أخبار عاجلة
«سى. آى. إيه»: روسيا ساعدت «ترامب» -

عفواً.. كلكم البرادعى

عفواً.. كلكم البرادعى
عفواً.. كلكم البرادعى

ذات يوم توجهتُ بسؤال إلى أحد قادة 25 يناير، هذا نصّه: لماذا تعارضون نظام الحكم الحالى بهذه الحدَّة، على الرغم من أنكم كنتم داعمين أساسيين لأحداث 30 يونيو، بل إنكم ساهمتم بقوة فى إسقاط النظام منذ ما قبل ذلك التاريخ، من خلال تشكيل جبهة الإنقاذ، ودعم التوترات الحاصلة فى المجتمع آنذاك، والتى كان لها الأثر الكبير فى سرعة السقوط، وقبول معظم الشعب بذلك؟ الإجابة كانت سريعة ومباشرة، ودون لف ودوران فى كلمات ثلاث: إحنا انضَحَك علينا.

أعتقد أن الدكتور محمد البرادعى، فى بيانه الأخير، أراد أن يؤكد تلك الإجابة، إلا أنه لم يستطع أن يكون أكثر شجاعة، فيجيب كما أجاب سابقه بهذه الإجابة المباشرة، أراد أن يغتسل ويتطهر أولاً من أوثان كثيرة، ومن دماء غزيرة، ومن أرجاس لا حصر لها، عَلَقَت به كغيره من أقرانه المنتشرين على الساحة الآن، الفارق بينه وبينهم هو أنه كان يعتقد أن نتاج 30 يونيو يمكن أن يكون تنصيبه رئيساً لمصر، أو على الأقل ضمن مجلس رئاسى، وهو الأمر الذى كان مطروحاً بقوة يومى 1 و2 يوليو، إلى أن تم حسمه- صباح اليوم الثالث- برئيس واحد، الفارق الآخر هو أن الدكتور البرادعى لديه أوطان أخرى، وليس وطنا واحدا، لذا كان من السهل عليه مغادرة البلاد، فقد اعتاد ذلك معظم حياته.

إلا أن أشباه البرادعى المشار إليهم استكان بعضهم لعملية جلد الذات هذه، أو الإحساس بالندم طوال الوقت، وهناك مَن استمر فى المعارضة على طريقة البرادعى، وهناك مَن حصل على المقابل، ما بين البرلمان والوزارات المختلفة، وهناك مَن لايزال يسعى إلى أى شىء، تفرقوا تماماً، كما دماء ضحاياهم، لذا فإن اغتسال البرادعى- حتى لو كان فى المحيط الأطلنطى، كأقرب المحيطات إليه- لن يُطهره أبداً، وهو ما لا يريد أن يفهمه، ربما لأنه يرى، وهو فى الخارج، أقرانه فى الداخل يعيشون حياة طبيعية، دون أدنى عذاب ضمير، هم فقط يعترفون، إلا أنهم للأسف لا يخجلون، وربما كانت هذه هى الميزة النسبية للبرادعى مقارنة بهم.

من الغريب إذن أن نجد رد الفعل على بيان البرادعى بهذا الحجم الكبير، وهذا الاهتمام الشعبى واسع النطاق، وتكذيبا من هنا، وتصديقا من هناك، ودفاعا من هنا، وهجوما من هناك، وكأننا أمام آية الله الخومينى، حين الإعداد من باريس للثورة الإيرانية، على الرغم من أن الرجل، كغيره من برادعاوية وجبهة إنقاذ الداخل، انتهى إلى الأبد، فلا يمكن بأى حال، ولا أى منطق، عودة الروح لمَن باركوا إزهاق الروح، أو حتى التزموا الصمت، كما لا يمكن للاغتسال والتطهّر الإعفاء من العقاب فيما يتعلق بحقوق العباد، وهو الأمر الذى يبدو أنه يغيب عن هؤلاء وأولئك فى غمرة الأحداث المتلاحقة.

القتلى أو الوفيات أو الشهداء، أو أياً كانوا، منذ 25 يناير 2011 حتى كتابة هذه السطور، هم فى رقبة كل هؤلاء الذين نصّبوا من أنفسهم يوماً ما أوصياء على المجتمع، فى رقبة كل مَن حصل على سنت من الخارج، تمويلا أو دعما، فى رقبة كل مَن ساهم بالقول أو بالفعل فى هذه الأحداث أو تلك، فى رقبة كل مَن أباح أو أجاز أو صمت عن هذا الحدث أو ذاك، فى رقبة البرادعى وأعوانه، وأمثاله، وأشباهه، من الذين ضمتهم ملفات أهم قضية تمويل أجنبى فى مصر، تنتظر إشارة انطلاق فقط لبدء نظرها، إلا أن حاجة فى نفس يعقوب هى التى تعرقل ذلك، لأسباب غير مفهومة.

أعتقد أن الدكتور البرادعى حينما يتصور أنه يجب أن يتحدث، استغلالاً لهذا التاريخ أو ذاك الحدث، فهو مخطئ، كما أن هؤلاء الذين ينعتونه بالكذب ليسوا أفضل منه بأى حال، بل هو أفضل منهم من كل الوجوه، ذلك أنه يسعى للاعتراف بالذنب، بينما هم منغمسون فيه، كما أن حوارييه الذين يدافعون عنه ليسوا فى موقف يسمح لهم بذلك، حتى مَن يلتزمون الصمت أصبحوا يشاركون سلباً فى المأساة، لذا أرى أن الجميع بمثابة صورة مُصَغَّرة أو مُكَبَّرة من البرادعى، لا فرق، كل ما هنالك أن درجات الانتهازية والإساءة للوطن متفاوتة، كما درجات صحوة الضمير تماماً.

ولأن أكثر من ثلاثة أعوام مرت على الأحداث التى يريد الدكتور البرادعى التبرؤ منها، ولأنه يعيش فى الخارج، ومن الممكن أن ينسى أو يتناسى ما حدث، ولأنه يعلم أنه سوف يفتح على نفسه النار، إما بشكل طبيعى تلقائى، وإما بتوجيهات رسمية، فإن محاولته الاغتسال والتطهّر والتنصل من تلك الأحداث تؤكد أنها لا تسقط أبداً بالتقادم، تؤكد أنها سوف تظل عالقة فى مخطوطات الحياة الدنيا، كما الآخرة تماماً، لذا كان من الأَوْلَى والأجدى أن يتضمن أى بيان يصدر عن أى صاحب ضمير اعترافاً بمسؤوليته المباشرة وغير المباشرة عن كل ما يؤرق ضميره، فى هذه الحالة فقط يمكن أن يتقبلها الشعب باحترام وتقدير، أما أن نظل نستغل الأحداث فقط للقفز من جديد على مزيد من أرواح الأبرياء، فإنه بالتأكيد العودة إلى الصمت سوف تكون أكثر قبولاً، إلى أن يقضى الله أمراً كان مفعولاً، إما بعقاب الدنيا، أو جزاء الآخرة، أو هما معاً.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق وزير الداخلية التركي: 20 مصابًا على الأقل في انفجارات اسطنبول
التالى رباط عنق أسود من فضلك