أخبار عاجلة
وضع 10 أشخاص قيد الاحتجاز إثر هجومي إسطنبول -

الاختبار العظيم

الاختبار العظيم
الاختبار العظيم

بعد انهيار الاتحاد السوفيتى فى نهاية عقد الثمانينيات من القرن الماضى جرى التساؤل عما إذا كان ممكنا انهيار الولايات المتحدة أيضا؟ وكانت الإجابة الشائعة أن ذلك ليس ممكنا ليس فقط لأن أمريكا بلد غنى بالثروات ولديها اقتصاد قوى، ولكن لأنها بلد ديمقراطى برجماتى يحكمه دستور «عبقرى» فى توازنه بين الحكومة الفيدرالية والولايات، وبين الحاكم والمحكوم، وبين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. بالطبع هناك أسباب أخرى جرى تعدادها، ولكن المساحة لا تسمح بالاستطراد فيها، وما يهمنا هو أن فكرة الانهيار ظلت مستبعدة، وبشدة. ورغم ذلك فإن التاريخ عرف أمثلة لانهيارات جرت فى بلدان ديمقراطية ومتعلمة ومثقفة للغاية، وكان سبب الانهيار أن الديمقراطية ذاتها أحيانا ما تحفر لذاتها أسباب نفيها وانهيارها. فألمانيا فى ظل «جمهورية فيمار» الديمقراطية جدا فشلت اقتصاديا إلى الدرجة التى أتاحت لشخصية مثل هتلر أن تقودها إلى تدمير واسع لذاتها، وارتكاب جرائم عظمى ضد الإنسانية من جانب آخر. وأحيانا أخرى فإن الديمقراطية تفرط فى ديمقراطيتها إلى درجة الضعف الذى يجعلها عرضة للعدوان الخارجى أو البحث عن زعيم أو منقذ يقود الأمة حسب ما يرى الناس ديمقراطيا أو فاشيا. فرنسا عرفت هذه الحالة فانهارت منها الجمهوريات الثالثة والرابعة لأن أيا منها لم يفلح فى حماية الدولة الفرنسية حتى تمكن ديجول منها مع الجمهورية الخامسة. الولايات المتحدة تعرضت لنفس اللحظة من اختبار الانهيار الذى حدث مع الحرب الأهلية (١٨٦٠ ـ ١٨٦٥) التى لم تكن كما شاع عن تحرير العبيد، بل كانت عن الدولة الأمريكية الاتحادية ذاتها.

المسألة هى أن الديمقراطية حالة من الاختبار الدائم، ليس فقط للحكام ومدى التزامهم بالعقد الاجتماعى والسياسى الدستورى فى تداول السلطة، وإنما للمواطنين وحسن اختيارهم ساعة الانتخابات العامة. فإذا كانت الديمقراطية هى حكم الشعب وللشعب، فإن هذا الشعب المعنى لا بد وأن يتحمل المسؤولية السياسية لانتخاب من يصلح لحكمه. ويبدو أن الولايات المتحدة تدخل اليوم هذه الحالة من الاختبار عندما تجرى عملية اختيار رئيس جديد للجمهورية، وانتخاب ثلث مجلس الشيوخ، وكل مجلس النواب. ويكاد يجمع كافة المحللين السياسيين فى الولايات المتحدة على أن الانتخابات الراهنة تختلف عن كل الانتخابات السابقة فى تاريخ الولايات المتحدة المعاصر. والسبب فى هذه الحالة هو تواجد دونالد ترامب كأحد المرشحين للرئاسة عن الحزب الجمهورى الذى يجمع بين كونه مليارديرا كبيرا، وصاحب برنامج تليفزيونى ناجح، وشخصية شهيرة فى نجاحها وفشلها وزيجاتها المتعددة؛ وفوق ذلك كله اتجاهاتها «الشعبوية» الفائرة. وما جمع المرشح هذا مع المنافس الديمقراطى هيلارى كلينتون أن المواطن الأمريكى جمع بين اختيارهما كمرشحين للحزبين الرئسيين فى البلاد، وبين تقديره الأخلاقى والسلبى لكليهما.

مثل هذا التناقض الكبير بين الاختيار لكل من ترامب وكلينتون للمهمة الانتخابية، والرأى السلبى فيهما المُعبر عنه فى استطلاعات الرأى العام، يعكس أزمة الناخب الأمريكى، أو بالأحرى المواطن الأمريكى ودوره فى العملية الديمقراطية. وبشكل ما فإن العملية ذاتها تثبت قدرا ما من الفقر السياسى الذى جعل عددا كبيرا من المرشحين فى الحزبين الجمهورى والديمقراطى يحجم عن الدخول طرفا ثالثا فى عملية استقطاب انتخابية حادة جرت على مدى عام ونصف وانتهت إلى أكبر سلسلة من الفضائح عرفتها عملية انتخاب المرشحين فى تاريخ أمريكا المعاصر. ولم تكن المسألة متوقفة على عجز مرشحين من أصحاب الخبرة، والمعرفة بقواعد اللعبة السياسية وتقاليدها، وإنما امتد إلى إحراق كل المعابد المعروفة لعملية الانتخاب من أول المناظرات التليفزيونية، وحتى الشتائم، والاتهامات التى وصلت إلى الاتهام بتزوير الانتخابات، والتهديد برفض قبول الفائز فى الانتخابات، وكشف الحياة الشخصية للمرشحين، فضلا عن فضح التاريخ الوظيفى لكليهما.

المدهش فى الموضوع أن عمليات الكشف المتبادل جرى تلخيصها دائما على أنها صراع بين «المؤسسة الأمريكية»، ومن هم خارج المؤسسة؛ وبينما مثلت هيلارى كلنتون الجانب الأول فإن دونالد ترامب مثل الجانب الثانى. ولكن ما جرى بالفعل أن كلا الجانبين لم يكن لا صافيا ولا نقيا، فالمؤسسة لم تتورع عن كشف مسألة «الخادم الإلكترونى» الخاص بالمرشحة الديمقراطية، ثم بعد ذلك جرى ربطها بالمؤسسة الخيرية الخاصة بعائلة كلينتون (الرئيس الأسبق بيل كلينتون وزوجته هيلارى وابنته شيلسى)، وأخيرا تعريض الأمن القومى الأمريكى للخطر من خلال ما ورد فى رسائل إلكترونية لوزيرة الخارجية الأمريكية يمكن كشفها. وعلى مدى المسيرة الانتخابية كلها كانت موضوعات الرسائل جانبا كان على هيلارى الدفاع عنه أمام الرأى العام، وأمام الكونجرس، وأمام منافسيها فى الحزب الديمقراطى، وأخير أمام دونالد ترامب. ولكن وقبل أحد عشر يوما على يوم الانتخاب قام مكتب التحقيقات الفيدرالى بفتح التحقيق مرة أخرى، بعد إعلانه السابق فى منتصف الصيف بأنه لا يوجد ما يكفى لإقامة الدعوى. وفى كل الأحوال أصبحت رئيسة الولايات المتحدة المقبلة مجروحة حتى قبل أن تفوز فى الانتخابات.

على الجانب الآخر فإن دونالد ترامب خاض معركة شرسة أراد أن يكون فيها مثل الفارس الذى جاء على حصان أبيض لإنقاذ الولايات المتحدة من هؤلاء الذين يريدون الاستيلاء عليها مثل المهاجرين اللاتينيين من أمريكا الجنوبية وخاصة المكسيك؛ أو استغفالها من خلال اتفاقيات تجارية غير متكافئة نقلت المصانع من أمريكا إلى خارجها وجعلتها فى النهاية سوقا لمنتجات شركاتها السابقة؛ أو خداعها مثل الصين التى أبقت عملتها منخفضة لكى تحصل على مزايا تنافسية، أو الدول الأعضاء فى حلف الأطلنطى التى حصلت على الحماية الأمريكية، ولكن واشنطن كانت هى التى دفعت الثمن. عصارة هذه المواقف كانت حالة عنصرية، «شعبوية»، طالت جماعات أمريكية كثيرة، وطال المسلمين فيها المنع من القدوم إلى الولايات المتحدة. ورغم أن كل ذلك كان كافيا لهزيمة ترامب فى الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهورى إلا أن نجمه سطع أكثر وهو ما كان يعنى الاقتراب منه أكثر، وكانت النتيجة أن الرجل لم يقم بدفع الضرائب رغم غناه الفاحش طوال سنوات ماضية، وظهر أن شركاته لها ممارسات عنصرية مع الأمريكيين الأفارقة، وأن الرجل الذى استنكر العمالة اللاتينية كان يستخدمها فى شركاته طوال الوقت، وأكثر من ذلك أنه لم يكن معروفا بالأمانة فى دفع مستحقات الشركات التى تعمل معه. ولأن الحملة الانتخابية كان فيها كل شيء، فلم يكن لها أن تنتهى دون حضور الجنس فى السياسة عندما ظهرت تسجيلات تشير إلى قيام الرجل بأعمال مع النساء مستغلا شهرته وماله ومكانته.

من يفوز فى انتخابات اليوم؟ الحسابات كلها تقول إنه أولا أن الخاسر الرئيسى فى الانتخابات الأمريكية الحالية كانت الولايات المتحدة والشعب الأمريكى حيث كان ما عرض من قدس أقداس الديمقراطية الأمريكية لم يكن مشرفا بل وحاملا لاحتمالات تولى شخصية «شعبوية» لمفاتيح البيت الأبيض. وثانيا أن كل الحسابات الخاصة بالانتخابات، والمجمع الانتخابى، واستطلاعات الرأى العام تجعل نجاح هيلارى كلينتون الأقرب للحقيقة مع نهاية فجر غد بالتوقيت الأمريكى. ومع ذلك فإنه ووفقا لما كتبت فى صحيفة الشرق الأوسط يوم الأربعاء الماضى فإن المفاجأة ممكنة لثلاثة أسباب: أولها أن استطلاعات الرأى العام كثيرا ما تخطئ عندما يكون الفارق ضيقا، وهو ما ظهر فى الاستطلاعات الخاصة بالاستفتاء البريطانى على الخروج من الاتحاد الأوروبى. وثانيها أن الاستطلاعات قد تكون نافية لنفسها لأنه مع الثقة الكبيرة فى فوز هيلارى فإن نسبة من أنصارها لن تجد ضرورة للذهاب إلى صناديق الاقتراع ومن ثم ينقلب الوضع ويفوز ترامب الذى يضمن أصوات جميع أنصاره المتعصبين له. وثالثها أن الأمريكيين مغرمون بالتغيير، وقد قضى الديمقراطيون ثمانى سنوات فى البيت الأبيض تحت قيادة أوباما ولم يعد هناك بد من تجربة أخرى.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق «التموين»: تحرير 5 آلاف مخالفة لحلوى المولد.. وإغلاق 100 ورشة ومصنع دون ترخيص
التالى رباط عنق أسود من فضلك