أخبار عاجلة
تفكيك خلية إرهابية في عدن -

من العدو... ومن الصديق؟

من العدو... ومن الصديق؟
من العدو... ومن الصديق؟

فى سنواتنا الأخيرة، اختلط الحابل بالنابل. ولم نعد نعرف فى علاقتنا المحلية والعربية والدولية من العدو ومن الصديق. غاب الوضوح فى الرؤية للمصالح وللدور الوطنى. واختفى شعار «نصادق من يصادقنا، ونعادى من يعادينا» أو «نحارب من يحاربنا ونسالم من يسالمنا». والأمثلة على ذلك كثيرة.

كان النضال الوطنى منذ احتلال مصر 1882 واحتلال إنجلترا لمصر ضد الاستعمار. وقامت ثورة 1919 وثورة 1952 من أجل الدفاع عن الاستقلال الوطنى للبلاد. وكانت الحركة الوطنية المصرية ممثلة فى لجنة الطلبة والعمال عام 1946 تهدف لتحقيق الاستقلال، «الاستقلال التام أو الموت الزؤام»، وضد القصر والباشوات فى الداخل. وفى ثورة 1952 كانت المبادئ الستة واضحة: محاربة الاستعمار، والملكية، والإقطاع، والفساد، والتحقيق فى مقتل حسن البنا، وإقامة مجتمع الحرية والمساواة، وإقامة حياة نيابية سليمة، والقضاء على فساد الأحزاب، وتزوير الانتخابات. وكانت ثورة الربيع العربى تهدف إلى تحقيق مبادئ أربعة: الخبز، والحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية. كما كان شعار الثورة الفرنسية المبادئ الثلاثة: الحرية، والإخاء، والمساواة. وكما حددها المفكرون الأحرار، فولتير، ومونتسكيو، وروسو.

والآن انقلبت الأمور رأسا على عقب. وأصبح الشعار «نصادق من يعادينا، ونعادى من يصادقنا» و«نسالم من يحاربنا، ونحارب من يسالمنا». فلم نعد نعرف من العدو، ومن الصديق؟ نجعل العدو صديقا، والصديق عدوا. فإسرائيل أصبحت صديقا بعد عقد معاهدة السلام معها قبل الانسحاب من جميع الأراضى المحتلة فى الضفة الغربية والجولان، وكامل السيادة على سيناء، وليس فقط استردادها منزوعة السلاح. وأمريكا التى كانت نموذج العدو للوطن العربى صادقناها وتحالفنا معها. وهى التى تمد إسرائيل بالسلاح. وصديق عدونا عدو. وروسيا التى كانت صديقا لنا، وساعدتنا فى بناء السد العالى والتصنيع، وأمدتنا بالسلاح، وأيدتنا فى المحافل الدولية أصبحت عدواً لنا لمجرد وقوع طائرتها فى مصر. والأخطر هو ضرب سوريا بالطائرات دفاعا عن نظام الاستبداد فتحول الشعب السورى إلى نصف مهاجرين ولاجئين، ونصف قتلى من الأطفال والنساء والشيوخ. ومصر مكتوفة الأيدى ماذا تفعل؟ وفى مؤتمرات السلام تـُدعى روسيا وأمريكا وتركيا وإيران مع استبعاد مصر، وكأن سوريا لم تكن الحليف الأول لمصر، وكونتا معا أول تجربة وحدوية فى العصر الحديث «الجمهورية العربية المتحدة» (1958-1961). وحمل السوريون عربة عبدالناصر على الأكتاف فى زيارته إلى دمشق. وإيران التى أخذها عبدالناصر صديقا لشعبها أيام حكم الشاه وكان يؤيد مجاهدى خلق ويمدها بالسلاح أصبحت الآن عدوا منذ الثورة الإسلامية فى 1979 خوفا من امتدادها إلى مصر، وهو العام الذى عقدت فيه معاهدة السلام مع إسرائيل. وتركيا التى تتجه الآن شرقا بعد أن تردد الغرب فى قبولها فى الاتحاد الأوروبى. وأرادت أن تعود إلى روحها فى أفريقيا وآسيا عاديناها لمجرد وجود خصوم مصر السياسيين مهاجرين إليها خوفا من الاعتقال.

وبعد أن كنا معادين للرجعية والرأسمالية صادقناهما وأصبحنا نعتمد عليهما فى تمويل المشروعات التنموية كمصادر للتمويل والقروض. صادقنا الرأسمالية ورجال الأعمال وكبار التجار الذين نهبوا قوت الشعب. ووضعنا سقفاً للحد الأدنى للأجور، ولم نضع سقفا للحد الأعلى الذى يصل إلى الملايين شهريا لدى الفنانين والإعلاميين وكبار الضباط. عادينا بدو سيناء بعد أن صادقتهم إسرائيل سنوات الاحتلال فكسبت قلوبهم بعد أن قدمت لهم الخدمات المطلوبة دون أن تتكلم عن ضرورة تعمير سيناء. واجهناهم بالسلاح بحجة التكفيريين فسالت الدماء من الطرفين، الجيش وسكان سيناء والكل مصرى. ودمهم مسؤولية نظام الحكم المسؤول عن حياة الناس. عادينا الحركات الإسلامية واليسارية ووضعنا أنصارهما فى المعتقلات والسجون بلا محاكمات بل باختفاء قسرى. يدخلون الحبس الاحتياطى بقرار رئاسى. ويخرجون بقرار رئاسى بواسطة لجان الشباب. ومن الطبيعى أن يكون فى المجتمع يمين ويسار، حكومة ومعارضة، ساقان تتحركان وإلا أصبح المجتمع أعرج بلا حراك. عادينا المقاومة الفلسطينية، أغلقنا عليهم بوابة غزة والقطاع محاصر من إسرائيل برا وبحرا وجوا. فشاركنا فى الحصار. وهدمنا الأنفاق التى كانت شريان حياة للقطاع بدعوى تهريب السلاح والتكفيريين لسيناء. وأقمنا شريطا حدوديا بيننا وبين القطاع. وهو ما كانت تتمناه إسرائيل دائما. واعتبرنا «حماس» منظمة إرهابية، وليست جناحا للمقاومة الفلسطينية. وبدأنا نعادى مجانية التعليم، ونصادق المصروفات. فأصبح التعليم تجارة، خاصة التعليم المفتوح بين الأستاذ والطالب والجامعة كوسيط. وصادقنا التعليم الخاص، مدارس وجامعات. يدفع فيها التلميذ والطالب بالآلاف. ويتكلمان باللغة الأجنبية. وقلدتهما الجامعات الحكومية. فكانت هناك تجارة «إنجلش» وحقوق «إنجلش»، واقتصاد وعلوم سياسية «إنجلش». وربما يأتى دور الآداب «إنجلش». عادينا الفقراء فى الضرائب مثل القيمة المضافة، وصادقنا الأغنياء أصحاب العقارات والتجارة بالدولار. فارتفع سعره أكثر من ضعفين أو ثلاثة أضعاف. وانخفض الجنيه المصرى. والفقير لا يجد هذا ولا ذاك. عادينا الإعلام الحر، وقبضنا على الصحفيين. وأغلقنا النقابات وصادقنا المبررين والمصفقين لكل نظام. عادينا الحكم المدنى الديموقراطى وصادقنا الحكم العسكرى. عادينا الحرية، وصادقنا الاستبداد. عادينا الأعمال، وصادقنا الأقوال بدعوى «إنما الأعمال بالنيات». عادينا استقلال الجامعات، وصادقنا الأمن. وتحولت الجامعات إلى معسكرات كبيرة داخل المحاضرات والحرم الجامعى الذى لم يعد حرما بعد أن انتشر فيه رجال الأمن. وأقيمت فيه الحواجز. عادينا العشوائيات وأعطيناها الوعود وراء الوعود، مع أن المليارات المهربة تكفى لإعادة بنائها وإسعاد الملايين. وصادقنا أصحاب التجمعات الجديدة. وهيأنا لهم كل أساليب الراحة من ماء نظيف، وصرف صحى، وطرقات ممهدة، وأمن ضد الحرائق، والهايبر ماركت الذى به كل شىء، ووسائل الترفيه من حدائق، وحمامات سباحة، وملاعب جولف، وملاعب للأطفال غير أطفال الشوارع. عادينا الأمانة فى كتابة التقارير للأجهزة الرقابية والجهاز المركزى للمحاسبات. وصادقنا الفساد، والاستيلاء على أراضى الدولة، وتهريب الأموال وغسلها. عادينا القانون، وصادقنا الرشوة فى مخالفات المرور، والتعجيل باستخراج تصاريح المرور. عادينا الحقوق والواجبات. وأصبح المواطن لا حقوق له ولا واجبات عليه. وصادقنا الواسطة وكبار المسؤولين لخرق الحقوق وإهمال الواجبات.

وكانت النتيجة هجرة الأوطان هجرة شرعية، والوقوف أمام السفارات والقنصليات الأجنبية من الصباح الباكر فى طوابير لاستخراج تأشيرة دخول. وهى فى الحقيقة تأشيرة خروج، بدلا من الموت غرقا فى البحر فى هجرة غير شرعية للوصول إلى الجانب الآخر من المتوسط. فالغرق بإرادة القدر خير من الموت جوعا. والبعض يفضل الموت حرقا كما كان يفعل البوذى فى فيتنام احتجاجا على الغزو الأمريكى لبلاده، وكما فعل بوعزيزى فى تونس احتجاجا على إهانته من شرطية امرأة وهو يصارع من أجل لقمة العيش. وقد كانت هذه الإهانة سبب تفجير الربيع العربى فى مصر وليبيا وسوريا واليمن دفاعا عن الكرامة الإنسانية. والبعض يفضل الخيانة للوطن حتى يعيش بالانضمام إلى «داعش» أو الهجرة إلى إسرائيل أو يعمل لصا فى بلد لا يخلو من اللصوص، أو بلطجيا الدولة فى حاجة إليه بجانب الشرطة والأمن. فأصبحنا لا نعرف من الشرطى ومن البلطجى.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق الحكومة تقر آلية طارئة لتوزيع النفط بمأرب اثناء صيانة المصفاة
التالى رباط عنق أسود من فضلك