آليف سكوت تكتب: أردوغان يدق المسمار الأخير فى نعش حرية الصحافة

آليف سكوت تكتب: أردوغان يدق المسمار الأخير فى نعش حرية الصحافة
آليف سكوت تكتب: أردوغان يدق المسمار الأخير فى نعش حرية الصحافة

«كل يوم يمثل تراجعاً جديداً فى تركيا».. هذه الملاحظة المؤسفة أكدها لى صديق فى إسطنبول، فى إشارة إلى الانتهاكات التى يواجهها الأتراك فيما يخص حقوق الإنسان، والحقوق المدنية، على مدى الأشهر الماضية، والتى تلت الانقلاب العسكرى الفاشل، فى يوليو الماضى، ولكن ما حدث يوم الاثنين الماضى كان مختلفاً.

فقد أُلقى القبض، صباح ذلك اليوم، على العديد من الصحفيين الذين يعملون لدى صحيفة «جمهورييت»، أحد أقدم الصحف التركية، وأكثرهم جرأة، وتمت عملية القبض عليهم فى منازلهم، ثم تم نقلهم إلى السجن بتهمة «دعم الإرهاب».

ولا ينبغى أن نتفاجأ من هذا الإجراء، فقد أغلقت حكومة الرئيس التركى رجب طيب أردوغان 185 وسيلة إعلام، واعتقلت أكثر من 100 صحفى، فى الأشهر القليلة الماضية، فى عملية قالت إنها «للتطهير السياسى»، وبما أن صحيفة «جمهورييت» ظلت توجه انتقادات شديدة للحكومة على مدى السنوات الماضية، فكانت مسألة أن تجد نفسها فى خط النار أمراً حتمياً.

ولكن خبر القبض على صحفيى «جمهورييت» كان له أثر عاطفى أكثر شدة من أى شىء قد حدث خلال عملية التآكل، التى لا هوادة فيها، لحرية الصحافة، منذ يوليو الماضى، أو حتى، يمكن القول، منذ احتجاجات حديقة جيزى، فى يونيو 2013، وذلك لأنه من الصعب شرح الأهمية الاجتماعية والمكانة التى تحظى بها هذه الصحيفة فى تركيا.

فقد نُشرت هذه الصحيفة لأول مرة فى عام 1924، تحت رعاية مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الدولة التركية الحديثة، ويعنى اسمها بالعربية «الجمهورية»، وظلت الصحيفة، لمدة قرن تقريباً، تمثل القيم العلمانية التأسيسية للجمهورية التركية، ويراها قراؤها، الذين يميلون لليسار، على أنها تعبر عن تركيا التى يؤمنون بأنها لم تعد موجودة فى ظل الحكومة ذات التوجه الدينى، والاستبدادية على نحو متزايد، لحزب العدالة والتنمية.

وطالما كان الظهور اليومى لـ«جمهورييت» فى أكشاك الجرائد أمراً مريحاً يطمئن الأتراك بوجود هؤلاء من هم على استعداد لطباعة العناوين المهمة بصوت عالٍ ضد الحكومة، ومن هم على استعداد أيضاً للتعامل مع كتاب الأعمدة الصريحين، الذين لا ينساقون وراء الصحف الحذرة والجبانة الأخرى، والتى تشكل الأغلبية فى تركيا.

ولكن من غير المرجح أن تبقى «جمهورييت» على قيد الحياة لفترة طويلة، وذلك لأسباب سياسية ومالية، فعلى مدى الأشهر الماضية لم تجرؤ أى شركة للإعلان فى صفحات «جمهورييت»، وذلك خوفاً من أن يسبب هذا الإعلان تدميراً للشركة، وظلت الصحيفة واقفة على قدميها فقط بفضل قرائها، وعندما أجريت مقابلة مع رئيس تحريرها السابق، كان دوندار، قبل 6 أشهر، قال إن «جمهورييت» باتت تشبه الصحيفة المدرسة التى تعتمد فقط على الروح العالية لمن يكتبونها، وكشف عن أنه، وفريق عمله، كانوا بالكاد يحصلون على أموالهم، وأكد لى بفخر: «هذه الصحيفة قديمة قدم الجمهورية التركية، وليس من السهل إغلاقها».

والآن بات السيد دوندار فى المنفى بعد أن تلقى حكماً بالسجن لمدة 5 سنوات لـ«إفشاء أسرار الدولة»، كما أنه تم الزج الآن برئيس التحرير الذى تعين بعده هو الآخر إلى السجن، وعلى الرغم من صفحتها الأولى يوم الثلاثاء الماضى، التى حملت عنواناً متحدياً «لن نستسلم»، فإن «جمهورييت» ستمضى فى طريق الصحف الأخرى، ووكالات الأنباء، التى تم التحقيق معها بتهمة «الإرهاب»، وباعتبارها واحدة من عدد قليل من الصحف التى انتقدت التحالف السياسى السابق بين أردوغان وفتح الله جولن، رجل الدين المتهم بتدبير محاولة انقلاب يوليو، فإنه من المثير للسخرية بشدة، ومن المضحك للغاية، أن يتم اتهام «جمهورييت» بالتعاون مع شبكة جولن وأنصاره.

وفى تركيا، تعد الصحافة المعارضة بمثابة تذكير غير مريح بأن تصرفات الرئيس المنتخب ديمقراطياً ليست بالضرورة أن تكون ديمقراطية، خصوصاً إذا رأى معظم الناخبين الأحداث وفقاً لما تراه الصحف، والقنوات الإخبارية، الناطقة بلسان الحكومة، وبالتأكيد يحظى أردوغان بشعبية كبيرة فى تركيا، فقد فاز حزبه بـ49% من الأصوات فى الانتخابات العامة، فى نوفمبر الماضى، ولكن السيادة الشعبية دون سيادة القانون تعد «طغياناً»، وتركيا اليوم، فى الواقع، ليس لديها سيادة للقانون.

وما إذا كان أردوغان يحظى بشعبية أم لا، فإن هيكل السلطة الآن فى مكان من شأنه أن يضمن قيادته البلاد لسنوات مقبلة، ولكن الغلق الوشيك لـ«جمهورييت» يظهر وكأنه عقوبة إعدام لصديق قديم، فالعديد من الأتراك فقدوا أى أمل، يوم الاثنين الماضى.

نقلاً عن صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية

ترجمة- فاطمة زيـدان

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق دي ميستورا: الأولوية في حلب باتت إجلاء المدنيين
التالى رباط عنق أسود من فضلك