أخبار عاجلة
المطلق يكشف حقيقة فتوى الاحتفال بالمولد النبوي -
40 % انخفاضاً متوقعاً لإيجارات الشقق السكنية بجدة -
21 % من محافظ الأسهم المحلية تملكها سيدات أعمال -

حلّت ذكراه.. فأهملناها

حلّت ذكراه.. فأهملناها
حلّت ذكراه.. فأهملناها

مرض والده بالشلل سبع سنوات توفى بعدها فأصر على دراسة الطب ليعرف أسرار الأمراض وعلاجها، وفى السنة الثالثة بالطب مرض مرضاً شديداً حار فيه الأطباء فمكث فى المستشفى عامين فلم يجد شيئاً يهون عليه مرضه ووحدته سوى عشرات الكتب الأدبية والتاريخية التى التهمها التهاماً، ووقتها تكونت لديه شخصية المفكر المتأمل وولد بداخله الكاتب والأديب الذى يحلم ويفكر ويطالع.

فى الحالتين كان الألم هو الذى صقل أخلاقه وطهر نفسه وفجَّر الحس الدينى داخله فتحول إلى داعية صارت رؤيته فى أواخر حياته تذكره بالله وتحثه على الإيمان.

نشأ نشأة دينية فى بيت من بيوت العلم والتصوف والزهد، لكنه أبى أن يقلد أباه أو أن يكون نمطياً كغيره، كان يبحث عن المجهول ويحلم بأن يكون مخترعاً كبيراً أو عالماً مشهوراً مثل «كريستوفر وأديسون وماركونى وباستير».

دخل الجامعة فكانت أسوأ مراحل حياته كما قال عن نفسه، وجد معظم الطلبة شيوعيين، خاصة فى كلية الطب، كان العالم العربى والإسلامى وقتها مسرحاً كبيراً للمذاهب والفلسفات الشاذة والإلحادية والماركسية، عاش فترة شك طويلة فى شبابه قال عنها: «إنها لم تكن بسبب إنكار أو عناد أو كفر»، ولكنه بدأ قطار الفكر والدين من أوله عند الصفحة الأولى من مبدأ الفطرة دون موروثات.

أدار ظهره للماركسية والشيوعية ولكنه لم يتحول إلى نور الله وشريعته فى صمت وسهولة كغيره، فقد واجه الماركسية بشراسة، وصار تحوله زلزالاً مدوياً هز الأوساط الثقافية، هدم وهزم الماركسية والشيوعية بالفكر والرأى والحجة، قال: «إن أسوأ ما فى الماركسية أنها خلقت الإنسان الحاقد المخرب والرافض لكل شىء». كان يقول: «لا أعتقد أن الرجل يمكن أن يكون سوياً بدون امرأة يحبها ويتزوجها ويكون أسرة»، تزوج مرتين وفشل فيهما وانتهتا بالطلاق، بعد ذلك قرر أن يحيا وحيداً فى المركز الإسلامى الملحق بمسجده بالقاهرة.

أغرق وحدته فى العلم والعمل والكتابة أو إدارة الصرح الطبى الخيرى أو إعداد حلقاته التليفزيونية التى كانت ينتظرها الملايين، كانت طلته تحبب الخلق فى الخالق وتربط الأرض بالسماء بطريقة غير تقليدية وغير مباشرة، بلغة الفيلسوف الذى يربط الدنيا بالآخرة.

بعد طلاقه الأول طلب منه الرئيس السادات أن يكون وزيراً أو رئيساً لـمجلس إدارة دار المعارف ومجلة أكتوبر، لم يسل لعابه للسلطة كغيره، وأبى أن يقع فى فخ الوظائف، فقد زهد فى الدنيا ليبحث عن الله ويدل الناس عليه.

قال للسادات: «أنا لا أصلح، أنا فشلت فى إدارة زوجتى فهل أستطيع إدارة وزارة أو مؤسسة؟»، قهقه السادات: «يا درش ومين فينا اللى يقدر يدير مراته؟!»، ضحك صاحبنا مغلفاً اعتذاره بطريقة الأديب الظريف.

أراد أن تكون له بصمة خير ثابتة وصدقة جارية، ذهب لـ«محمد عبدالوهاب» ليشجعه على إنشاء مؤسسة تخدم الفقراء، عاجله عبدالوهاب: «نحن نخدم الناس بالفن الذى نقدمه لهم»، قال: «هذا قد أخذنا عليه أجراً، والله أعلم بمآله، نريد شيئاً خالصاً لله وحده لا شىء فيه لأنفسنا»، وجد صاحبنا فى محدثه ضناً بماله عن الأقربين فما بالك بسواهم، عزم دون تردد على تخصيص كل الأرض التى ورثها لمسجد محمود تخليداً لوالده، وأقام فوقه مركزا إسلاميا ومستشفى خيريا ضخما.

أحزنه قبل موته بسنوات ظهور التطرف الإسلامى، صرخ فيهم: «لا تعطوا العالم رخصة لإدانة الإسلام بما ليس فيه»، آه لو رأى داعش والقاعدة والحشد الشعبى والحوثيين والنصرة لمات كمداً، صرخ أخرى: «الإسلام محبة ورحمة ومكارم أخلاق، ومن لا توجد فيه هذه الخصال فليبحث عن راية أخرى يدعو الناس إليها».

ويصرخ فيهم أيضاً: «الدعوة ليست شقشقة لسان من شاب حدث لا يعرف عن دينه سوى آية يسعى بها ويلوى معانيها بهواه ليسوق الناس أمامه بالعصا كالدواب حيث يريد، الإسلام حضارة وحوار وإنقاذ ورحمة، والإنقاذ لا يأتى للناس رغم أنوفهم، الإسلام السياسى ليس انقلاباً ولا اغتصاباً للسلطة ولكنه صناعة رأى عام مستنير يكون بمثابة علامات طريق للحكام».

وفى آخر حياته قال: «كل ما كتبت هو فى نظرى مسودة ناقصة، إنى أتتلمذ كل يوم على يد كل من يقدم لى المشورة والنصيحة»، وكان يردد: «لقد اخترت بعد هذه الرحلة لا إله إلا الله رأياً وعقيدة، والإسلام ديناً، والعلم والإيمان منهجاً».

مضى فيلسوف الإسلام الصوفى د. مصطفى محمود، الذى حلت ذكراه هذه الأيام، دون أن يذكره أحد.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق مات كاسترو
التالى رباط عنق أسود من فضلك