أخبار عاجلة
مقتل رجل طعنًا في حرم جامعة جنوب كاليفورنيا -
«زي النهارده».. وفاة البيروني ٣ ديسمبر ١٠٤٨م -

جمود الليبرالية المصرية

جمود الليبرالية المصرية
جمود الليبرالية المصرية

تفاوتت طوال تاريخنا الوطنى تفسيرات مدارس الفكر والعمل المختلفة للأسباب الحقيقية لأزماتنا الكبرى ومظاهر تخلفنا عن كثير من أمم العالم وشعوبه. ومن بين أكثر هذه المدارس بروزاً على ساحة الحوار العام خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وبالتحديد منذ العقد الأول لحكم الرئيس المخلوع حسنى مبارك، تلك التى يطلق عليها أصحابها أنها ليبرالية. وقد راح ممثلوها يروجون بكل ما لديهم من طاقة وعلاقات سياسية وإعلامية تتسع يوماً بعد آخر لنظريتهم فى شرح ما يظنون أنها الأسباب الحقيقية لكل مظاهر التخلف والأزمات التى تعانى منها مجتمعاتنا ودولنا. ويقدم تلك المدرسة أصحابها باعتبار أنها تقوم على ركنين رئيسيين: الواقعية فى النظر والتحليل بعيداً عن الأيديولوجيا وأحلام اليقظة والمنام، والنقد العميق القاسى لما يعتقدون أنها مواطن الخلل وجذور التخلف والأزمات فى واقعنا العربى.

واستناداً إلى هذين الركنين، يرى أصحاب تلك المدرسة الليبرالية أن جميع الأزمات والعلل ومظاهر التخلف التى تعانى منها مصر، بل كل بلداننا ومجتمعاتنا العربية والإسلامية على كل المستويات، تعود فقط إلى عوامل جذور كامنة فى تربتنا وثقافتنا وفى بعض الأحيان فى تاريخنا نفسه. واستكمالاً لهذه الرؤية، فإن أهل تلك المدرسة يوجهون سهام نقدهم الحاد لكل من يرى أو يعتقد أن كل تلك الأزمات والعلل والمظاهر أو جزءاً منها يعود إلى أطراف أو عوامل خارجية لا دخل لبلداننا ومجتمعاتنا وتاريخنا بها، حيث يرون أن مجرد القول بتلك المسؤولية الخارجية– أياً كان حجمها أو نسبتها– إنما هو تخلٍّ عن تحمل مسؤوليتنا الذاتية وهروب من إصلاح أنفسنا وأحوالنا المعوجة وبحث عن تبريرات لبقائها كما هى دون إصلاح. وفى تداعٍ منطقى لهذه الطريقة فى النظر، فإن أصحاب هذه المدرسة يتهمون كل مخالفيهم الذين يردون كل مسؤولية الأزمات والعلل والتخلف التى نعانى منها أو جزءاً منها إلى القوى الخارجية، وبخاصة الغربية، بأنهم من متبنى نظرية المؤامرة وأنهم لا يصدرون فى نظرتهم وتحليلهم سوى عن أوهام سياسية متهافتة أو رؤى أيديولوجية جامدة مغلقة. وفى الخلاصة يظهر بوضوح لأى متابع لكتابات أصحاب تلك المدرسة مدى غلوهم فى إدانة كل ما يرتبط بنا نحن العرب والمسلمين من مقومات وخصائص واتجاهات ومدى تطرفهم فى الدفاع عن القوى الخارجية الغربية، وبخاصة الولايات المتحدة وإسرائيل، وتبرئتهما من أى مسؤولية فيما نعانيه من أزمات وعلل وتخلف.

والحقيقة أن تأمل تفاصيل خطاب تلك المدرسة الليبرالية يوضح مدى استغراقه هو فى الأيديولوجيا وانقطاعه التام لصالح مقولاتها الجامدة المغلقة عن كل ما يجرى حولنا من أحداث ووقائع لا تخطئها أى عين ناقدة حقيقية. فلاشك أن أحداً لا يستطيع أن ينفى مسؤوليتنا العربية والإسلامية الذاتية عن كثير من أزماتنا وعللنا ومظاهر تخلفنا، إلا أن أحداً أيضاً لا يستطيع أن يغض الطرف عما تشهده بلداننا جميعها من تدخلات غربية فادحة وفاضحة فى العقدين الأخيرين، بدءاً من غزو العراق وانتهاء بالتدخل العسكرى فى ليبيا وسوريا. فلم يكن كل هذا الذى عشناه ومازلنا نعيشه، مجرد أوهام أو تصورات أيديولوجية، بل هى أبرز الحقائق والأسباب التى تكمن وراء معظم مظاهر الاضطراب والفوضى وعدم الاستقرار التى تعانى منها بلداننا ومجتمعاتنا خلال السنوات الأخيرة. وبعيداً عن الحروب المباشرة الدموية فأى مراقب مبتدئ لأحوال بلداننا والعالم خلال تلك السنوات نفسها يلحظ بسهولة تامة الحجم الكبير والمدى الواسع للتدخلات السياسية والإعلامية والثقافية والتعليمية المباشرة وغير المباشرة التى تقوم بها الولايات المتحدة فى شؤوننا الداخلية الخاصة استناداً إلى ذريعتها الدائمة منذ هجمات الحادى عشر من سبتمبر 2001، بأنها تفعل ذلك من أجل «تجفيف منابع الإرهاب» الذى يفيض حسب رؤيتها من مجتمعاتنا ودولنا وثقافتنا وديننا ونظمنا التعليمية الواجب تغييرها جميعاً.

إن تغييب كل تلك الحقائق والأسباب فيما نعانيه فى السنوات الأخيرة وحدها من اضطرابات وفوضى، عن رؤية أصحاب تلك المدرسة الليبرالية فى بلادنا، مع غياب أى «نقد» منهم ولو هينا رفيقا للأطراف الغربية، وبخاصة الأمريكية والإسرائيلية، يؤكد أننا أمام بنية أيديولوجية مغلقة ومنفصلة عن الواقع المعيش، لا تختلف فى شىء عن الأيديولوجيات الأخرى التى لا يتوقف هؤلاء عن نقدها ومعايرة أصحابها بالانغلاق والانفصال عن حقائق الواقع.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك