أخبار عاجلة
البورصة تتراجع لأول مرة منذ «التعويم» -

كلبٌ يموء كقطة ويعوي كذئب

كلبٌ يموء كقطة ويعوي كذئب
كلبٌ يموء كقطة ويعوي كذئب

قبل شهور قليلة، انتشر على الفيس بوك مقطع فيديو لطفل (حوالي 9 سنوات) وهو يلقي عظة أو خطبة قصيرة في أحد المساجد، كان الولد يحفظ عظته عن ظهر قلب، ويرددها متقنًا ضبط مخارج الحروف من أماكنها، بدا أشبه بدمية صغيرة من تلك النوعية التي ترقص وتصفق، أيام كانت هذه الدمى تثير الدهشة.

ولدٌ آخر رأيناه وسمعناه يلقي شعرًا للمتنبي، مانحًا أصواتَ الحروف تلك النغمات الأنفية والحلقية التي نسمعها من بعض قُرَّاء القرآن، ممن يظنون أن هذه هي القراءة السليمة للغة العربية. وآخر في العمر نفسه تقريبًا رأيناه وسمعناه وهو يرثي أمة العرب -التي فقدت نخوتها- كما يفعل خطباء العربية المتخيَلون، ممن لم يرهم أحد وإنما صُنعت صورهم من أحاديث الناس عنهم، فوصلتنا بهذا الجمود الغريب.

ليس في أي من هؤلاء الأطفال شيئًا يدعو إلى العجب، لا بأس، فلا شك في أن والد الطفل الأول إمام وخطيب مسجد، كل ما حصل عليه من مكانة اجتماعية بين قومه، مصدره ذلك الأداء الخطابي المنفعل، فواظب على تلقين ابنه وتعبئته حدَّ التخمة بهذه العظة أو بعدد شبيه من العظات، حتى صار قادرًا على فعل ذلك.

ولا شك في أن حالتي الولد الذي يؤدي شعر المتنبي والآخر الذي يرثي أمة العرب بشعر متقعر الأصوات والكلمات، لا تختلفان كثيرًا عن حالة الطفل الأول.

لا غرابة في ذلك، إنما الغريب هو حالة التبني التي يحظى بها هؤلاء الأطفال من رواد وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام. والمرعب في الأمر اعتبار هؤلاء الأطفال أدلة على أن أمة العرب ما زالت بخير، فما زالت تنجب عباقرة ومبدعين! وهنا تبدأ الكارثة التي يبدو أنها أصبحت عمومية.

منذ أيام قليلة، وصلتني نماذج مختارة من كتابات قصصية (أو خواطر كما فضَّل تسميتَها الصديق الذي حملها لي)، هذه النماذج كتبتها طفلة عربية في الرابعة عشرة من عمرها.

قرأت بهدوء شديد تلك الكتابات، التي أشهد أنها تجاوزت - على صعيد اللغة والنضج في التناول- الكثيرَ من تجارب القصة النسائية المنشورة- مما قرأت.

لفتت «الطفلة» انتباهي بحساسية متطورة في التعامل مع اللغة، تجلت ملامحها في ذكاء في استعمال التقديم والتأخير بشكل حقق قدرًا جيدًا من الدهشة ساعدت في استيقاف القارئ واستمهاله لاستعادة إحساسه بما تود الكاتبة نقله، أشياء من هذا القبيل وغيرها من أمور على صعيد اللغة والأسلوب لفتت انتباهي، وكنت لأطريها لولا أنني انتبهت أنني أقرأ لطفلة في الخامسة عشرة!

حين انتبهت، أو نبهت نفسي، أنني أقرأ لطفلة- أو هكذا يُفترض، خفت أن أسقط في فخ (وااااو، والله ممتاز تكتب وكأنها كبيرة!) الذي أرى الكثيرين يسقطون فيه بسهولة وارتياح.

«تكتب وكأنها كبيرة» بالنسبة لي يعني أنها لا تكتب ذاتَها، إلا إذا كانت الذات التي تمتلكها على هذه الصورة! وهو أمر يُحيلنا إلى ما هو أشد خطورة. فإذا كان ما تكتبه هذه الطفلة حقيقيًا، فهي طفلة مأزومة تعاني ما يجب أن نحميها من معاناته في هذا الوقت المبكر من حياتها.

لا شك عندي في أنها طفلة تمتلك قدرة لافتة في ملكات الكتابة واللغة، قل إنها «طفلة موهوبة»، ولكن المؤكد أن المحيطين بها حرموها من طفولتها وأسقطوا عليها تصوراتهم الخاصة عن «الموهبة»، معتقدين بذلك أنهم يساعدون «العبقرية» الكامنة فيها كي تتجلى، بالطبع كما يتخيلون هم العبقرية.

نحيتُ اللغةَ والألفاظ جانبًا، وقررت البحث عن الطفلة داخل ما تكتبه، وسرعان ما تحول شعوري بالسعادة والدهشة إلى شعور بالقلق والريبة، هكذا نقتل التميز والإبداع في نفوس أطفالنا ونصنع منهم مسوخًا، نصفق لهم كالدمى التي تجيد الرقص والتصفيق، بينما نسلب أرواحهم الحقيقية، ولا يمكن لطفل على هذه الشاكلة أن يكبر مبدعًا، وهو رهان أتمنى أن يناقشني فيه من يريد.

قلت للصديق الذي حمل الأوراق إلىّ: بعيدًا عن اللغة المنضبطة إلى حد كبير والعبارات الجزلة، فإن هذه الطفلة تكتب عن قضايا ومشاعر تتجاوز اهتماماتها العمرية بكثير، وهي -إن كانت تدرك ما تكتبه – مصيبة، لأنها طفلة لم تحيا طفولتها، وإن لم تكن تدرك، فهي بلا شك عندي تكتب لمغازلة صورة ذهنية عن الكتابة، خلقها بداخلها أهلُها، وتستعير قلمًا مما يعجب هؤلاء الأهل الذين أعجبهم أن يصفوا ابنتهم بالعبقرية.

صحيح أن «العبقرية» - مع تحفظي على المصطلح- تعني قوة الخلق والإبداع، وصحيح أن هذه الطفلة تمتلك - بلا شك- قدرة واضحة على الخلق والإبداع، لكنه خلق استعجله الكبار وأرادوه على شاكلة ما يظنونه خلقًا، وإبداعٌ استغل الكبار غضاضته ليشكلوه على هوى ما يظنونه إبداعًا.

العبقري هو من يسبق ويتفرد ويمتاز، ولكن الأصل في كل سبق أن يكون داخل مضمار، فما فائدة أن تسبق ظلَّك في صحراء؟ هل يكفي أن تردد مقولات الكبار- بطريقة الكبار- لكي تبدو وكأنك كبير، فيصفق لك المكبار ويقولون: ياااه، حتى الكبار لا يستطيعون قول ما تقول أيها الصغير! هل هذا هو الإبداع؟ هل هذا ما نود أن نرى أطفالنا عليه.

الأصل في التميز أن يمتلك الفرد ميزة يُقارَن بها مع أنداده، جميل أن نرى كلبًا يقلد صوت قطة ويعوي كذئب، لكن هذا الكلب ليس عبقريًا، إنما هو شاذ (ليس الشذذو هنا شيئًا مهينًا)، أما الكلب الماهر أو «العبقري» فهو الكلب القادر على استخدام كل المهارات والطاقات التي يملكها غيره من الكلاب، ولكن بطريقة وحساسية تفوق كل الكلاب – أو معظمهم أو الكثيرين منهم. لكي يكون الكلب عبقريًا يجب أن يبدع ككلب. ولكي يكون الطفل عبقريًا لابد وأن يبدع كطفل، أن ينجح في استخدام العناصر المتاحة لكل الأطفال في خلق وابتكار ما لا يستطيع غيره من الأطفال خلقه أو ابتكاره أو تقديمه على هذه الشاكلة.

توقعت في إبداع طفلة في الرابعة عشرة من عمرها أن يكون جانحًا نحو عوالم الخيال ممسوسًا بالرغبة في التحرر وبناء الشخصية، رافعًا أحلام الطفولة نحو قمم أعلى، وهو في الواقع ما لم أجده في الكتابات التي قرأتها، وإن كنت لمحت أدوات وإشارات تفيد بإمكانية ذلك لو أنهم لا يقمعون روحها لصالح تصورهم الخاص.

العبقرية أن تغوص في عوالمها في محاولة التعبير عنها، بما يليق بعمرها من خيال، حتى لو كانت قرأتْ - لسبب أو لآخر- كتبًا في تلك القضايا التي تفوق عمرها، فإن العبقرية هي أن تستفيد مما قرأته في الغوص في ذاتها والتعبير عن تلك الذات بشكل مبتكر.

تضخم هذا الشعور بداخلي، وانتبهت إلى أن ثمة شيئًا ما ليس في محله في بنيتنا الثقافية وتصورنا عن الإبداع والابتكار والقراءة كرافد مهم لهما، عندما شاهدت حفل تكريم الطفل الجزائري في مسابقة تحدي القراءة.

صفق الكثيرون وهللوا للطفل، وهو بالفعل طفل في عمر جميل، سبع سنوات، جميل أن يفوز في مسابقة للقراءة بهذه الضخامة، وجميل أن يتحدث بطلاقة، وأن يجيد اللغة العربية، ولا بأس أن يردد بعض الكلمات التي يبدو أنها أكبر منه، رائع أن يكون معبأ بالثقة في نفسه بلا خجل أو تردد، كل هذا جميل إذا كان يحدث في مساحة وعي تليق بطفولته وتشبه العالم الذي ينتمي إليه. ولكن أداء الطفل لم يكن أبدًا – شكلًا وموضوعًا- لطفل في هذه العمر.

ما العبقرية في إتقان بعض الجمل وترديدها في أداء خطابي فاقع وشديد الكلاسيكية، ما معنى حديث طفل عن القراءة باعتبارها فريضة دينية مثلما قال الأديب عباس العقاد، ما الذي يجعل طفلًا في هذا العمر يرى في ابن باديس والبخاري رموزًا للعلم والعلماء؟ هل هذا ما لقنوه إياه عن العلم والعلماء في القرن الحادي والعشرين؟

هذا طفل - ليس فقط منفصلًا عن عالمه (عالم الطفولة) الذي يجب أن يساعده الأهل والمجتمع في أن يحياه بمتعة وجمال، بل هو منفصل عن العالم نفسه - بثقافته ومنجزاته الفكرية والعلمية والتطبيقية- متجمد –بفعل فاعل- عند تصور تاريخي للقراءة وللعلم وللعلماء، وهو تصور كان سببًا في ما يعاني منه عالمنا العربي كله الآن.

لم أعجب للطفل، بل تعاطفت معه، ولكني عجبت ممن رأوا فيه أنموذجًا لما يجب أن يكون عليه أطفالنا، سمعت أحد المثقفين على منصة التكريم يردد: «تمنيت لو كان ابني» ليعلو التصفيق كالهدير في القاعة!

خطاب عاطفي أجوف آخر سمعته وأنا أردد في قرارة نفسي: ظلموك يا بني، وحمّلوك ما لا طاقة لك به، وشوهوا نفسيتك عندما قرروا أن يجعلوا منك عبقريًا وفق تصوراتهم عن العبقرية. وظلموا أبنائي وغيرهم من الأطفال حين روّجوا لهذا الطفل المسكين باعتباره نتيجة حتمية للقراءة، بل ظلموا القراءة حين حصروها في هذه الزاوية الضيقة التي لا تشبه العصر في شيء.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك