حكايات السبت

حكايات السبت
حكايات السبت

مقالى هذا ربما تكون لغته عنيفة إلى حد ما. سأحاول أن أحافظ على جو الحكايات «الذى اعتمدته». الأسبوع الماضى كان حافلاً بالأحداث المهمة. تفعيل قرارات مؤتمر شرم الشيخ، وأبرزها لجنة بحث أوضاع المحبوسين احتياطياً. بيان البرادعى، حكاية حوار هشام جنينة. سجلت لنفسى ملاحظات عديدة، أعتبرها رؤوس موضوعات لكى أكتب عنها، لكن «المذكرة السرية» التى أراها سيئة السمعة والمنسوبة كذباً أو صدقاً لمؤسسة الرئاسة، وتتضمن ضوابط تعامل المسؤولين مع وسائل الإعلام غيرت من أولوياتى. ورغم النفى الذى حصلنا عليه من الرئاسة إلا أن ثلاثة من المستشارين الإعلاميين فى وزارات مختلفة أرسلوا لى المذكرة بنفس الصياغة.

الحرية والثورة

لا مصادرة لصحيفة إلا بقرار من القضاء وبشروط معقدة. الدستور الحالى يتضمن 5 مواد كاملة من المادة 68 إلى المادة 72 عن حرية الصحافة والنشر وحظر الرقابة على الصحف. ورغم ذلك نسمع عن قيود فى النشر والطبع فى الأيام الأخيرة.

اتصال هاتفى لرئيس التحرير ينصح بتغيير المانشيت أو موضوع بعينه. فى أعقاب ثورة يوليو، عرفت الصحف «الرقيب»، كان فى الغالب ضابطا مقيما بمقر الصحيفة، وكان يقرأ البروفات فى شكلها النهائى. وكان يحذف ما يريد وما لا يفهمه. كانت بعض الصحف تصدر وفى مساحة منها «بياض»، والعارفون ببواطن الأمور كانوا يعلمون أن «البياض» مكان مقال أو صورة أو خبر تم منعه. تطور الأمر فى عهد السادات واستقر زمن مبارك.. عرفنا الصحافة الحزبية المستقلة وجرأتها فى تناول الموضوعات. تراجع دور الرقيب وحل مكانه «الرقيب الذاتى» و«الصحفى المخبر».

مع ثورتى يناير ويونيو حلمنا بازدهار الحرية والعمل الإعلامى. لكن عادت الرقابة بأشكال مختلفة. نصائح قاطعة بتغيير موضوعات صحفية. العيون فى كل مكان. أعرف زملاء تلقوا تعليمات بتغيير مانشيتات صحفهم لا لشىء إلا لأنها وصفت وبشكل دقيق وأمين ما دار فى جلسة البرلمان بين «النواب» ورئيس الحكومة المهندس شريف إسماعيل بشأن السيول!

إسماعيل ومحيى الدين

أنا من المتعاطفين مع رئيس الوزراء المهندس شريف إسماعيل، وأرى أنه المناسب لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية كاملة. الرجل فاهم لطبيعة المرحلة. ومن يركز فى التفاصيل يجد أن الرجل وحكومته انتهوا من الجزء الأكبر والأصعب من خطة الإصلاح الصعبة. تعويم الجنيه رسمياً. رفع أسعار عدد من السلع الاستراتيجية، وآخرها الوقود. مطلوب تعاطف شعبى مع الرجل، لكن من حق «الرأى العام» أن يحاسبه ويحاسب حكومته، من حق نواب البرلمان أن ينتقدوا أداء بعض الوزارات وتكاسلها مع أزمة السيول. أنا أرى أن وزيرى الرى والتنمية المحلية يجب محاسبتهما. أداء وزير النقل أفضل بمراحل. انتقاد «النواب» إذن كان طبيعياً، حتى عندما جمع «النواب» بياناً لحجب الثقة فإنهم استخدموا إحدى أدواتهم البرلمانية التى يقرها الدستور. غير الطبيعى أن يتم «تبرير الأزمة».. فقط عبر وسائل الإعلام بإحداث نوع من الرقابة عما ينشر عن الجلسة. وأنا بهذه المناسبة، لم أفهم الموقف النهائى من شريف إسماعيل.

دعمه فى مواجهة الإعلام والنواب وفى نفس الوقت الترويج وبإلحاح للدكتور محمود محيى الدين باعتباره «المخلّص» ورئيس الوزراء القادم من البنك الدولى بروشتة الإنقاذ. إسماعيل، وفقاً لهذه المعلومات التى تلقيتها قبل يومين، ستتم الاستعانة به كمستشار للرئيس بعد خروجه، ولكن فى مجال الطاقة والثروات البترولية العملاقة. الرئيس يثق فى شريف إسماعيل ولكن للمرحلة القادمة رجال آخرون!

«جنينة» مجددا

الإعلام المصرى الآن وخاصة «الفضائيات» على صفيح ساخن. لا يخلو أسبوع من أزمة أو إقالة أو اندماج. لا معلومات خاصة بحوزتى - غير المتاح بالطبع- عن أزمة منع حوار المستشار هشام جنينة فى «المحور» ولا عن ظروف خروج عبداللطيف المناوى من «الغد العربى». «حوار جنينة»، «تصالحى». زملاء حضروا التسجيل أكدوا ذلك. بعضهم عرضوا أن ننشر نصه، قلت لهم: سيكون خطأ مزودجاً.

هناك مسؤولية قانونية، حيث إن الحوار ملكيته الفكرية للقناة. وسنظهر وكأننا نشعل الأزمة.

السياق الذى يتحرك فيه هشام جنينة الآن بعد خروجه من منصبه السابق كرئيس للجهاز المركزى للمحاسبات وصدور حكم بحبسه أنه لا يريد التصعيد. يريد بناء جسور من الثقة مع الرئيس. من المؤكد أن فى الحوار انتقادات لبعض السياسات وهجوما على البعض الذين هم على خصومة معه، لكن كلها فى إطار المقبول والمتاح. أتذكر أننى وبعد أن نشرنا حوار صديقنا المتألق طارق صلاح معه- المستشار جنينة- فوجئت وأنا على المقهى فى يوم جمعة باتصال من «رقم خاص»، وعندما أجبت أبلغنى أنه هشام جنينة، وأنه يشكرنى على الدقة والأمانة، والموضوعية التى اتسم بها الحوار. حوار من حلقتين. قرأت كل كلمة فيه. كان جريئاً وقوياً لكنه وطنى ومخلص وداعم للرئيس. كثيرون أشفقوا علينا من تبعات النشر، والبعض اعتبره محطة جديدة تضاف لمحطات الصعود لـ«المصرى اليوم».

أنا ما زلت على يقين أن الرجل مخلص ولا يشوب تاريخه شائبة. وأعتقد أن الرئيس وهو حريص على إعادة الحياة للجنة مكافحة الفساد بتشكيلها الجديد لا يعادى رجلاً مثل جنينة لشخصه. هناك جهة «بعينها» أو فرد من هذه «الجهة»، قرر التضييق على الرجل.. ربما هذا الرجل أو الجهة هى التى نصحت أو طلبت عدم إذاعة الحوار..

إعلام «الرئاسة»

هذا الأسبوع، تواصلت أنا وزملائى فى صالة التحرير مع معظم المسؤولين فى الدولة على ارتفاع شأنهم انتهاء برئيس الوزراء. رئيس الجمهورية نجم الصحف الأولى على مدى الأسبوع.

فعاليات مؤتمر الشباب ثم تفعيل قرارات المؤتمر. إعلام رئاسة الجمهورية حريص على التواصل معنا. اللقاءات، المؤتمرات، الصور، التصريحات الخاصة لا يفرقون فى التعامل بين الصحافة المستقلة والصحافة الرسمية. بعد ذلك، فوجئنا بالخبر الذى نشره موقع «اليوم السابع» والمتضمن تعليمات «الرئاسة» للوزراء وكبار المسؤولين بضوابط التعامل مع الفضائيات والصحف فى المرحلة المقبلة.

لن أعيد عرض ما جاء فى المذكرة التى تجعلنا «درجة ثانية» قياسًا بالصحف الرسمية. فى البداية تعاملت مع الخبر وكأنه غير دقيق أو مدسوس، لكن العجيب أنه لم يصدر نفى رسمى بشأنه. بعد يومين، وصلتنى ثلاث نسخ مختلفة للمذكرة. كان المصدر هذه المرة من داخل وزارات نتعامل معها. مسؤولو الإعلام فى هذه الوزارات وصلتهم أيضًا. الزميل محسن سميكة محرر الرئاسة، سأل بشكل مباشر فى «الرئاسة» فقيل له إنه لا وجود لتعليمات بهذا الشكل.. أو «غير دقيقة» لكنى أقول: ابحثوا عن مصدرها. هناك شخص ما أو «جهة ما» لم تفهم بعد ما دار فى مصر. هذه «الجهة» تحلم بالعودة إلى الستينيات، حيث الصحف الثلاث فقط والتليفزيون الرسمى «كان اسمه التليفزيون العربى»، هذه الجهة تجمد فكرها فى الماضى، ولا تعى أن الدولة الرسمية ممثلة فى إحدى جهاتها السيادية هى التى تدعم قنوات خاصة بعينها، بل تمول شبكة فضائية عملاقة الآن. الدولة الرسمية ممثلة فى الرئاسة ووزارة الدفاع على سبيل المثال، حريصة كل الحرص على دعوة الصحف المستقلة وفى مقدمتها «المصرى اليوم»، لأنهم يعرفون حجم تأثيرها وقوتها قياسًا بباقى الصحف. جهة ما أو شخص ما يسىء لنا ولكم. ابحثوا عنه فهو من الماضى!

نموذج «البرافدا»

قلت- ومعى الزميلة وفاء بكرى- لرجل الأعمال الوطنى والشجاع: هل ستبيع؟. قاومت أيام مبارك.. قاومت أيام الإخوان، هل قلت مقاومتك الآن؟.

تحدثنا عن الإعلام قبل ثورتى يناير ويونيو. دور الصحافة المستقلة. دور «المصرى اليوم» بالتحديد. ثم سألته: لو كنت مكان صانع القرار، ماذا سيكون قرارك. سنوات معدودة من الانفتاح الإعلامى فى عهد مبارك انتهت بثورة ضده ثم الإطاحة به.. لو أنت صاحب القرار الآن، أليس من الأحرى بك أن تمنع بكل السبل تكرار نفس السيناريو؟

استغرق الرجل المثقف والقارئ بنهم وفهم للتاريخ والمحتفظ فى مكتبه الأنيق بتماثيل جميلة لزعماء مصر من أسرة محمد على، ثم قال: التاريخ لن يعود إلى الوراء. الحل ليس فى إغلاق النوافذ. الحل عنوانه: مزيد من الحرية. لقد سبقتنا جميعًا «السوشيال ميديا». انظر لدورها فى ثورة يناير، وتعاظم هذا الدور فى ثورة يونيو.

كثير من مسؤولينا يحلمون بنموذج «البرافدا» فى مصر. «البرافدا» كانت جريدة الحزب الشيوعى السوفيتى، وكانت الأكثر توزيعًا فى العالم. وعندما سقط الاتحاد السوفيتى سقطت معه، وأصبحت قصتها ومسيرتها مثالا للإعلام السلطوى القمعى المبرر للجرائم والساكت على التجاوزات.. والمبشرة برخاء لم يتم.

«لجنة الرئيس»

هنأت الدكتور أسامة الغزالى حرب باختياره مسؤولا عن لجنة الحبس الاحتياطى. اختيار ذكى من الرئيس ومكتبه.. شخصيات لها ثقلها ووزنها. أهنئ الزميلة نشوى الحوفى وباقى أعضاء اللجنة. قررنا فى «المصرى اليوم» أن نساعد اللجنة فى عملها.

أطلقنا على عجل وبدون تفكير حملة للتواصل مع أسر المحبوسين احتياطيًا ونجمع بياناتهم ورفعها للجنة. شكلنا أمانة داخلية فى الصحيفة. شكرت المدير العام فتحى أبوحطب والمهندس عمر بدر على مساعدتنا فى ذلك.

شكرت الزملاء فى «الويب وخاصة محمد كساب ومحمد البرمى والحوادث» على جهدهم.

وصلتنا فى ثلاثة أيام نحو 440 حالة حبس احتياطى، فرزها الزميل عبدالرحمن شرقاوى، وتولت الزميلات وفاء بكرى وشيماء القرنشاوى وداليا عثمان رفعها للجنة.

أبلغناهم بجهدنا.. شكرونا على هذا الدور.

هو واجبنا الوطنى الذى تفرضه علينا طبيعة الأحداث. طبيعة دورنا المجتمعى. نحن ننتمى لمؤسسة مستقلة داعمة للاستقرار لكنها تبحث عن العدل بكل الوسائل.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك