أخبار عاجلة
تارانتينو مخرجاً للعالم -

حكاية ليلة واحدة

حكاية ليلة واحدة
حكاية ليلة واحدة

كان يسير فى غير هدى عندما توقفت السيارة البيضاء بجواره، وأشار له السائق فخم السمت بالركوب. لم يتردد. كانت الشمس قد ارتفعت فى كبد السماء ورفعت معها أى أمل فى قدوم المقاولين الذين يتخيرون الأنفار. وبرغم أنه عمل شاق يستغرق النهار بطوله، وبرغم تدافعهم للركوب بالأكتاف والمناكب، وبرغم سمات الفقر التى تطبعهم جميعا، فقد كان هذا هو سبيله الوحيد للعيش، منذ أن غادر قريته الموغلة فى أعماق الصعيد، المنكوبة بالفقر والجوع، هربا إلى العاصمة، باحثا عن القوت.

■ ■ ■

بمجرد أن ركب السيارة، فى المقعد الخلفى، حتى أحس بفخامته. الهواء المكيف النقى، المختلف كليا عن هواء العاصمة، والمعطر برائحة زكية غامضة بعيدة لا تستطيع وصفها، وربما تتحير فى وجودها من الأصل، والمقعد الوثير الذى يغوص فيه، والموسيقى الهادئة التى تصدح من لا مكان.

لزم الصمت تهيبا، مرت الدقائق مستكينا بالراحة، ثم توقفت السيارة أمام قصر أبيض، انفتح باب خفى فى جدار القصر فدلفت فيه السيارة فى هدوء ويسر.

انفتح باب السيارة واختفى السائق فى غمضة عين. وبقى هو يسدد النظر حوله، منتظرا أن يخبره أحد بالمطلوب منه. زعق بصوته مناديا، فرنّ صوته فى صمت القصر فانزعج منه. ظل واقفا حتى شعر بضرورة التحرك. تلفت يمينا ويسارا فألفى درجا صاعدا إلى أعلى. ثم لم يلبث الدرج حتى أسلمه إلى بهو عريض. صاح بصوت منخفض مناديا أصحاب القصر، إلا أن أحدا لم يجبه. صفق بيديه فى احتشام ثم سار فى تردد، مقلبا النظر بين اللوحات البديعة ذات الإطار الفخم، والمقاعد الصغيرة الأنيقة والسجاد الوثير. خلع حذاءه المهترئ وظل يسير لدقائق حتى لمح فتاة منسدلة الشعر يصل إلى خصرها واقفة فى هدوء. اقترب منها وقد أبطأت خطواته، أشارت إليه أن يتبعها. دخل حماما أوسع من بيته، بمرايا مصقولة ورخام ذى ألوان هادئة وصنبور ذهبى ينصب منه الماء الدافئ إلى حوض واسع مزين بالنقوش.

■ ■ ■

خلع ثيابه فى بطء. واندس فى الحوض الواسع المغمور بالمياه الدافئة. وتصاعدت فى الأنحاء رائحة زكية كادت أن تفقده وعيه. ومضى يدعك جسده فى همة، واثقا أنها الفرصة الوحيدة التى يحظى بحمام كهذا. وما لبثت الفتاة أن دخلت عليه فى غلالة رقيقة، ثم شرعت تدعك ظهره فى همة حتى شعر باسترخاء لم يشعر به فى حياته. شرعت تصب عليه الزيوت المعطرة وتقلم أظافره وتحك قدميه وأصابعه الخشنة، والتى اكتسبها من العمل اليدوى، حتى ظهرت تلك الطبقة الناعمة التى هبط بها من رحم أمه.

ثم اختفت الفتاة دون أن يجرؤ أن يمد عليها يدا. غرابة ما يحدث ألزمته الحذر، وانغمس فى الماء الدافئ، شاعرا أنه يولد من جديد.

■ ■ ■

قام من الحوض الدافئ مستنشقا العبير الزكى حتى الثمالة. اختفت ملابسه الرثة القديمة ووجد عوضا عنها ثيابا حريرية مزركشة تناسب جسده. ارتداها فى سرور تخالطه الريبة. ثم خرج من الحمام فلم يجد أحدا ينتظره. مضى بخطوات مترددة فوجد قاعة طعام. المائدة عامرة بأطايب الأكل، أكل كما لم يأكل من قبل، وشرب حتى الثمالة. غاص فى السرير الوثير، وقد استغرقته النشوة فأحس أنه يمتلك العالم، وليس فقط تلك الجارية التى اندست فى فراشه، ولم تجِب عن تساؤلاته الكثيرة إلا بالابتسام.

■ ■ ■

وفى الصباح التالى وجد نفسه فى الشارع، مرتديا أسماله البالية، فيما عدا رائحة خفيفة ما زالت ملتصقة به. رائحة النعمة، التى لا يدرى هل ذاقها بالفعل أم كان يتوهم؟

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق الأرانب وكرة القدم المصرية
التالى رباط عنق أسود من فضلك