أخبار عاجلة

فى مسألة الدواء.. والربح

فى مسألة الدواء.. والربح
فى مسألة الدواء.. والربح

تلقيت عشرات التعقيبات المكتوبة والتعليقات الشفهية على ما كتبته الأسبوع الفائت حول الصيدلى.. القاتل عمدًا، وذكرت تفاصيل تتعلق بواقعة ضبط أدوية لحرمان السوق منها، وعلى النحو الذى جاء فى المقال.. وتوزعت التعقيبات والتعليقات بين مَن عبّروا عن فكر مستنير ومواقف وطنية لمواجهة مسألة الاحتكار والتهريب وخنق الناس وترويعهم بتعطيش الأسواق وإخفاء السلع، حتى لو كانت دواء، وبين مَن اقتصرت اهتماماتهم على الشخص الذى تحدثت عن وظائفه ولم أذكر اسمه، وعلى الشركة التى ارتبط بها الاتهام، وكانت القضية بالنسبة لهؤلاء هى اتهام شخص برىء واختلاق وقائع لم تحدث، ثم حفز الكاتب على أن يتحرى الدقة فى المعلومة قبل أن يكتب.. ولن أتحدث عن النوع الثالث، الذى أرغَى وأزبَد وهدَّد وتوعَّد، وهو مافيا الدواء التى تقول للأرض: «انهدى ما عليكِ قدى».

بداية، فإننى استقيت المعلومات من بيان وزارة الصحة، ثم مما نُشر فى صحف ومواقع صحفية، ذكر بعضها اسم الشخص والشركة اللذين ترفعت عن ذكرهما، وفوق ذلك جاءتنى تفصيلات من مصادر شفهية من المنتسبين لقطاع الدواء وممن أثق فيهم، لأنهم لا مصلحة لهم فى الاختلاق، وهم ممن يعرفون الشخص وتعاملوا معه! يعنى ثلاث جهات متنوعة ومتعددة استقيت منها المعلومة، وبعدما نُشر المقال بعدة أيام أصدرت شركة توزيع الدواء التى وُجهت لها أصابع الاتهام بيانًا يبدأ بالنص القرآنى «إن جاءكم فاسق..»، ثم فندت ما جاء فى بيان «الصحة» من وقائع، وتلقيت مكالمات هاتفية من أصدقاء فى قطاع صناعة وتوزيع الدواء يؤكدون فيها عدم دقة بيان الوزارة، ومن ثَمَّ فالمقال لم يكن دقيقًا أيضًا، بل إن البعض طالبنى بأن أمتلك شجاعة التصحيح والاعتراف بالخطأ حتى يعطينى المعلومات الصحيحة!

بعد البداية أقرر أننى متمسك بضرورة، بل حتمية مواجهة «المافيا» أو تكتلات وشبكات الربح الفاحش والاحتكار والتهريب فى أى مجال من المجالات، أى الدواء وغير الدواء، وأن مَن يسكت عن ذلك فهو ألعن من الشيطان الأخرس، وأقرر أنه من المحتم أيضًا فتح ملف الدواء فى مصر صناعة وتوزيعًا وبيعًا.. ومواد خام وأدوات إنتاج، ووضع الصناعة ذاتها- بعد الذى حدث لمصانع القطاع العام وما جرى من تغلغل ملكية غير المصريين ثم الأرباح، وهى قصة أخرى! ثم أضيف أننى انتظرت حتى ظهر أمس الأول الإثنين- الوقت الذى أكتب فيه هذه السطور- اتصالاً من صديقى، الذى ناشدنى أن أكون شجاعًا أعترف بالخطأ، ليعطينى المعلومات التفصيلية التى وعدنى بها مساء الأحد ولم يتصل، وعليه فإنه إذا كانت المعلومات فى بيان «الصحة» وفى الصحف والمواقع والمصادر الأخرى غير صحيحة، فإن الأمر يقتضى تصحيحًا من الوزارة ومن بقية المصادر، وتصحيحًا منى أقول فيه إن ما تلقيته من معلومات مغايرة هو جمل خبرية شفهية سمعتها من ثلاثة أفاضل هم: الدكتور السيد البدوى، أحد أكبر صُنَّاع الدواء، رئيس حزب الوفد، ثم الدكتور محمد عبدالجواد، نقيب الصيادلة السابق، الذى أدلى بحوار تفصيلى لإحدى الصحف الخاصة، يفند فيه ما جاء ببيان الوزارة، والدكتور عوض جبر، أحد المهمين فى الصناعة والتوزيع، وثلاثتهم أكدوا عدم صحة بيان الوزارة جملة وتفصيلاً، لذلك فإن الوزارة مطالبة بأن تحدد موقفها إذا كانت هى ذلك «الفاسق» الذى جاء بالنبأ وكان علينا التبين!

لقد سبق فى حالات أخرى أن قدّم كاتب هذه السطور اعتذاره علنًا، وفى بعض مقالاته، لمَن تأكد وتيقن من عدم دقة الانتقاد الذى وجهه إليهم، سواء كانوا أشخاصًا طبيعيين أو اعتباريين.

وأنتقل بعد ذلك التوضيح إلى بيت القصيد، وهو ليس بعيدًا عن قضية الدواء، وأعنى به مدى وجود قواسم مشتركة بين الربح الحرام وبين الربح الفاحش، لأنه تبين أن كل ظاهرة مجتمعية يلزمها غطاء أخلاقى يبررها ويسوغ منطقها، بل أحيانًا يشرع لها ويرتقى بها إلى مستوى أنها من النواميس الإلهية الكونية التى لا مناص منها، ومخالفتها تعنى دخول المخالف دائرة الاعتراض على سنة الله فى خلقه وعلى الإرادة الإلهية، وعلى الفطرة التى فطر الله الناس عليها إلى آخره!

ورغم أن النموذج الرأسمالى الحديث والمعاصر لم يكن اختراعًا من الذين يتخذون من الدين الإسلامى مرجعية ولا حتى من الدين المسيحى، لأنه تبلور وتعاظم بعد أن تم فصل الدين عن الدولة وانتهى نفوذ الكنيسة، إلا أن الرأسماليين فى مصر والمنطقة كثيرًا ما يلجأ بعضهم إلى معيار الحلال والحرام وحده عند مناقشة مسألة الربح، ومن قبله مسألة التملك والاستحواذ والسيطرة على المجالات الاقتصادية.. ولا تراهم ينتبهون أبدًا إلى أن الرأسمالية الحديثة والمعاصرة فى بلادها الأصلية جاءت على قاعدة من العلمانية الصرفة، ووفق قواعد دستورية وقانونية لا تنفصل عن الجوانب الفلسفية والثقافية، وأيضًا الاجتماعية القائمة فى المجتمع، وبالتالى امتلكت الرأسمالية هناك القدرة على التجدد المستمر وعلى التكيف مع المتغيرات، ولم تفقد توازنها ضمن احتفاظ المجتمع ذاته بتوازنه.

إن لدينا فى مصر مَن يعتمد منطق «الحتمية الإلهية» فى مسألة التملك وتكوين الثروات، ويعتمد قاعدة «أحَلَّ الله البيع وحرّم الربا» فى مسألة الربح، ويمضى بها إلى أن «كله حلال»، مهما فحش وتجاوز المعايير المتعارف عليها فى مجتمعات تعرف حدودًا لكل شىء، وتضع الضوابط الصارمة التى ترسخ الدور الاجتماعى لرأس المال.

وكما لا يلتفتون إلى علمانية الرأسمالية هناك فى مواطنها الأصلية، فإنهم أيضًا لا يلتفتون إلى الجانب الآخر من «الحتمية الإلهية»، وقاعدة البيع والربا، وهو جانب الالتزام الجاد، بل الصارم، بعدم الإضرار بالآخر فى المجتمع وعدم المبالغة فى الترف، لأنه السبيل الأبرز للهلاك «إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها»، والفسق له معانٍ متعددة، منها خرق الناموس الإلهى بالعدل والبر والإحسان.. لأن إبليس كان أول مَن فسق عن أمر ربه.. وأمر ربنا هو «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى» صدق الله العظيم.

وبذلك ولذلك وعلى ذلك، فمن الممكن ألا تكون هناك جريمة أو مخالفة قانونية فى مجال الدواء، ولكنها فى الوقت نفسه خروج على الناموس الإلهى بالعدل والإحسان، والله أعلم.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك