أخبار عاجلة

سألوني شو صاير ببلد العيد؟

سألوني شو صاير ببلد العيد؟
سألوني شو صاير ببلد العيد؟

(1)

شاخت المدن.. فهل ننتظر موتها؟ أم ننتظر ميلادها من رمادها مثل عنقاء أسطورية تحترق لتبعث من جديد؟

(2)

تجولت في بيروت باحثا عن الأمل في نفوس الناس بعد أن صار للبنان رئيس.. لم يكن يعنيني الجنرال العجوز بشخصه، بل سد الفراغ الرئاسي، وإحساس الناس في لبنان وخارجها أن الدولة الغائبة وجدت طريقها للتوافق واستكمال مؤسساتها الرسمية المعلقة، لكن مخاوف الناس كانت الأعلى صوتا، حتى إن أحدهم قال لي معترضا على لغة الأمل التي كنت أحدثه بها: شو يعمل ها الأزعر قاتل جماعته؟.

(3)

أكثر ما أفزعني في كلام اللبناني الطيب. ليس تشاؤمه من الحاضر والمستقبل، وليس هجومه على ميشيل عون، وليس استهانته بدلالة انتخاب رئيس للبلاد بعد فراغ طويل، لكن أكثر ما أفزعني كلمة «جماعته»، فالكلمة ذات المدلول الطائفي الذي أحرق لبنان، لم تمت في الحرب الأهلية، ولم تقتلها صراعات الميليشيات والأزمات السياسية والاقتصادية التي تخنق لبنان طوال 40 عاما من المحن.

(4)

من عادتي أن أسأل كل شخص أتعامل معه عن اسمه.. في مصر وخارجها، فأنا ممن يعتقدون أن الاسم بوابة للمعرفة، وأتأمل كثيرا في الآية الكريمة: «وعلم آدم الأسماء كلها...»، وفي بيروت قالت لي الأسماء مالم يقله أصحابها صراحة.. أنبأتني بأن الاحتقان لايزال تحت الجلد، النيران حية تحت الرماد، هناك قناع من الخوف والإذعان لقسوة الحياة والسكوت عما يتفاعل داخل النفس والعقل، ومن بين المسكوت عنه هذا، تكشف ثنائية الأسماء والآراء عن وجود وحش نائم في غابة الأرز، رأسه هو «الطائفية العميقة» على غرار وحش «الدولة العميقة» في مصر، وجسده هو الأزمات التي تبدو واضحة تماما في شيخوخة بيروت.. عاصمة البهجة والتحرر التي تحولت إلى أشلاء مدينة.. شارع الحمرا صار مسخا كما قال لي ريمون سائق التاكسي الغاضب ضد البداوة العربية، المتباهي بمجد لبنان الضائع.. رشة الملح الصغيرة بسيطة التكلفة التي تعطي المذاق الطيب للطعام الوفير غالي التكلفة (حسب تعبير ريمون).

(5)

كنا نقصد مطعما مخصوصا في شارع الحمراء، بينما كنت مشغولا بالبحث عما آلت إليه سينما الحمرا ومسرح البيكاديللي، وحيوية الشارع التي سكنتني منذ صباي عبر الحكايات وصور المجلات اللبنانية في السبعينيات، وقبل أن يصيبني الاكتئاب تذكرت ما آل إليه شارع عماد الدين في مصر.. وما آلت إليه القاهرة كلها، ومدن عربية كثيرة: متاريس قبيحة وحواجز حديدية وكتل اسمنتية تسد فم الشوارع، بينما القمامة تتكفل بزكم الأنوف وتلويث الرئات وعقاب العيون، ناهيك عن الزحام الميكانيكي ومظاهر التغريب التي عصفت بما كان من هوية وطابع محلي لكل مدينة.. فلم تعد بيروت هي بيروت، لم تعمد خيمة العرب الأخيرة، فقد ضاقت بأهلها وبالسوريين النازحين، كما عبر عن ذلك باستهجان مكتوم معظم من قابلتهم.

(6)

تأملاتي في بيروت كانت أشبه بالنظر في بنورة مسحورة.. في مرآة تنعكس فيها أحوال المنطقة، وكنت أطمح لبادرة أمل في النفوس، لمركب فينيقي يبحر بي نحو بر النجاة، بعيدا عن أشباح الحروب الأهلية، وصحراء التيه الإقليمي، وعنف الميليشيات الذي يقطع طريق المستقبل، وأنين المعيشة المأزومة، لكنني لم أجد في البلد الصغير ما كنت أحلم بامتداده إلى بقية الوطن الكبير.. فلبنان لايزال تائها، خائفا، يعاني.. لايزال مقسما مسكونا برواسب الحرب والشكوك بدرجة يصعب على دولة هشة أن تقدم له حلولا عاجلة، حتى لو انتهت الأزمة السورية في غضون العام المقبل واستكمل لبنان مثلث مؤسسات الحكم، لأن مشكلة لبنان صارت في الزمن نفسه.. في تلك الشيخوخة التي أصابت بلدا لا يمكن أن يعيش إلا شابا فتيا مفعما بالحيوية والبهجة ورقص الدبكة.. فأين لبنان مما رأيته؟

(7)

أظن أن بلد الفينيق صار بعيدا عن نفسه، صار لبنان مثلنا يحتاج إلى معجزة العنقاء الأسطورية.. أن يولد من جديد.. يبعث من رماده، كما نحتاج نحن إلى أسطورة إيزيس لنولد من جديد.. من الأشلاء.

___________________________________

* العنوان استعادة لأغنية فيروز: سألوني شو صاير ببلد العيد.. مزروعة ع الداير نار وبواريد؟/ قلتلن بلدنا عم يخلق جديد.. لبنان الكرامة والشعب العنيد/ بحبك يا لبنان... يا وطني بحبك/ كيف ما كنت بحبك......

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك