فزَّاعة سوريا والعراق

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الأسبوع الماضى، أبدى أعضاء البرلمان امتعاضاً شديداً من تلويح رئيس الوزراء، المهندس شريف إسماعيل، خلال حديثه إليهم فى مقر دارهم، بالنموذج السورى العراقى، حين الحديث عن المشهد المصرى، فى تهديد مُبَطَّن، أعقبته همهمات استهجان، وصيحات اعتراض، سعى رئيس البرلمان إلى احتوائها سريعاً، حتى لا ينفجر الموقف، فى الوقت الذى كان يسعى فيه البعض إلى سحب الثقة من الحكومة، على غير رغبة النظام الرسمى، وهو الأمر الذى وجد اهتماماً شعبياً من عدة وجوه، أهمها: أن رجل الشارع كان يطمع فى أن يشفى البرلمان غليله، ويقتص له من تلك الحكومة، التى لم تظهر لها أى كرامات من أى نوع، إضافة إلى أن إجراء سحب الثقة فى حد ذاته كان يمكن أن يرفع من شأن البرلمان، ولو بأى نسبة، لدى المواطن، بعد أن بدت كل مهامه تنحصر فى الموافقة على كل ما من شأنه التضييق عليه، من فرض ضرائب، ورفع أسعار، وخفض الدعم، وغير ذلك من ممارسات داخلية، كانت طوال الوقت مثار سخرية الرأى العام.

فزاعة سوريا والعراق أيها السادة كان يمكن التلويح أو التهديد بها، قبل ستة أعوام مضت، أما وقد مرت كل هذه السنوات على الانفلات الأمنى، الذى استمر عدة أسابيع ليس أكثر، فى الوقت الذى لم يفكر فيه مواطن أبداً فى أى مواجهة من أى نوع مع قوات بلاده المسلحة، فنحن إذن أمام فزاعة فى غير محلها، وهو ما يجعلنا طوال الوقت نُحمِّل الحكومات المتعاقبة مسؤولية تلك الأوضاع المُزرية التى يعانى منها الشعب، ربما نتيجة وضع الرجل المناسب فى المكان غير المناسب، ربما نتيجة اختيارات غير موفقة، ربما نتيجة الأيادى المرتعشة فى أعقاب محاكمات مسؤولين، لا طائل منها، طالت الصالح والطالح.

إذن ما كان يصلح كحديث، أو فزاعة، قبل ستة أعوام، لا يجب أبداً أن يستمر طوال الوقت، وبصفة خاصة فى وطن لا توجد به مقومات أو مبررات ذلك الذى يجرى فى هذا القطر أو ذاك، لا تجد لدينا تلك الطوائف الدينية التى تتواجد فى سوريا والعراق، أو حتى اليمن ولبنان، ما بين سنة وشيعة وصابئة، وعلوية، ويزيدية، ودرزية، وحوثية، وإسماعيلية وغيرها، لا توجد لدينا العرقيات العربية، والفارسية، والكردية، والتركمانية، والآشورية والأرمنية وغيرها، لا توجد لدينا القوميات والأيديولوجيات المتطرفة والمتشددة إلى الحد الذى يطالب بالانفصال، أو بحمل السلاح، أو الانسلاخ عن المجتمع بأى شكل من الأشكال، لا يوجد أى وجه للشبه بين الأوضاع فى بلادنا، وبين أقطار الأشقاء الذين يتذرع أو يستشهد بهم رئيس الوزراء أو غيره، من الذين يبحثون عن مبررات لذلك المأزق الاقتصادى والاجتماعى والسياسى، الذى لا توجد بوادر أمل لإصلاحه، كما بدا من حديثه هو وليس أى أحد آخر.

لم يحدث فى أى من دول المنطقة، خاصة الدولتين المشار إليهما، أن حصلت أيهما على هذا الحجم من المنح والمساعدات والقروض، التى حصلت عليها الدولة المصرية، خلال السنوات الماضية، الحديث الآن يدور حول ما يزيد على 50 مليار دولار من المساعدات، بخلاف ما يزيد على 30 ملياراً من القروض، بخلاف ما يزيد على 30 ملياراً سحباً من الاحتياطى الاستراتيجى، بما يصل فى نهاية الأمر إلى نحو 110 مليارات دولار، كما لم يحدث أيضاً فى أى دولة فى العالم أن ساهم أهلها بقرض لأحد المشروعات، يصل إلى ثمانية مليارات دولار، بمجرد مناشدة من القيادة السياسية، التى كانت تجد دعماً شعبياً منذ اللحظة الأولى لا نظير له، قبل أن تتحول الأوضاع، وهو الأمر الذى يجعل أى فزاعة- أو تهديد من أى نوع- فى غير محلها تماماً، نتيجة أننا أمام شعب كان نموذجاً طوال الوقت فى الإيثار، وتقديم النموذج فى حب الوطن.

الفرق بين مصر والدول المشار إليها أيضاً هو أن هذه المساعدات منذ اللحظة الأولى تصل إلى الحكومات المصرية مباشرة، أما الدول الأخرى، فربما وصلت إليها أموال أكبر من ذلك بكثير، إلا أنها كانت ومازالت تُرسَل إلى عصابات منظمة، وجيوش مسلحة، فى صورة دعم مالى، وسلاح عينى، ومرتزقة من كل الأجناس، الدول الكبرى تساهم بالقصف والسلاح، كما دول الجوار تساهم بالمدد المالى، وتسهيل وصول المتطوعين من نحو 48 جنسية، وإذا كان هناك بعض التمويل الأجنبى لحساب أفراد، قد وصل مصر يوماً ما، فكان ذلك قبل 25 يناير 2011، وكلها حسابات مرصودة، تم جمعها فى قضية شهيرة، مازالت حبيسة الأدراج حتى الآن، لحاجة فى نفس يعقوب.

على أى حال، كنت آمل أن تكون لدى المهندس شريف إسماعيل، رئيس مجلس الوزراء، الشجاعة الأدبية، يقف أمام البرلمان، معترفاً بإخفاق حكومته، بأنه رجل بترول وفقط، لم يكن أبداً على مستوى رئاسة حكومة دولة بحجم مصر، يعترف بأن وزراءه كانوا من مستويات متدنية، نتيجة أنه لم يكن له الباع الأكبر فى اختيارهم، يعترف بأن هذه الحكومة كانت مجرد واجهة، أن هناك آخرين هم الذين يوجهون بإصدار القرارات، أن الفساد مستشرٍ فى المستويات العليا، كما الدُنيا تماماً، وأن مثل هذه الأوضاع من الصعب السيطرة عليها لأسباب عديدة، يعترف بأن هناك مؤسسة بعينها هى التى تسيطر وتدير، يعترف بأن حجم المأساة أكبر بكثير من المعلن، كان عليه- وهذا هو الأهم- أن يعلن فى نهاية الأمر استقالة حكومته، دون ضغوط من البرلمان، الذى بدا واضحاً أنه لن يضغط أصلاً إلا على الشعب لحساب الحكومة للأسف!

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق