أخبار عاجلة

حكومة الهواة

حكومة الهواة
حكومة الهواة

مهما كانت مرارة الدواء فهو ضرورى لمعالجة الأمراض بكافة أنواعها، ولكى يصبح فعالا ومؤثرا فلا بد من أخذه بنظام وفى أوقات محددة ومدروسة وبجرعات مناسبة، وبناء على روشيتات يكتبها أطباء متخصصون فى علاج كل مرض على حدة، بحيث لا يتصدى طبيب المخ والأعصاب لعلاج الأمراض التناسلية والعقم، ولا يستطيع متخصص فى مشكلات الأنف والأذن والحنجرة معالجة أمراض السمنة، لأنه كما يقول المثل الشعبى: «إدى العيش لخبازه ولو ياكل نصفه»، وإذا اعتبرنا ما تتعرض له مصر من جلطات فى شرايينها الاقتصادية بمثابة أمراض ينبغى الاستشفاء منها فى أسرع وقت، وإذا اعتبرنا أن الإجراءات القاسية التى تنوى الحكومة اتخاذها على سبيل الإصلاح الاقتصادى كالدواء المر الذى لا بد للمصريين أن يشربوه إنقاذا لأنفسهم، فلا يعنى هذا أن يُعطى الدواء بلا حساب ودون استشارة أساتذة وخبراء فى مجال الاقتصاد وإلا تحول هذا الدواء من مادة تعالج وتشفى إلى مادة تقتل بالسم.

وأظن أن المؤشرات تؤكد على أن الأمراض الاقتصادية المستعصية لم تجد من يستطيع تحديد أسبابها وكيفية تغلغلها فى نسيج المجتمع المصرى، وأن الأدوية المخصصة لها كانت أشبه بتلك التى كان يُقَطر بها حلاق القرية فى عين دكتور طه حسين عندما كان طفلا وتسببت فى عماه، وإلا بماذا نفسر تدهور الأحوال المعيشية للناس وتنامى سخطهم وتذمرهم من السياسات الفاشلة لهذه الحكومة؟، بماذا نفسر فقدان السيطرة على السوق وتنافس المحتكرين على تعطيشها من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب؟.

من المؤكد إذن أن من يديرون الأمور يتعاملون معها باعتبارهم هواة يحبون اللعب بغض النظر عن الوعى بقوانين اللعبة، ويستمتعون بالحلم مهما كان طول مداه الزمنى ويخشون الاتساق بالواقع والتكيف مع ظروفه، رغم أنه لا مكان للهواة فى هذه المرحلة الخطيرة، لا مكان لمن يفكرون بعقلية نظام مبارك وبعشوائية جماعة الإخوان، وعلى إيقاع «طَبِلى طبل» الذى يؤديه الآن ببراعة، إعلام السبوبة برعاية رجاله الآكلين على كل الموائد، لا مكان لمن يتصورون أن إجراءات الإصلاح وخططه لا يجب أن يدفع فاتورتها إلا الفقراء والمعدمون، ونسوا أنه لم يوضع إلى الآن حد أقصى للأجور وهناك من موظفى الدولة من يتقاضون ملايين الجنيهات كرواتب شهرية، ونسوا أن الضرائب التصاعدية لم تُطبق بعد على أصحاب الأرباح المرتفعة علما بأنها أهم مورد فى موازنات الدول المحترمة، ونسوا أن هناك مستشارين فى الجهاز الإدارى للدولة يجسدون النموذج المثالى للبطالة المقنعة، فلا يذهبون إلى مكاتبهم الحكومية سوى يوم أو يومين على الأكثر أسبوعيا بينما يحصلون- على سبيل المجاملات- على ما يجاوز مليارى جنيه سنويا، ونسوا أن هناك مؤتمرات دعائية يُنفق عليها ببذخ دون أن يكون هناك أى ضرورة لها اللهم إلا تلميع هذا المسؤول أو ذاك على طريقة «صَوَّر يا جدع»، ونسوا أن هناك موارد طبيعية وبشرية مهدرة بلا حساب، وتشريعات واجبة الصدور من أجل إنقاذ ثروة مصر العمرانية، ونسوا أن هناك ما يربو على 60% من اقتصاد السوق يدار من تحت السلم بعيدا عن الضرائب والرسوم المستحقة على مزاولة الأنشطة الاقتصادية المختلفة، وتذكروا فقط أن الإصلاح الاقتصادى لا يأتى إلا بتعويم الجنيه ورفع الدعم عن الغلابة، لا يأتى إلا برفع أسعار فواتير المياه والكهرباء والتليفونات والغاز وغيرها من الخدمات العامة التى يستحيل الاستغناء عنها، لا يأتى إلا بفرض المزيد من الضرائب التى أوشك بسببها أن يكره المواطن نفسه وحياته.

إن الفرق بين الطبيب المحترف الناجح ومن كان هاويا لمهنة الطب ويريد أن يطلق الناس عليه فقط لقب دكتور، هو أن الأول اجتهد وبحث وظل يتابع كل جديد فى مهنة الطب حتى اشتهر بالتميز والبراعة وحفر لاسمه مكانة مرموقة فى عقول ووجدان الناس، أما الثانى فغير ملزم بشىء وربما يحصل على الشهادة من كلية الطب، لكنه يظل أبدا سجين ذاته غير الطموحة، تماما مثل حكومة تدير البلاد بشكل علمى وحكومة تديرها بالبركة وبمنطق رد الفعل.

كالحكومة المصرية التى لم تستطع إلى هذه اللحظة تشخيص الداء، وتحديد الدواء اللازم لإخراج مصر من ظلمة الفقر والتخلف إلى نور النهضة والتطور.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك