أخبار عاجلة
مهرجان رياضي وفني بالقناطر الخيرية -

مصطفى نصر يجسّد ملحمة «يهود الإسكندرية»

مصطفى نصر يجسّد ملحمة «يهود الإسكندرية»
مصطفى نصر يجسّد ملحمة «يهود الإسكندرية»

مصطفى نصر كبير أدباء الثغر المثابرين، الذين حفروا أسماءهم بأصابع دامية فى سجل الإبداع المصرى المعاصر خارج بؤرة العاصمة، يتوج إنجازه بهذه الدرة الثمينة «يهود الإسكندرية» التى تدخل بجدارة فى ذاكرة الروائع، ملحمة من الطراز الأول تمتد لقرن ونيف من الزمان، لتدمغ حياة بقعة من الأرض، وتبعث حيوات صنف من البشر، عمروا المكان بنماذجهم وروائحهم، وشغلوا الزمان بمواقفهم وفجائعهم، ثم رحلوا مع أمواج التاريخ وتركوا خلفهم ندوباً لا تمحوها الأيام. يتوفر الكاتب بجهد صوفى نبيل على كشف جذورهم القريبة وتجسيد خلالهم الغريبة وتبرير شذوذهم الثقافى اللافت، فيقدم مثلاً عجيباً لما يسمى الآن بالهويات القاتلة، إذ تسعى للفناء وتنتعش بالصراع. يوظف الكاتب بدهائه المعهود المعارف التاريخية والخبرة الشعبية بأحشاء الإسكندرية فى سوق السمك وفى الأطراف البعيدة كى ينسج صورة بانورامية كبرى لصعود وسقوط البرجوازية، ونشأة حركة التصنيع على حافة المجتمع الزراعى، مبرزاً عشوائية الثراء المفاجئ فى مصر على يد الحكام المستبدين، ابتداءً من الخديو سعيد حتى الملك فؤاد وانتهاء بأنور السادات فى ضربات الحظ والصدفة العمياء، موجهة كلمة لفئة محدودة من اليهود. يستهل الكاتب روايته بمشهد مثير من الإسكندرية بعد منتصف القرن التاسع عشر عندما يأتى اثنان من كبار وجهاء اليهود لملاقاة ثالثهم فى القصر الخديو، حيث يعمل صرافاً مسؤولاً عن الأموال، يعرفون بالصدفة تفاقم مرض الوالى وتقيح جسده وفوح رائحته الكريهة وهو بحاجة لممرض محترف يتحمل أذاه ويداوى قروحه، يسعون كى يقوم بذلك «جون» الحلاق فى حارة اليهود بأنفه المدبب وعينيه الراقصتين من الحول وحاسة الشم المفقودة عنده، يستطيع جون، على بلاهته، أن يخفف عذاب الوالى ويريح آلامه بالمراهم والأعشاب حتى يستغرق فى النوم ويصحو ممتناً لمن خفف عنه. إحدى زوجات الوالى عزت مرضه إلى عدوى جنسية التقطها من عبثه مع عاهرات أوروبا، لكنه إذ يفيق يأمر «الكتخدا»: «أعط لجون أبعادية كبيرة فى منطقة جيدة الزراعة» قال الكتخدا: «أمرك يا مولاى»، هكذا تقرر مصير منطقة الطابية التى كانت منسية، «لم تعرف إلا حين جاء نابليون بأسطوله، فاشتركت طابيتها الصغيرة فى ضرب سفنه، ولا يعرف أحد كيف تذكرها مساعد الخديو واختارها لتكون هدية لجون» لكن اليهود فرحوا بها، وهاجروا من سوق السمك بالإسكندرية إليها على طريق رشيد، وقامت بينهم معارك وصراعات على كيفية استغلالها، هل تكون لصالح جميع يهود العالم كما يريد الطيبون منهم، أم لصالح كبار الأثرياء والمحتكرين وتجار الجنس والمرابين، قُتل جون بالسم على يد زوجته كى يخلو لها الميراث مع عشيقها الشاب، إذ كانت على كبرها مولعة بالصبية، لكن المفارقة اليهودية أن عشيرة جون من أنصاره وأعدائه قد حولت قبره إلى ضريح ومزار للطائفة كلها «يخرجون بالشموع ليلاً للاحتفاء به، ثم يندفعون فى رقص جماعى هستيرى على ضجيج الموسيقى الصاخبة، ثم سرعان ما يتحولون إلى بكاء ونحيب شديدين، ثم يبدأون فى تناول الطعام والشراب. فيتداخل فى ليلهم الرقص والغناء مع البكاء والنشيج مع الأكل والشرب المفرط». يرسم مصطفى نصر تفاصيل هذه الحالة اليهودية الخاصة فى لوحات جدارية عامرة بالنماذج البشرية الفادحة والعلاقات الإنسانية المريبة، يكشف عن معاملين حاسمين فى حياة الطائفة: أحدهما تجاور الفقر والمسغبة البائسة مع الثراء الفاحش بطرق غير مشروعة، بتجارة الأعراض والممنوعات مع الشح الشديد، أما المعامل الثانى فهو الفساد الغالب على العلاقات الزوجية وانتشار العجز والبغاء والأبناء غير الشرعيين، حتى لا تكاد تصح نسبة أحدهم إلى أبيه، مما يجعل لهم «كوداً» أخلاقياً مغايراً لبقية فئات المجتمع. لكن اختزال الرواية فى هذه المؤشرات الدلالية الكبرى إجحاف كبير بقيمها الفنية، فكل مشهد فيها قابل للتأمل واكتشاف تقنيات الوصف وثراء الحوار وحنكة الأقدار - كفيل بأن تتجلى فيه جماليات القص ومنطق التاريخ، ولا نتوقف لنتساءل عن مدى صحة الوقائع والأحداث، لأننا حيال تخيل بديع، يقترح الواقع وهو يجترحه، ويعيد تشكيل ملحمة الحياة بتكثيف فن جميل، وبلاغة سردية آسرة.

نماذج ومواقف:

تنتقل الرواية - بصنعة لطافة - إلى القرن العشرين دون أن نحس بتيار الزمن، وهى لا تقع فى غواية الجيتو اليهودى المغلق على نفسه، بل تسلط الضوء الكاشف عن الشخصيات الكبرى التى يتبعونها وهى تصنع الأحداث، كما حدث مع «جون» الذى اقترب من الوالى، وشخصية مظلوم فى هذا الجزء الثانى الذى كان تابعاً مخلصاً لحسن باشا بدوى، رئيس ديوان الملك فؤاد، ثم أجبره الإنجليز على التنحى، يقول «ليلة أن أبلغنى فؤاد بإبعادى عن كل الوظائف السياسية والحكومية بحثت عن مظلوم، سألت عنه فى بيته، كان يصلى فى المعبد، ضحكت عندما أخبرنى قادمه بذلك، قلت لمظلوم عندما قابلته: مالك وللمعابد؟ لم يعلق بشىء، أعرف أنه يهودى لكن أمور الدين لا تهمه» حسن باشا أخذ بنصيحة الحاخام اليهودى وطلب تعويضاً من الملك فؤاد عن سنوات خدمته، كان يشاركهم فى جلسات المحفل الماسونى، فأوحى لمظلوم أن يستغل منطقة الطابية أيضاً، فهى أرض واسعة، وبها عدد كبير من اليهود فى حاجة إلى مساعدة، ونجح حسن بدوى فى الحصول على موافقة الملك فؤاد على أن يمنحه أرضاً فى منطقة الطابية ليقيم عليها مشاريعه الصناعية، فأقام عليها مصانع للصلصة والورق والألبان، ها هو الموقف يتكرر بطريقة مغايرة تناسب العصر، القرب من السلطة يمنح الميزات العريضة التى يستغلها أبناء الطائفة بمهارة مدربة اقتصادياً، يتفانى مظلوم فى إدارة المصانع، يزور مع الباشا أكبر بيت فى الطابية، وهو بيت منير صانع البمب وألعاب الأطفال النارية، به أمه نظيرة العجوز التى بقيت من أهل المرحلة السابقة فهى ابنة ملاذ المنقوعة فى ذات المستنقع، نشهدها وهى تحاول علاج منير ابنها من عجزه الجنسى عند طبيب يهودى كان عشيقها القديم، فالصواريخ الصبيانية التى يصنعها أجهزت على جهازه العصبى وبقيت وصال زوجته الريانة الجسد بلا إشباع، كانت بدورها تبحث عمن يسد حاجتها، أعجبها مظلوم عندما زارهم بصحبة الباشا، التمست كل السبل للالتقاء به، عملت دون حاجة فى مصانعه حتى يأخذها إلى البيت وينجب منها جوهرة التى ستقوم بدور البطولة، لكن أبرز موقف نموذجى يعود لما حدث فى بيت منير الذى يتخذ من بدرومه مصنعاً للألعاب النارية، يأتيه شاب أسمر متنكر فى زى عتّال على سيارة نقل، يطلب منه صنع قنابل يدوية لاستخدامها خلال الحرب العالمية الثانية ضد الاحتلال الإنجليزى، يخاطر منير بصناعة القنابل تحت إغراء المال الوفير، بل يستضيف الشاب فى بيته أياماً وهو مختبئ من الإنجليز فيتعرف على أسرته وطفلته جواهر ويهديها ساعته العتيقة، لا يتحمل المصنع الصغير الذخيرة فينفجر بعنف شديد يودى بأهله وبيوت المنطقة، تنجو الفتاة جوهرة لأنها كانت تلعب مع رفاقها فى سراى الباشا، تدور الأيام وتقوم ثورة يوليو وتتعرف جوهرة على الرجل الأسمر الذى أقام عندهم طلباً للقنابل، لم يكن سوى أنور السادات، وعندما يتولى الحكم تكتب له عن زيارته ومقامه فى منزلهم، يأتى إليها فى لفتة سلطانية مثل حكايات ألف ليلة، يمنحها أموالاً طائلة تغدق منها على يهود المنطقة إثر زيارته لإسرائيل، تنتعش الطابية للمرة الثالثة بفضل نعمة السلطان، مواقف متشابهة، يتسبب نجل منير فى فنائه ونسف بيته وحيه، كما يتسبب البخل أيضاً فى آفة دعارة اليهوديات، تشرح إحداهن وهى نائلة زوجة مورجان كيف اضطرها زوجها لبيع جسدها عندما عجز عن إشباعها لأنه قرأ فى كتبه القديمة أن عليه أن يحمى جسده من مقاربة النساء، تحاشاها واقتسم معها عائد تجارتها الجسدية، لكن المؤلف لا ينسى أن يذكر فضائل الطائفة، يعدد كبار الفنانين والفنانات منها، من توجو مزراحى إلى راقية إبراهيم وكاميليا وسارينا ونجوى سالم وليلى مراد التى خذلت اليهود برفضها الهجرة وزواجها من أنور وجدى، تقدم الرواية نماذج إنسانية قوية من اليهود وغيرهم، تحكى قصة ولع جوهرة بكمال ابن الغنى الذى أدار مصانع الباشا وصاحب عايدة ابنته، نتذكر كمال وعايدة فى ثلاثية محفوظ، لكن مصيرهما يختلف هنا إذ يزوجهما مصطفى نصر ويحبط مؤامرات جوهرة ضدهما، بل يدفع بها فى طريق الاتجار فى المخدرات والعمل مع المافيا الإيطالية فى نهاية لا تشفى غليل القارئ بختام ملائم للملحمة اليهودية، وإن كانت تستجيب لتوقعاته فى سعى الطائفة لتدمير ذاتها والمجتمعات التى تحتضنها، لكن كثافة الأحداث وانهمار الإشارات وتعدد المستويات السردية تتطلب قراءات عديدة للإحاطة بكل ما تزخر به من إتقان وجمال وشعرية.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى نائب رئيس جامعة الزقازيق يشارك في الدورة الاستثنائية للجامعات العربية بعمان