Propellerads

هذه الحكايات الصغيرة جداً

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الذين يرون العالم كله مجرد كومة هائلة من أشياء صغيرة جداً.. هم الذين لا يطيلون الوقوف أمام الحكايات والقصص الكبيرة ذات العناوين الضخمة والألوان الفاقعة.. إنما يهتمون أكثر بالقصص الصغيرة التى قد تكون معانيها ودلالاتها أهم وأكبر.. ولأننى أحد هواة تلك الأشياء الصغيرة وأحب دائماً تفكيك هذا العالم الضخم المعقد إلى حواديت ومشاعر صغيرة جداً.. أتوقف أمام ما جرى قبل يومين فى مدينة جوبا عاصمة جنوب السودان حين دخل شاب أحد الكافيهات أثناء إذاعة إحدى مباريات الدورى الإنجليزى.. وعلى الرغم من أن أصحاب الكافيه قرروا تقاضى ما يُعادل نصف دولار من أى شخص يريد الدخول والفرجة على المباراة.. إلا أن هذا الشاب قرر أن يشاهد دون أن يدفع.. حاول أصحاب الكافيه إفهامه أن للمشاهدة ثمنًا وأن كل من دخل وجلس للفرجة دفع النصف دولار.. فردّ عليهم الشاب قائلًا إنه من عشاق نادى إيفرتون، وهذا الحب والانتماء يمنحه الحق فى مشاهدة مباريات ناديه مجاناً.. لم يقتنع أحد بهذا المنطق وقرر الجميع إخراج الشاب من الكافيه بالقوة.. فخرج الشاب غاضباً ثائراً واختفى لفترة قصيرة عاد بعدها حاملاً سلاحاً ليدخل به الكافيه ويطلق النار عشوائياً فيموت ثلاثة عشر شخصاً وتنقل سيارات الإسعاف إلى المستشفى عشرة جرحى آخرين فى حالة حرجة.. وما يستحق التوقف والانتباه فى هذه الحالة هو اقتناع الشاب بأنه حمل السلاح وأطلق النار وقتل الناس دفاعاً عن حقه فى المشاهدة.. من الذى أقنعه بذلك، ومن الذى أفهمه أن حبه الشخصى وتشجيعه الحماسى لأحد الأندية يمنحه الحق فى الفرجة على كل مباريات هذا النادى دون تذاكر أو سداد مال أو احترام أى قانون أو نظام.. لدرجة حمل السلاح وقتل الناس الذين قالوا له لا.. ولا أحد يعرف حتى الآن ماذا سيقول هذا الشاب أثناء محاكمته أو بماذا سيدافع عنه محاميه، وهل سيستند هذا المحامى إلى أن الحب قد يصلح تبريرًا للعنف والأذى والدم والموت.. وكان من الجميل فى انتظار بدء هذه المحاكمة أنه لا أحد قرر الخلط بين ما جرى فى ذلك الكافيه فى حى جور الفقير جنوب شرق العاصمة جوبا، والأوضاع العامة فى جنوب السودان حيث الخلافات الدموية والحرب الأهلية.. فالجريمة الكروية فى الكافيه بقيت مجرد جريمة كروية.. لم يقل الإعلام الجنوب سودانى أنها جريمة سببها الفقر أو الكراهية التى استوطنت المجتمع المنقسم على نفسه.. لم يقل أحد إن هذا الشاب كان مضطهداً ومحبطاً وحزيناً وحائراً وخائفاً وإنه حين أمسك بالسلاح وأطلق النار لم يكن يقصد الذين منعوه من الفرجة على ناديه.. إنما كان يطلق الرصاص فى وجه الظروف والهموم والأحزان والمواجع.. لم يخلط أحد بين ظروف المجتمع وجريمة فرد خرج على القانون.. ولم يستغل أحد ارتباك المجتمع وصراعاته لتبرئة هذا الشاب من جريمته التى لابد من محاسبته عليها.. فالجريمة الحقيقية الأكبر قد تكون أحياناً هى الخلط بين الأوراق والأدوار وضياع الحقوق تحت لافتات الحب والانتماء.

yayoub@7-ayam.com

شاهد أخبار الدوريات في يوم .. اشترك الآن

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

إخترنا لك

0 تعليق