Propellerads

نحن ما بين الذكاء والغباء- بحث شبه سياسى

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة

من حوالى خمسة عشر عاماً اتصلت بأحد أصدقائى وكان يعمل معى بكلية الطب ولكن بقسم مختلف وذلك للاطمئنان على نتيجة ابنه فى امتحان الثانوية العامة. وأجابنى ضاحكا لقد حصل على المركز الأول وبدون منازع بمجموع أكثر من 99 فى المائة. وكان يعنى أنه لم يكن مكررا فى الترتيب مع أحد بنفس المجموع. وعندما سألناه كأب عن كيف نمّا قدرات ابنه ليصل إلى هذا المستوى. وعرفت منه أنه درس ذكاء وإمكانيات ابنه ووجدها ليست أعلى بالكثير عن المعدل المرتفع السائد بين عشرة بالمائة من أقرانه. وكانت خطته أكثر من ممتازة. وقال ببساطة: الخطة كانت «تحسين خطه فى الكتابة باللغة العربية»، فقد أمضى العديد من شهور الصيف فى دروس للغة العربية وتعلم الكتابة بخط عربى جميل. وطبعا ساعدته أمه بجلسات إملاء من أى مقالة من الصحف ليراجعها مدرس اللغة العربية ويعطى رأيه فى جمال خطه. وطبعا تدرجت أمه فى سرعة الإملاء ليتعلم الكتابة السريعة بخط جميل مقروء. وقال مستدركا: فأنا وأنت نعلم أننا نظلم طالب الطب صاحب الخط الردىء لأننا ببساطة قد لا نفسر جزءا كبيرا مما كتبه فى كراسة الامتحان ونضع له تقديرا أقل من بقية زملائه وفى الكثير من الأحيان غيظا فيما عانيناه من فك طلاسم خطه!

وعمل العديد من الزملاء والأصدقاء وأصدقاء الأصدقاء بهذه الخطة مع أبنائهم فى شهور الصيف قبل بداية العام الدراسى. ولكن العديد منهم اشتكى بحزن من أن تحسن نوعية خط ابنه لم يؤثر فى النتيجة النهائية المتوقعة للامتحان، وأن بعض أبنائهم لاهتمامه بالكتابة بخط جميل لم يسعفه الوقت للتفكير والإجابة عن كل أسئلة الامتحان.

(1)

ونحن كمعلمين بالجامعة يغلب حكمنا على درجات ذكاء أى طالب على مستوى تقديره النهائى مقارنة بزملائه.

ولكن هل هذا حكم صحيح؟ وهل ينفع هذا لتقييم ذكاء ونجاح أى طالب جامعى فى تخصصه وبالتالى أن نقيم درجة ذكائه فى عمله ودرجة نجاحه فى المستقبل.

وفى سنة 1985 قام عالم الأمراض النفسية الأمريكى هاورد جاردنر (Howard Gardener) بتقسيم أنواع ذكاء الإنسان إلى تسعة أنواع: 1- ذكاء اللغة ويشمل كل ما يخص مفردات اللغة وقدرة الحفظ وتذكر الكلمات والجمل اللغوية (شاعر، كاتب، رجل دين أو مقرئ). 2- ذكاء الأرقام من فهم وتعامل مع الحساب وعلوم الإحصاء (مهندس- محاسب). 3- ذكاء التعامل مع المحيطين به (علاقات عامة- مقدم برامج). 4- الذكاء الفلسفى وفهم ما يخص مناقشة النظريات الفلسفية بمثابرة وعمق. 5- الذكاء الموسيقى وما يخص حاسة السمع (كلاسيك أو موسيقى حديثة). 6- الذكاء فى التناسق العضلى مثل الرقص والتفوق فى مختلف أنواع الرياضة. 7- ذكاء التواصل بقضايا المجتمع والتفاعل معه (سياسى- جمعيات خيرية). 8- ذكاء الصور أو معرفة الأفراد والأحداث كصورة 9- ذكاء وفهم وحب الطبيعة المجردة حولنا (الرحلات، الغابات، المناظر الطبيعية).

وأشار إلى أن الإنسان الطبيعى قد يتمتع بدرجات متفاوتة فى درجة الذكاء لأى من هذه النقاط وقد تتراوح من مستوى حاد الذكاء فى بعضها إلى متوسط أو قليل الذكاء فى نقاط أخرى.

وفرضا أننا نقيم متوسط درجات الذكاء فى كل من النقاط التسع السابقة بأرقام أو نسبة مئوية أو بصفات مثل ممتاز، جيد جدا إلى ضعيف، راسب أو بأحرف مثل (A، B، C..) كما تقدرها بعض المدارس والجامعات. فهذا هو التقييم الدراسى لذكاء الطالب وليس التقييم الصحيح لنجاحه فى معترك الحياة لاحقا.

ونحن نقول بكل ثقة إن لاعب الكرة البرتغالى«رونالدو» حاد الذكاء، كما نصف عالم الفيزياء الألمانى«أينشتاين» بأنه نابغة أو شديد الذكاء. فالأول له قدرة ومهارة فى التحكم بكرة القدم (ذكاء عضلى) لم يصل لها العديد من منافسيه. إلا أنى أثق أنه لا يستطع مثلى فهم أو شرح نظرية «أينشتاين» فى النسبية، والثانى مع ما وصل إليه من شهرة ومجد فى علم الفيزياء فقد قيل إنه عانى من صعوبة القراءة والكلام فى صغره حتى إنه وصف بأنه ربما عانى من درجة من مرض «التوحد» الذى يصيب الأطفال وهو فى بداية دراسته، وأيضا لم يعرف عنه أى ذكاء عضلى فى صغره.

إذا أصبحت كلمة الذكاء أو الغباء لا تعنى كلمة مطلقة ويجب أن توصف فى المحيط الخاص بعمل كل إنسان لإصدار حكم صحيح عليه. ولاحظنا بعد أن أنهينا الدراسة بكلية الطب وفى وسطنا الطبى وقياسا عليها فى أى مهنة أخرى أننا قد نجد طبيبا قد تخرج من كليته بتقدير ممتاز وهو حاد الذكاء فى التشخيص والعلاج ولكن سبب فشله أنه متوسط أو ضعيف فى الذكاء الاجتماعى، ولاحظنا أيضا أن العكس صحيح تماما مع طبيب ضعيف فى عناصر مهنته ولكنه حاد الذكاء الاجتماعى!!

(2)

ولكن هل تعتبر نفسك إنسانا ذكيا أو قليل الذكاء (عذرا غبى)؟ أو بصيغة أخرى إذا سئلت بهل تعتقد أنك لو كنت مكان رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو فى أى منصب قيادى آخر أو لو أنك أصبحت تدير شركات كبرى مثل شركات «ياسين منصور» أو «صلاح دياب» أو «نجيب ساويرس» والعديد غيرهم فستحقق نهضة ونتائج وإصلاحا أعظم من أدائهم الحالى كل فى مجاله؟

قد تبدو الإجابة بعد بعض التفكير منك بسيطة على هذا السؤال بكلمة «نعم» أو «لا». ولكن قياسا على إجابتك فيمكن بمناقشة أسباب إجابتك أن تصنف بالذكاء أو الغباء!!

وأهمية تقدير الذكاء بالإجابة على نوعية مثل هذا السؤال لم تؤخذ اعتباطا، فلقد حصل كل من عالمى الأمراض النفسية دانينج وكروجر (Dunning &Kruger) على جائزة نوبل سنة 2000!! عندما قدما أبحاثهما على مجموعة من الطلبة بعد أن انتهت من أحد الامتحانات. وكان من بين هذه الأبحاث سؤال فى غاية البساطة: ماذا فعلت فى الامتحان؟ أو ما هو تقديرك المسبق لنتيجتك النهائية؟ وتنوعت الإجابات بين ممتاز، جيد، إلى ضعيف. وقارنا التقدير الشخصى الذى وضعه كل طالب لنفسه إلى النتيجة النهائية، فبعض الطلبة حصل على التقدير الذى توقعه، والبعض على تقدير أعلى مما توقعه، ونسبة تصل إلى 12 بالمائة حصل على تقدير أقل بكثير مما توقعه، واعتبر العالمان أن قليلى الذكاء هم المجموعة الأخيرة التى تعطى لنفسها تقديرا أكثر من إمكانياتها سواء قد حصل على تقدير مقبول أو ضعيف وكان تقديره لنفسه أنه سيحصل على درجة جيد جدا أو ممتاز.

(3)

ولكن ما هو تعريف الإنسان الغبى؟ وهذا التعريف لا يمكن أن يكون ببساطة أن الغبى يساوى ضعيف الذكاء!!

ففى أوائل الخمسينيات قام الاقتصادى الإيطالى كارلو سيبولا (Carlo M. Cipolla) بنشر مقالة هامة عن تعريف الغباء والأغبياء وكان عنوانها: القوانين الأساسية فى الغباء البشرى (The Basic Laws of Human Stupidity)

وفى هذه المقالة قسم القدرات العقلية للبشر إلى أربع شرائح: الأولى هى شريحة الأذكياء أيا تفاوتت درجة ذكائهم، وثلاث شرائح للأغبياء، وقسم شريحة الأغبياء إلى: الغبى قليل الحيلة الذى لا يجيد التصرف فى المواقف العادية والغبى الذى إذا تعاملت معه فغالبا قد يضرك وهو فى الكثير من الأحيان قد يضر نفسه، وأخيرا الغبى الذى يتعمد قاصدا عامدا إلحاق الضرر بالناس ولا يقدر حجم هذا الضرر مقارنة بما كسبه، مثل الأغبياء من اللصوص والقتلة.

وذكر فى مقالته أنه قام بهذه التقسيم حسب خمس قواعد أو قوانين: 1- لا يمكن لأحد منا معرفة كم وعدد الأغبياء فى المجتمع المحيط بنا. 2- تواجد الأغبياء لا يعتمد على جنس أو مجتمع أو حتى درجة التعليم. 3- الغبى من يسبب الخسائر لمن حوله دون أى مكاسب شخصية. 4- نحن دائما نقلل من القوة التدميرية للأغبياء وننسى بمرور الوقت حجم الدمار الذى ألحقوه بنا. 5- أن أسوأ وأخطر أنواع الأغبياء هو رقم (3) أو الغبى الذى إذا تعاملت معه يضرك ولا يعلم حجم هذا الضرر ولا يحيد عما فعله.

وشدد «سيبولا» فى مقالته على أهمية معرفة كل من كان له سلطة وهو من الأغبياء لأن أضراره بالمجتمع تكون فاحشة وغير منطقية. وهذه الأضرار فى حال وقوعها تحتاج إلى الكثير من الجهد والمال والزمن لإصلاحها فى حين أنه يمكن تفاديها بالتعرف على مثل هذا الغبى مهما كانت درجة ذكائه والمسارعة بإقصائه عن صنع القرار. واعتبر أيضا أن مثل هذا الغبى وبعكس ما نتوقع أخطر من اللص أو القاتل الغبى، فالأخير لوضوح غبائه يمكننا معرفته وعزله عن المجتمع.

فإذا تأملنا محصلة حجم ما فعله غبى تقلد السلطة وأعنى بذلك الرئيس الألمانى «هتلر»، فيكفى أن أذكر أن فى نهاية عهده أو الحرب العالمية الثانية قد وصل عدد القتلى إلى ثمانين مليونا مع دمار شامل لألمانيا العظمى وهى كانت فى هذا الوقت من أقوى الدول فى مختلف المجالات.

فهل كان هتلر قليل الذكاء؟ الإجابة هى «لا»، فهو قطعا مرتفع الذكاء ليصل بذكائه لرئاسة حزبه ثم رئاسة ألمانيا!! ولكن للأسف لم يعرف معظم من حوله فى الوقت المناسب قدر ونوع غبائه الذى أضر بمن حوله عظيم الضرر وأضر بنفسه شديد الضررعند انتحاره بعد هزيمته!!

وفى رأيى أنه لكى نحكم على قدراتنا العقلية أو قدرات الآخرين يجب أن نربط فى هذا الحكم بين صفتين مختلفتين تماما فى معاييرهم، أى صفة «الذكاء» و«الغباء»، واللتين تتواجدان فى كل إنسان بدرجات مختلفة. ولأن الذكاء سهل معرفة قدره وتحديده، فى حين أن قدر ونوع الغباء يصعب اكتشافه وتحديده، فنجاح أى اقتصادى أو مسؤول بالدولة وهو قطعا من الأذكياء لا يتوقف على اختياره على مرتفعى الذكاء فقط ولكن يتوقف على متابعته لعلامات غبائهم سواء لإصلاحها أو لسرعة اختيار بديلا لهم، فتقدمه يقدر بميزان حكمه للعاملين معه وليس فقط على درجة ذكائهم ولكن على ما يظهر تدريجيا من درجات الغباء!!

(4)

ولأن فى وقتنا الحالى أصبح أكثر من نصف تعداد مصر يتكلم فى السياسة والاقتصاد، وأيضا لأنى حاولت من وجهة نظرى الشخصية أن أشرح معنى الذكاء والغباء فأنا أرجع لسؤالى السابق «هل تعتقد أنك لو كنت مكان رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو من كبار رجال الاقتصاد فستحقق نهضة وإصلاحا أعظم من أدائهم الحالى؟».

وأعتقد أنك من الذكاء لتجيب على هذا السؤال بسؤال آخر: «هل سيكون أداؤك أنت أفضل لو كنت مثلا مكان رئيس الجمهورية؟».

وبعد بعض التفكير منى ستكون إجابتى الصادقة هى: أنا لا أستطع الإجابة ولا أعلم الرد الصحيح لهذا السؤال.

فأنا لكى أكون «عادل» فى حكمى يجب أن أكون محايدا ولا يتأثر حكمى بالعاطفة، ولكن فى هذه الحالة فقد أيدته وكنت ممن ساروا فى مظاهرات 30 يونيو لإسقاط الحكومة الفاشية الدينية، ولن أكون «زكى» وأعنى (ذكى) لأختار إحدى الكلمتين وأفسرهما لاحقا لأعدد أسباب اختيارى. فأنا أعرف تقريبيا قدر ارتفاع ذكائه وقدر ذكائى (؟)، ولكن أنا لا أعرف بدقة قدر ذكاء مستشاريه وموظفيه ومن سيصبحون موظفين لأىٍ كان رئيس الجمهورية الجديد!!

أخيرا فالحكم الصحيح على ذكاء وكفاءة أى مسؤول سياسى أو اقتصادى هو محصلة جمع ذكائه وذكاء العاملين معه،.. آه.. آسف.. لقد نسيت الأخطر والأهم.. وأيضا مجموع أعمال المحيطين به من الأغبياء!!

*أستاذ القلب – جامعة القاهرة

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق