أخبار عاجلة
ضبط 7 متهمين في حملة أمنية بشمال سيناء -

السيرة الذاتية لشباب الوطن .. «تعليقاً على مؤتمر الشباب»

السيرة الذاتية لشباب الوطن .. «تعليقاً على مؤتمر الشباب»
السيرة الذاتية لشباب الوطن .. «تعليقاً على مؤتمر الشباب»

ليس من أمانة القلم أن يختار الكاتب إما بين نقد كل ممارسات الأداء العام أو أن يستسلم لكتابة ما يرضى الدولة طمعا فى ذهبها أو خشية من سيفها. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت. وأن تقول خيرا يعنى أن تقول ما يظنه ضميرك حقا.

أتوقف اليوم عن الاستطراد فى سرد خواطر سيرتى الذاتية التى بدأتها منذ أسابيع. وأخصص هذا المقال للسيرة الذاتية للوطن، بالحديث عن مؤتمر الشباب الذى عقد مؤخرا فى شرم الشيخ وحضره السيد الرئيس والمسؤولون بالدولة.

أمر محمود أن تنصت الدولة لقطاع من الشباب فى الشأن العام لمدة ثلاثة أيام. وأمر محمود أيضا أن يعلن رئيس الدولة بنفسه مقررات المؤتمر وأهمها: تشكيل لجنة من الشباب لمراجعة نصوص قانون التظاهر، وتشكيل لجنة لمراجعة موقف الشباب المحبوسين الذين لم تصدر ضدهم أحكام نهائية، والإعداد لعقد مؤتمر قومى للتعليم، والتوجيه بالانتهاء من التشريعات الإعلامية، ودراسة تشكيل مركز وطنى لتأهيل الكوادر الشبابية، وعقد مؤتمر لتطوير الخطاب الدينى، ودعوة شباب الأحزاب السياسية لوضع برنامج للإسهام فى العمل التطوعى.

وأرجو ن يتسع الصدر لبعض الملاحظات على هذه القرارات وأخرى عن المؤتمر ذاته.

قانون التظاهر هو الآن بين يدى المحكمة الدستورية العليا فى الطعن الذى تنظره. تستطيع الحكومة أن تتقدم إلى البرلمان بمشروع تعديل بعض المواد لتلافى العوار الدستورى قبل صدور الحكم، كما كانت تفعل أيام مبارك. المواد التى أشار إليها قرار مجلس الدولة بجدية الدفع بعدم الدستورية، وتقرير مفوضى الدستورية معروفة، لأنها تصادر حق التظاهر بدلا من أن تنظمه، ولأنها تخالف ضوابط التجريم التى قررتها المحكمة الدستورية. والأمر لا يحتاج إلا أن يقوم المستشارون القانونيون بالحكومة بمهمتهم الفنية خير قيام دون تدخلات أمنية.

وعن موقف المحبوسين الذين لم تصدر ضدهم أحكام نهائية ففيه تفصيل. بل إنه حتى من صدرت ضدهم أحكام نهائية يملك الرئيس سلطة العفو عنهم.

مشكلة المتهمين والمحكوم عليهم من الشباب ليست مشكلة مراجعة أسماء والإفراج عن البعض دون البعض، بل هى مشكلة منظومة العدالة الجنائية بقوانينها ومؤسساتها. ليس مطلوبا مراجعة الأسماء بل مراجعة المنظومة.

أولا: سلطة الإفراج عن المحبوسين احتياطيا سلطة حصرية للنيابة العامة والقضاء. رئيس الجمهورية ممنوع وفقا للمادة ١٨٤ من الدستور من التدخل فى عمل القضاء. مشكلة من تمتلئ بهم السجون من شباب المعارضين هى أن نظاما للعدالة الجنائية عندنا به مخالفات دستورية وانتهاكات لاتفاقات وقعّنا عليها. قانون العقوبات وما يوجد به من نصوص فضفاضة غير منضبطة يسمح بالتنكيل بالمعارضين فى كل عصر وأوان، ويخالف الدستور فى كثير من مواده. قانونا الإرهاب والكيانات الإرهابية توسعا فى تعريف الجريمة الإرهابية، فأدخلا فيها ما ليس إرهابا من صور المعارضة السلمية.

فى المرحلة الانتقالية صدرت عن رئيس الجمهورية مجموعة من التعديلات لقانون الإجراءات الجنائية، جعلت من الحبس الاحتياطى «وهو فى الأصل إجراء موقوت للحفاظ على أدلة الاتهام وعدم هروب المتهم»، جعلت منه قيدا طويل الأمد على الحريات. تحول الحبس الاحتياطى إلى بديل عن الاعتقال فى ظل قانون الطوارئ. وأطلق يد أجهزة الضبط فى الزج بالمعارضين إلى السجون. عندما طلب الدكتور أسامة حرب من الرئيس الإفراج عن الشبان المحبوسين طلب الرئيس أن تقدم له كشوف بالأسماء على أن يتم الإفراج وفقا للقانون. كشوف الأسماء عند الأجهزة. والقانون فى يد البرلمان الحريص على رضاء الأجهزة. نحن نشكو من القانون ذاته ونطالب بتعديله ليتوافق مع الدستور والمعايير الدولية. هناك ضوابط لصيانة الحريات أقرتها أحكام النقض والدستورية يجرى تجاهلها. تحريات الشرطة لا تصلح وحدها دليلا للإدانة والحبس. ونصوص التجريم لا بد أن تكون نصوصا منضبطة لا تسمح بالتوسع فيها. وأماكن الاحتجاز يجب أن يحددها القانون وتخضع للرقابة القضائية، وأن تتوافر بها المعايير الدولية. ولن نتحدث عن التعذيب والاختفاء القسرى والقبض خارج نطاق القانون، فيكفيكم الرجوع إلى تقارير المجلس القومى لحقوق الإنسان وهو مؤسسة حكومية. ومن عجب أن يغيب عن لجنة الحريات أى سرد لمضمون تقرير المجلس القومى لحقوق الإنسان عن أوضاع الحقوق والحريات، بل يجرى الحديث مرسلا من جهابذة الأحاديث المرسلة وتنميق العبارات والاستشهاد بدعاء الساجدين.

نريد نظاما جنائيا عادلا يتوافق مع تراثنا القضائى الليبرالى. نريد العودة بالتحقيق الابتدائى ليكون فى يد قاضى التحقيق وتقتصر سلطة النيابة على الاتهام. ونريد مراجعة لقوانين الحبس الاحتياطى لتعود إلى سيرتها الأولى من حيث المبررات والضوابط باعتباره قيدا استثنائيا على الحرية. نكرر أنه ليس المطلوب مراجعة الأسماء بل تصحيح المنظومة الظالمة لتصبح أكثر عدلا.

يحمد للرئيس توجيهه بإصدار القوانين الإعلامية. من الغريب أن تناقش مسألة الإعلام فى غيبة ممثلى النقابة ولجنة وضع مشروع القانون الموجود الآن فى مجلس الدولة للمراجعة. لكن الثعالب التشريعية الرابضة فى جحور المصالح الخاصة تتربص به. النصوص الدستورية بحظر العقوبات السالبة للحرية فى قضايا التعبير لم يتم تفعيلها.

وعن التعليم: هناك ركام هائل من الدراسات لتطويره. لا حاجة لمؤتمرات جديدة، فالجميع يعرف المشاكل والحلول. يقولون إن التمويل هو العقبة. افرضوا ضريبة على الأغنياء لتعليم الفقراء. طلابنا يعانون من التمييز فى التعليم وفى فرص العمل. هل تجرؤ الحكومة على صياغة مشروع قانون فعال لمكافحة التمييز تتقدم به للبرلمان؟

نحتاج إلى مراجعة توزيع الإنفاق العام وتحديد الأولويات. قال رئيس الوزراء إن المشروعات القومية لا تمول من ميزانية الدولة. ويقول الرئيس إن تسليح الجيش يجرى من موارده وليس من ميزانية الدولة. الأمر الذى يحيرنا: ما هو مفهوم الدولة؟ هل لدينا دولتان إحداهما شديدة الوفرة فى الموارد والأخرى تعانى من العوز؟. دستور ٢٣ أفرد للجيش مادتين «١٤٦ / ١٤٧» عن خضوعه للقانون العام بالبلاد.

يتساءل القارئ: لماذا لا أتوجه بخطابى هذا عن قانون التظاهر أو عن قوانين الحبس الاحتياطى أو عن المشروعات القومية وميزانيتها وأولوية توزيع النفقات العامة للبرلمان؟

بوضوح شديد: لا أحد يصدق أن لدينا برلمانا يقوم بوظائفه التشريعية والرقابية على وجه الاستقلال. رئيس البرلمان يعتبر أحيانا معارضة النواب لمشروعات الحكومة أمرا مشينا. رئيس البرلمان انتزع موافقة أعضائه على مئات القرارات الرئاسية فى ساعات دون مناقشة بالمخالفة للدستور واللائحة. برلماننا أتى به قانون رئاسى قصد أن يكون برلمانا طائعا. ليس أمامنا إلا الرئيس لنخاطبه باعتباره رأس السلطة فى مصر الذى أتت به الثورة.

ستعقد مؤتمرات لاحقة للشباب. وسندرس تشكيل هيكل لتدريب كوادر الشباب. الدولة تتعامل مع الشباب كشريحة منفصلة ومتجانسة. لدينا تنويعات للشباب: شباب الأثرياء ذوو التعليم الأجنبى الذين حضروا إلى شرم الشيخ، وشباب الريف، وشباب الحضر، وشباب العشوائيات وشباب العاطلين، «٩٠٪ من العاطلين أقل من ٣٠ سنة وفقا لتقرير التنمية البشرية». هل استمع مؤتمر شرم الشيخ إلى كل هذه الفئات؟ الشباب عندنا يبدأ من سن ١٨ سنة «سن التجنيد» حتى سن ٣٥ وفقا للدستور. هؤلاء يشكلون أكثر من ثلث سكان مصر. نسبة الأمية بينهم تصل إلى أكثر من الربع. نسبة مساهمتهم فى قوة العمل لا تتعدى ٤٧ فى المائة. نسبة مشاركتهم فى الأحزاب السياسية لا تتعدى ٢.٥٪، أما العاجزون عن تكوين الأسرة والزواج والسكن فقد تحدثت عنهم تقارير التنمية البشرية المتتالية التى شاركت فى وضعها الحكومة وخبراؤها وهى أرقام مفزعة.

كنا نتمنى أن يتلو علينا السيد وزير الشباب فى بداية المؤتمر تقريرا علميا صادقا عن أوضاع الشباب، مؤيدا بالأرقام ثم يجرى حوله النقاش. هذا لم يحدث.

نتساءل بجدية: هل الذين اجتمعوا فى شرم الشيخ يمثلون شباب مصر بريفها وحضرها وعاطليها وسكان عشوائياتها وطلابها وصناعها وفلاحيها؟ وهل التوصيات على أهميتها تمثل الهموم الوحيدة لشباب مصر؟

كل حديثنا السابق حديث فى السياسة. ومؤسسات الدولة تعاف السياسة. مهمة الأحزاب كما صاغها المؤتمر مجرد حث الشباب على العمل التطوعى. اختلطت عندنا وظيفة الأحزاب بوظيفة الجمعيات الأهلية. يجب ألا تجرؤ الأحزاب على التفكير فى الوصول للسلطة لتنفيذ برامجها. السلطة لها أهلها الذين قد يستمعون للآخرين أو لا يستمعون ويقررون.

ومع كل ذلك فيحمد للدولة أن أبدت استعدادها للاستماع. ونأمل أن تستمع وتتدبر وأن تأخذ الأمر فى المستقبل بجدية أكبر فالوطن فى خطر.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق «زي النهارده».. وفاة الكاتب المسرحي ألفريد فرج 4 ديسمبر 2005
التالى «زي النهارده».. وفاة الشاعر والعالم عمر الخيام 4 ديسمبر 1123