أخبار عاجلة
الأرصاد: طقس اليوم معتدل والعظمى بالقاهرة 21 -
«الكهرباء» تُطالب المواطنين بترشيد الاستهلاك -

انقلاب فى الغرب

انقلاب فى الغرب
انقلاب فى الغرب

يوم الثلاثاء القادم، سيُستَفْتَى الشعب الأمريكى على الأطروحة الأساسية لحملة المرشح الجمهورى دونالد ترامب: «إن هناك عملية سطو مُمَنهَجة تقوم بها النخب المسيطرة على البلاد، وإن (ترامب) يجسد الفرصة الأخيرة لعكس المسار الكارثى قبل أن تكتمل الجريمة».

منذ صعود نجم «ترامب» والنخب- السياسية والاقتصادية والإعلامية والأكاديمية- الغربية محتارة فيما تعنى ظاهرة هذا الرجل، بما تتضمنه من تصريحات غريبة وتصرفات بهلوانية.. من أول فكرة بناء حائط عازل لمنع المكسيكيين من التسلل (وبتمويل مكسيكى!)، مرورا بعزمه منع المسلمين بتاتا من دخول بلاده، وإلى الكلام عن حروب اقتصادية مع دول مثل الصين.

النخب الغربية لا تفهم ما يُحرك مؤيدى «ترامب»، أو حتى طريقة تصورهم للعالم. ولذلك ربما يريد هؤلاء الإطاحة به، واستهانتهم بقوته الديماجوجية الدافعة قد تساعد على ذلك.. فمنذ بداية ترشحه توالت المقالات المنشورة فى الصحف المرموقة تحت عناوين مثل «ترامب مجرد ظاهرة عابرة»، ثم قيل إنه يعكس فقط فشل الحزب الجمهورى، ولا يمكن أن يصمد تحت أضواء مرحلة التحضير للانتخابات العامة، لكنه استمر رغم الفضائح المتكررة.. استمر حتى بعد الاتهامات بالتحرش الجنسى والتهرب الضريبى، وحتى بعد أن تخلت عنه علنيا شخصيات مهمة فى الحزب الجمهورى نفسه.

ثم تقدمت هيلارى كلينتون فى معظم استطلاعات الرأى بمعدل خمس إلى عشر نقاط، فاعتقدت النخب أن توقعاتها قد تبلورت أخيرا، وتنفست الصعداء، رغم استغرابها واستنكارها الحقيقة التى تعكسها هذه النتائج.. فهذه مازالت تشير إلى أن ما يقرب من نصف الأمريكيين على استعداد لتسليم مقاليد الحكم لشخصية يبدو من البديهى أنها غير مُتَّزِنة.

أما الآن فتشير استطلاعات الرأى إلى تقارب النتائج، وبعضها يرجح «ترامب».. لا يعنى ذلك أن الصدمة آتية لا محالة، فالنتيجة الكلية للاقتراع لا تعكس بالضرورة نتائج الانتخابات، وذلك نظرا لنظام النقاط المُتَّبَع، الذى يحدد عدد نقاط معينا لكل ولاية، يكسبها المرشح إذا فاز بالولاية المعنية، بصرف النظر عن نسبة الفوز فيها. ويبدو من الاستطلاعات أنه مازال من المرجح أن تفوز «كلينتون» بمعظم الولايات المهمة المتنازَع عليها.. لكن النتائج تتقارب، بل تتوقع بعض الاستطلاعات الآن احتمالية فوز «ترامب» بولايات مهمة مثل فلوريدا وأيوا.

هكذا قد تُصدم النخب.. فتقارب نتائج الاستطلاعات فى حد ذاته يمكن أن يشير إلى احتمال لا يمكن الاستهانة به بفوز «البهلوان الشعبوى» برئاسة القوة العظمى، فهذا النوع من التقارب المفاجئ فى المراحل الأخيرة قد تمت ملاحظته فى السابق فى سياق نتائج اقتراعات لم تأتِ على ما تشتهى النخب.. مثل استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى لاحقا.. وهناك أمثلة كثيرة تشير إلى أن استطلاعات الرأى تقلل من فرص المرشح المثير للجدل. نتذكر مثلا فى مصر انتخابات 2012، حيث لم تتوقع استطلاعات الرأى صعود مرشح الإخوان، الذى كان يسخر منه الكثيرون، ويسمونه «الاستبن».

ويبدو أن السبب الأساسى وراء هذه الظاهرة هو أن البعض لا يريد أن يبوح لمَن يسأله على الهاتف عن اختياراته الحقيقية، خاصة إذا كان الاختيار مثيرا للجدل.. فى حالة الاستفتاء البريطانى مثلا، كانت استطلاعات الرأى على الإنترنت أقرب إلى النتيجة الحقيقية، رغم أنها لم تكن «علمية»، بمعنى أنها لم تتضمن بالضرورة «عينة عشوائية» تمثل جميع فئات المجتمع، كما هو مفترض أن يكون الحال فى حالة الاستطلاعات التى يشرف عليها الخبراء، والتى عادة ما تُجرى هاتفيا (أو فى مصر حتى شخصيا).. بلغة علم الإحصاء، يُقال إن «الخطأ المنهجى» الناتج عن عدم صدق ردود الهاتف، بالمقارنة بسرية التسجيل عبر الإنترنت، يُعتبر أكبر من الخطأ الناتج عن عدم الحرص على اختيار العينة بدقة.

إذا صحت هذه التوقعات وتقاربت نتيجة الانتخابات، فذلك فى حد ذاته قد يشير إلى أن قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكى قد فقدت الثقة فعلا فى النخب المسيطرة.. فى كل الأحوال من المرجح أن تكون لتجربة هذه الانتخابات آثار مهمة على المدى الطويل، بصرف النظر عن النتيجة: لأن وصول «ترامب» لهذا القرب من مقاليد السلطة فى القوة الكبرى فى العالم- رافعا شعارات غضب واحتقان ووعودا لاعقلانية بقلب ما هو قائم- يشير إلى أن الغرب الصناعى يمر بمرحلة تقلبات جذرية لم يشهدها منذ الحرب العالمية، والتى ستنعكس على المجال السياسى بصرف النظر عن نتيجة الانتخابات هذه المرة، خاصة أن الظاهرة ليست مقصورة على الولايات المتحدة.

وفى هذه الحالة، ستنعكس بالضرورة تطلعات الجموع المؤيدة لأمثال «ترامب» فى الغرب على السياسات الخارجية للدول، بما فى ذلك تعاملها مع منطقتنا. ولأن هؤلاء يفضلون عزل منطقتنا وسكانها عن عالمهم بالكامل، فقد ينشأ فى هذا الإطار تحالف ضمنى بين هؤلاء وبين مَن يرحب بهذه العزلة فى مجتمعنا، لأن نهجه المُغَيَّب عن العالم المعاصر يزدهر فى ظل هذه الظروف.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك