أخبار عاجلة
ديفيد فيا افضل لاعب في الدوري الاميركي -

بيت العفريت.. «قصة قصيرة»

بيت العفريت.. «قصة قصيرة»
بيت العفريت.. «قصة قصيرة»

الناس يسبحون فى بحر من الأوهام، ثم يظنون أنهم يختارون طريقهم فى الحياة.. مع أنهم لم يختاروا أسماءهم، ولا الأسرة التى ينتسبون إليها، ولا البيت الذى يولدون فيه وينشأون ويسكنون! السكن والسكون والسكينة والمسكنة، كلها كلمات مشتقة من «الكين» الذى هو باطن فرج المرأة، لكن معظم العوام والخواص لا يعلمون، ولا يتعلمون. كان مولدى، ونشأتى وسكناى، فى المنزل الرابع على يسار الداخل إلى الزقاق، وهو المعروف عند الجميع باسم: بيت العفريت.

أذكر أننى أول مرة نزلت إلى الحارة المتفرعة من الزقاق، لألعب مع بقية أقرانى من صبيان الجيران، سألنى ولد نحيل ببراءة أطفال يلعبون فى الحارات عن المنزل الذى أسكنه، فأشرت إليه ببراءة الأطفال الذين لم يلعبوا فى الحارات، فقال بلا اكتراث، آه، بيت العفريت.. فبقيت من بعدها عدة أيام، حائراً فى صحة هذه التسمية وسببها ومعنى العفريت.

وأذكر أننى سألت أبى عما يحيرنى، فأجاب كالمعتاد بأننى سأعرف كل شىء عندما أكبر، وأفهم. ثم مرت الأيام ومات أبى وكبرت، لكننى لم أفهم شيئاً.. قبل وفاته بعام أو أقل، أجلسنى أبى بجواره فى ظهيرة صيفية واستفسر منى عن سبب شرودى وعما أفكر فيه، فقلت: العفريت. كنت آنذاك فى حدود العاشرة من سنوات عمرى، وكان أبى يجلس فى الصالة مستريحاً بملابسه الداخلية المتهدلة، مائلة اللون، وسط كومة جرائد يتصفح فيها بعين الملل، وكأنه كان يشعر بدنو أجله وضرورة أن أحمل الأمانة من بعده، فقد أفاض فجأة فى الكلام معى على غير عادته، وعرفنى بكثير من الأسرار. قال إنه، رحمه الله، ولد فى يوم مشهود هو الثانى من التاسع من سنة خمس وأربعين وتسعمائة وألف، ساعة أعلنوا انتهاء الحرب العالمية، فاستبشر بمولده الجميع، واختاروا له اسما مميزا هو «شلبى» وصاروا يدللونه فى طفولته باسم ساحر هو «شَـلَبَوب». خشيت يومها أن يطيل أبى كلامه الذى لا طائل تحته، فسألته بمكر الأطفال الذين يظنهم آباؤهم أبرياء، عن ابتداء معرفته بعفريت هذا البيت وعن حقيقة العفاريت عموماً، فأخبرنى بأن فى كل بيت عفريتا لكن العفريت الذى فى بيتنا نفريت، ومريض بحب الظهور والسيطرة وممارسة الألاعيب، ولا يعرف معنى العيب. وقد كان يعيش تحت الأرض مع بقية العفاريت الذين لم يحققوا ذاتهم، وذات ظهيرةٍ غامر المغامرة الكبرى وغافل الجميع وظهر. وكان ظهوره فى يوم قائظ شديد الوطأة جاء بمنتصف صيف السنة الثانية بعد الخمسين، وهو اليوم المعروف الذى صار عيداً للمخدوعين يحتفلون فيه كل عام بالأوهام، نظراً لأن سكان البيت مشهورون بالتدين، والمتدينون يحبون الاحتفال.. استغلالاً لهذه الفرصة النادرة السانحة، سألت أبى إذا كان قد رأى العفريت وتعامل معه، فضحك مستخفاً بسؤالى وقال إن الجميع يعرف العفريت ويتعامل معه، ولكن بشكل غير مباشر. لأن من طبع العفاريت النفور من المباشرة والوضوح، والميل إلى التخفى واللعب من خلف الأستار، والمرح فى الليل، وفى النهار الاستتار للحفاظ على الوقار. قلت لأبى: ولماذا يتعب العفريت نفسه مع الناس؟ قال: لأنهم مصدر قوته الوحيد، وبدونهم لن يجد الاعتراف به كعفريت، نفريت أو غير نفريت. سألت: يعنى، ماذا يريد منهم؟ قال: كل شىء.

وأذكر أن أمى كانت فى طفولتى تتحفنى كل مساء بأشهى مشروب يمكن للإنسان أن يحتسيه، بأن كانت تغلى على نيران «السبرتاية» اللبن وفى غمرة غليانه تلقى فيه بقطعة من شيكولاتة كان اسمها «كورونا» وتقلب برفق حتى تذوب، ثم تصبه لى فى كوب معدنى كنا نسميه الكوز، فأستمتع بالمذاق القوى البديع، وتستمتع هى باستمتاعى. سألتها مرة عمن علمها طريقة إعداد هذا الشراب اللذيذ، فقالت ببساطة إنها فكرة أوحى بها العفريت إليها، فقامت بتنفيذها.. صحت لحظتها ببراءة صغار أوشكوا أن يكونوا كباراً، عاش العفريت، بالروح بالدم نفديك يا نفريت.

ففرحت أمى بى.

■ ■ ■

امتزج العفريت بنشأتى وغاص فى خلالها، فصار كأنه الحقيقة التى لا تقبل الشك. ففى صباح الأحد والجمعة من كل أسبوع، كانت أمى كبقية الجيران تطلق فى البيت البخور البلدى، الذى هو مجموعة من قطع الخشب الصغار مبللة بزيت عطرى، ومبثوث فيه كرات حمراء اسمها: عين العفريت. وفى كل مرة ينفعل أحد أفراد الأسرة، أو أى واحد من الجيران، فإن وصف انفعاله هو العبارة المعتادة: راكبه عفريت، وفى كل مرة أنهى عن الانهماك فى اللعب الطفولى العنفوانى، أنا أو أى ولد آخر، يقال: بطل عفرتة، وإذا أراد أبى، قمع أمى، قال لها مهدداً إن العفاريت تنط أمامه الآن فتسكت من فورها.

قالوا قديماً إن بواطن الأطفال كالشمع الدافئ، تقبل أى نقش. وقد انتقش العفريت فى وعيى فصرت أراه من بديهيات الحياة، ومع ذلك فقد وجدت بعدما كبرت أن بعض زملائى من موظفى الهيئة، كفّار ينكرون كل ما يتعلق بالعفريت، ويسخرون من حديثى عنه بعبارات عامية تدل على جهلهم، مثل: يا عم إيه التخاريف دى.. ربنا يكملك بعقلك، هههه. يا أخى اطلع من نافوخى! وحدها «أم يؤنس» هى التى كانت تهتم بكلامى عن العفريت، بل وتسألنى دوماً عن آخر أفعاله، وكانت تؤكد القاعدة المعلومة من المجتمع بالضرورة: كل خرابة فيها عفريت. والقاعدة الأخرى المعلومة أيضاً بالضرورة، ولا يجوز التهوين منها أو الازدراء لها: لازم نرضى الأسياد.

رضا العفريت صعب، وإرضاؤه عسير، لأنه يفعل أشياء عجيبة ولابد لنا من قبولها مثل حرصه على اختلاس مال الناس المخبوء، وكلما اكتشف المسروق نقص ماله وتدهور رصيده اتهم الذين حوله، وصاح فيهم بما معناه، يعنى فلوسى خدها العفريت! ويثور الجدال ويحتدم، فيضحك العفريت ويمرح كلما تعالت الأصوات بالاتهامات وبدفعها. بعض الجيران من الأثرياء الماكرين تصرفوا فى مواجهة ألاعيب العفريت ورغبته المفرطة فى تجريد الناس مما يملكون، بأن لجأوا إلى حيلة لا تخطر على البال وهى إيداع أموالهم بالخارج. خارج البيت. بيد أن العفريت انتقم منهم بإرسال الكوابيس إليهم أثناء نومهم، وإفزاعهم فى الظلام، ومسهم، فاستسلم بعضهم لمراد العفريت وأعطوه الكثير مما يملكونه فانصرف عنهم، وبعضهم الآخر هاجر وترك البيت بلا نية فى العودة.

ولحداثة سنى نسبياً، وقلة خبرتى فى الحياة، كنت أظن أن العفريت يسعى لسلب الناس أموالهم ويضيع أشياءهم، فقط. لكننى اكتشفت أن الأمر أعمق من ذلك عنده، وأنه فى خاتمة المطاف لابد أن يشعر بسلطانه التام على الناس، باستلاب نسائهم.. «مايسة» زوجتى هى التى نبهتنى لذلك هذه الليلة، ووضعتنى فى مواجهة مع العفريت، فقد أخبرتنى بعد عودتى من عملى الحر متأخراً، بما يجرى من خلف ظهرى منذ فترة. العفريت، أثناء غيابى ونومها يراودها عن نفسها ويجعلها معه مسلوبة المقاومة، تماماً، فثار جنونى وتأكدت شكوكى.

اندفعت غاضباً إلى خارج البيت لأفكر بهدوء، غافلاً عن أننى بابتعادى عن البيت تركت الفرصة كاملة للعفريت، فعربد، فور خروجى من باب البيت، لمحت فى الظلام الإمام «حسنى بلح الزغلول» الذى يؤذن للصلاة ويؤم «زاوية الحلتيتى» المواجهة لمنزلنا، فرحت برؤيته وهمست إليه قبل أن يغلق عليه باب الزاوية لينام. ولما رآنى مقبلاً هش لى وبش، ودعانى للدخول إلى حجرته الداخلية حتى يعود إلىَّ لونى المخطوف، فدخلت معه الحجرة المعتمة وأفضيت إليه بما يضطرم فى صدرى من النيران. أدهشنى أنه لم يندهش مما حكيته، وراح هادئاً يمرر على لحيته أطراف أصابعه، ثم قال بوقار:

- شوف يا «مرقص» يا ابنى..

- مرقص مين يا شيخ حسنى، أنا اسمى مخلص!

- آه، لا مؤاخذة. المهم. موضوع العفريت ده معروف من زمان، ومعروف إن ديله نجس. وطبعاً إحنا مؤمنين بوجود العفاريت، علشان مذكورين فى القرآن، إنما العفريت ده بالذات الحل سهل معاه.

- فرحتنى يا شيخ حسنى، إيه هو الحل؟

- انت من الليلة دى، ولمدة أسبوع، تجيبلى مراتك وتروح بالسلامة، وأنا هاقعد معاها طول الليل، اقرأ عليها..

- تقرأ عليها!

قمت وتركت الكذاب الملتحى، واتجهت إلى الميدان الفسيح مسرع الخطوات، مخنوق الأنفاس. نسمات المساء بوسط الميدان أعادت لى بعض الهدوء، وراقنى السكون فعقدت أصابعى خلف رأسى وعدت بظهرى إلى الوراء حتى تمددت فوق بساط النجيل. شعرت براحة. لا أحد حولى ليعتب علىَّ استلقائى، أو يستغربه، أو يعتقد بسببه أننى ممسوس. السماء الغارقة فى الأسوداد مزدانة بنجوم أشد سطوعاً من المعتاد، والهواء العابر واثق ولا رائحة له، فتوهمت برهة أننى فى الجنة حتى رأيت فأراً سميناً يمر بقربى، ففزعت وقمت من استلقائى مذعوراً ورميت نحوه بحصوة كبيرة، لكنه لم يهتم واستكمل طريقه غير عابئ بى وبما فعلت. فأدركت أنه ممسوس من عفريت يحب التجوال ليلاً.. ما هذا السكون! نظرت يميناً فرأيت بيوت زقاقنا والأزقة الموازية هادئة تماماً، ولا ضوء يأتى من أى طابق بأى بيت. ترى، ما الذى تفعله عفاريت البيوت فى غمرة هذا السكون المعتم؟ ونظرت يساراً فوجدت البيوت البعيدة فى الحى الراقى، القريب، الذى يفصلنا عنه الميدان ومستوى الدخل والأنوار الكثيرة. ليتنى كنت ساكناً فيه، ولكن هيهات، فالواقع واقع والأمنيات صارت كالمستحيلات.. لماذا تركت «مايسة» فى البيت تحت سطوة سلطان العفريت، وماذا أفعل وحدى فى قلب هذا الاسوداد الساكن، ولماذا كانت زوجتى غير فزعة وهى تخبرنى بخطط العفريت، وكيف لها أن ترفض الخروج من البيت معى للبحث عن حل؟.. أسئلة كثيرة ولا جواب على واحد منها، لا بأس، سأبقى هنا حتى تشرق السماء بنور الفجر ويأتى شيخ الجامع الكبير فأستفتيه فى أمر العفريت الذى استبد بنا وكشف عن نواياه الحقيرة بعد طول استتار.. وسوف أتسلى حتى ذلك الحين باستدعاء بعض الذكريات السعيدة من آبار الماضى البعيدة، عميقة الغور.

■ ■ ■

«مايسة» هى أجمل ذكرياتى، مع أن لقائى الأول بها كان مفاجأة غير متوقعة، أو صدفة سعيدة. فبعد وفاة أبى المبكرة، قاومت أمى عوامل الفناء بالبكاء، وساندتنى حتى توجت مسيرتى الدراسية بالنصر وحصلت على دبلوم الصنايع، وبعد فترة قصيرة نسبياً لم تتجاوز أربعة أعوام، استطعت الحصول على وظيفة ثابتة فى أرشيف الهيئة العامة لرعاية العاطلين عن العمل وعن الحياة الكريمة وهى أهم مؤسسة فى قطاع السبهللة بوزارة الاستجداء. لكن الراتب الشهرى لم يكن يكفينى، فبحثت عن وظيفة ثانية حتى وجدت الفرصة فى السوبر ماركت الكبير، فتحسنت ظروفى المالية ولم أعد قادراً على مدافعة إلحاح أمى الدائم وتشجيعها لى على الزواج.

ماتت أمى يوم عيد ميلادى الذى بلغت فيه الثلاثين من عمرى، فأردت إحياء ذكراها بتحقيق حلمها وبحثت عن عروس بين بنات الجيران فلم أجد من تناسبنى لأنهن جميلات، ومن المتوقع أن تثير أية واحدة منهن اهتمام العفريت، وهو الأمر الذى يجب أن أتحاشاه. سألت زملائى فى العمل. فلم يهتم معظمهم بالأمر، غير أن طيبة القلب «أم يونس» رشحت لى ابنة ابن عم زوجها «مايسة» ودفعتنى لرؤيتها، فكانت المفاجأة والصدفة السعيدة وإذ وجدت العروس لا تثير الاهتمام كأنثى وتؤمن بوجود عفريت فى كل بيت وتتقن كثيراً من التعاويذ ولا تتكلم فى الأمور العمومية المهلكة وتهوى متابعة المسلسلات التليفزيونية.. هى إذن الزوجة المناسبة، وقد وضعتها الأقدار فى طريقى استجابة لأدعية أمى، رحمها الله.

بعد رؤيتى لمايسة التى يدللونها باسم «ميس» مع أنها لا تعرف الميس، وليس لها من اسمها الأصلى أى نصيب، أمضيت ستة أشهر فى تفكير عميق، حتى احتك بى العفريت عدة ليلات متتاليات، فحزمت أمرى والتمست من «أم يؤنس» أن ترتب لى لقاء منفردا مع «مايسة» فى كافيتريا السوبر ماركت الكبير. وقد كان، وتم اللقاء الأسطورى الذى لا ينسى مدى الحياة، حيث جرى بيننا الحوار المحفور فى ذاكرتى كالأخدود:

- صباح الخير يا أخت مايسة.

- صباح النور، وبعدين.

- أبدا، أنا بصراحة من يوم ماشفتك وأنا معجب..

- نعم: انت بتقول إيه.

- قصدى يعنى، عاوز أتقدم لك ونتجوز.

- الموضوع ده فى إيد بابا، تقدر تتكلم معاه وشوف هيقولك إيه. فيه أى حاجة تانية؟

- كنت أحب أعرف رأيك انت الأول.

نظرت نحوى بعين أرعبتنى، وشعرت بأن عفريتاً سوف يركبها فقلت لها متلعثماً إننى سأزورهم فى البيت يوم الجمعة. أبوها اشترط إتمام الخطبة بعد أسبوع والزواج بعد شهر، مادامت شقتى موجودة ومفروشة منذ ثلاثين سنة، وختم كلامه بعبارة حاسمة: أما حكاية العفريت بتاع بيتكم، بنتى تقدر تعفرت اللى خلفوه!.. رجوته ألا يستهين بالعفريت، وأخبرته بأنه أصيل وسليل أربعة آباء من عتاة العفاريت، ولهذا نسميه «أبوربيعة» فاستهان بما أقول وقال: ولا يهمك منه.

يوم الخطوبة وليلة الدخول، كدت أطير من فيض الفرح الغامر.. وأدركت فى هذين اليومين، سبب تسمية الخطوبة والزواج: الفرح.

■ ■ ■

أشرقت أنوار النهار وعلى وجهى ابتسامة السعادة بالذكريات، مع أن اقترانى بزوجتى «مائسة» غير المائسة، لم يمر عليه إلا ثلاثة أشهر.. شعاع الشمس أيقظنى من السباحة فى الماضى، وردنى إلى الحاضر الحالى فقمت مسرعاً من قلب الميدان إلى شقتى، لأطمئن على امرأتى التى تركتها فى إهاب أبى ربيعة. وجدتها نائمة، هانئة، ولما أيقظتها تمطت وارتعشت نشوانة وسألتنى عن سبب إيقاظى لها، فأجبتها بأننى أريد أن أطمئن عليها وعما جرى مع العفريت. ابتسمت لأول مرة منذ زواجنا، وعاودت الاستلقاء بعدما قالت، بنبرة رخيمة:

- خلاص بقى، متشغلش بالك بالموضوع ده..

- إزاى بس يا مايسة؟

- عادى يعنى، زى كل الناس.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق العفو الدولية: السلطات طردت نصف مليون شخص من منازلهم في جنوب شرق تركيا
التالى سفارة أمريكية مزيفة عملت في غانا لمدة عشر سنوات