنهج للحكم الوطنى الرشيد.

واقتباسا لمقولة مصرية شهيرة ودارجة مع تطويرها جزئيا «المتغطى بالأجنبى عريان».

* وزير خارجية مصر السابق

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق هل يغامر الرئيس عباس بعلاقته بمصر؟
التالى رباط عنق أسود من فضلك