أخبار عاجلة
أول تعليق لـ«راموس» بعد هدفه في برشلونة -

الحـرب القـذرة

الحـرب القـذرة
الحـرب القـذرة

كما هناك حروب حقيقية قذرة، تُستخدم فيها المحرمات من الأسلحة الفتاكة، أصبحنا نشهد فى مجتمعنا الآن حروباً قذرة من نوع آخر، وذلك من خلال اللجان أو الكتائب الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعى، تستخدم فيها أحط أنواع الإسفاف والعبث، وأحياناً أحط المصطلحات والألفاظ، بهدف وحيد على الجانبين، أو على الجوانب كافة، وهو تضليل الرأى العام وتغييبه أكثر وأكثر، فيما يتعلق بقضاياه الداخلية والخارجية على السواء، بوضوح ودون خجل، من خلال مجموعات من المرتزقة، متفرغة لهذه المهام، تتقاضى رواتب وتتلقى تعليمات يومية من أغبياء فى معظم الأحوال، لا يحسنون تقييم الموقف أبداً، وإلا لما كان الحال هو الحال.

فى الأزمات بصفة خاصة، تشتعل الساحة بين هؤلاء جميعاً، كما حدث أخيراً فى عملية تعويم الجنيه، ثم فى رفع أسعار الوقود، اعتقاداً من هؤلاء وأولئك أن السوشيال ميديا هى التى تقود الرأى العام الآن فى غياب وسائل الإعلام التقليدية، أو بمعنى آخر، فى ظل فشلها، وبالتالى تراجع تأثيرها، كانت هناك اللجان أو الكتائب التى حملت على عاتقها الترويج لانهيار الدولار، بهدف حث الناس على البيع، وقد ساعدهم فى ذلك بعض المسؤولين من خلال تصريحات لم تكن أبداً منطقية.. وعلى الجانب الآخر، كانت هناك اللجان أو الكتائب الأخرى التى فطنت لذلك مبكراً، وراحت تشكك فى كل ذلك من خلال الموقف على أرض الواقع، وقد كان المواطن هو الضحية لهؤلاء وأولئك، إلى أن استقر الأمر بهزيمة واختفاء إحدى الجبهات، ثم جاءت عملية رفع أسعار الوقود لتحسم الأمر تماماً.

بالعودة إلى الذاكرة سوف نجد نفس الموقف فى السابق، حين التوقيع على التنازل عن جزيرتى البحر الأحمر، سوف نجده حين الإعلان عن حفر تفريعة قناة السويس، أيضاً عند دعوة الناس للاكتتاب بما يوازى ثمانية مليارات دولار، عند دعوتهم إلى الصباح على مصر بجنيه، وأيضاً التبرع لصندوق تحيا مصر، والعاصمة الجديدة، واستصلاح المليون فدان، والمؤتمر الاقتصادى، ومؤتمر الشباب، وحتى سفر وزير الخارجية لإسرائيل.. تقريباً كل مواقف الدولة الرسمية.

بدا واضحاً أن هناك أزمة ثقة فى القرار، أو فى متخذى القرار، الذين رأوا أنه يجب أن يواكبه دعم شعبى، من خلال تلك اللجان والكتائب، فى الوقت الذى وجدت فيه أطرافاً أخرى عديدة أن المواجهة يجب أن تكون على نفس المستوى، فكان ما كان من ذلك العراك الذى لا يتوقف على مدار الساعة، إلا أن ما لا يدركه هؤلاء وأولئك أن هناك من الكتائب الآن من ليسوا مصريين، ومن يعملون من خارج مصر، من الذين يحملون على عاتقهم استمرار احتدام الموقف، لا أكثر ولا أقل.

وقد كانت هذه الظاهرة واضحة مبكراً جداً، تحديداً منذ مباراة مصر والجزائر الشهيرة نوفمبر ٢٠٠٩، المؤهلة لمونديال العالم ٢٠١٠، حينما دخلت على الخط بعض الكتائب من خارج مصر، وكانت من إسرائيل تحديداً، راحت تصب الزيت على النار، من خلال شتائم وسباب بين الشعبين الشقيقين- المصرى والجزائرى- لا محل لها من الإعراب، ولا تتفق أبداً مع تاريخ علاقات البلدين، وسارت خلفها، للأسف، التعليقات الطبيعية للمواطنين هنا وهناك، ثم بعد ذلك دخلت على الخط وسائل الإعلام، بما تحمل من غباءٍ بدا أنه منقطع النظير من خلال قائمين على أمرها مِن الذين لا علاقة لهم بالإعلام من قريب أو بعيد، وهو ما تسبب فى أزمة بين البلدين، ما زالت تلقى بظلالها، على الأقل، رياضياً حتى الآن.

ظاهرة التدخل الأجنبى فى السوشيال ميديا المصرية كانت واضحة أيضاً خلال الأسابيع الأولى لأزمة تيران وصنافير، وانساق وراءها أيضاً شعبا مصر والسعودية، تكون واضحة بقوة حين تفاعل الأزمة السياسية مع تركيا، أو قطر، أو السودان، إلا أنها لم تتوقف أبداً عند الشأن الخارجى، فاستغلت الأزمات الداخلية أسوأ استغلال، وهو ما لم تفطن له الإدارة الإلكترونية لدينا على كل المستويات، فراحت تُعمّق من عملية الاستقطاب الحاصل فى المجتمع، واستمرار توتره واشتعاله، دون أدنى حنكة أو خجل، رغم أنه قد تم اختراق بعضها أخيرا بعد أن اختلفوا فيما بينهم كاللصوص تماماً، فكان الكشف عن أسمائهم وحواراتهم وترتيباتهم للخطط اليومية والمستقبلية، بل نشر العبارات والجُمل التى يتم بثها فى آنٍ واحد بأسماء مختلفة، وهمية أحياناً، وحقيقية فى أحيان أخرى.

أعتقد أنه حرصاً على صالح المواطن، وعلى مصلحة الدولة المصرية، وبعد أن انكشفت كل العورات والسوءات، ولم يتبق هناك حتى ورقة التوت، آن الأوان للتعامل مع المواطن باحترام من هؤلاء وأولئك، آن الأوان لاحترام عقليته بإنهاء هذا العبث وذاك الإسفاف فوراً، فلم يعد مقبولاً تزييف صورة، أو الاجتزاء من تصريح، أو بث أخبار غير صحيحة، أو نشر شائعات مغرضة. باختصار، لم يعد مقبولاً تضليل الرأى العام، لا لحساب أوضاع فاشلة، ولا لحساب معارضة مغرضة، ولا لأى سبب كان، من خلال مجموعات من المتسلقين والأمنجية على الجانبين، تدّعى فى كل الأحوال أن التزييفَ الذى يجرى بدافع الوطنية السبيلُ الوحيدُ لكسب تأييد المواطن، هو الثقة والإنجاز على أرض الواقع، الدولة فى النهاية فى حاجة إلى كل هذه النفقات التى يحصل عليها سفهاء لتنفيذ التعليمات، وأغبياء يصدرونها.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق يوسف القعيد: أحزن من «سيادة النائب».. والأحزاب «صالونات في وسط البلد»
التالى رباط عنق أسود من فضلك