أخبار عاجلة

موعظة 11/11.. نمرود بين البعوضة والمسمار*

موعظة 11/11.. نمرود بين البعوضة والمسمار*
موعظة 11/11.. نمرود بين البعوضة والمسمار*

(1)

تقول الأسطورة إن الله عاقب نمرود بن كنعان، فسلط عليه بعوضة دخلت في أنفه واستقرت في رأسه ومكثت تأكل من دماغه طوال 400 سنة مثل مدة حكمه للأرض وتجبره على الناس، فكان يضرب رأسه بالنعال حتى أمر السياف بضرب رأسه بالسيف، وحينها هلك النمرود ولم تصب البعوضة إلا بقطع في جناحها، فذهبت إلى الله جل علاه تشتكي فقال لها: لك الدنيا وما فيها. فقالت البعوضة: لا أريد الدنيا.. أريد أن يرجع جناحي كما كان. فقال تعالى إن الدنيا لا تساوى عنده جناح بعوضة.

(2)

سمعت قصة نمرود، ضمن حواديت الطفولة التي شكلت خيالي، ولما كبرت اهتممت بمعرفة الفوارق والاختلافات بين الروايات الشعبية والتوراتية والقرآنية لقصة أول جبار في الأرض، وأدركت أن «دلالة القصة» أهم من تفاصيلها، فالقوة وحدها لا تستطيع أن تضمن المُلك، بل ولا تحمي صاحبها، فكما في قصص جبارين كثيرين، يخلط الناس التفاصيل، فتتشابه قصص الطغاة ونهاياتهم، حيث يحكى أن نمرود رأى حلما اختفت فيه الشمس وظهر مكانها كوكبٌ صغير في السماء، ولما طلب تفسير الحلم من الكهنة والمنجمين، أخبروه أن اختفاء الشمس نذير لاختفائه واختفاء ملكه على يد مولود جديد، فأمر بذبح كل غلام يولد، ونجا سيدنا إبراهيم الذي تحدى ربوبية نمرود وأصنامه، وهكذا تشابهت القصة مع قصة فرعون وسيدنا موسى، لإعادة إنتاج عبرة الطاغية الجبار الذي تقضي عليه قوة أصغر بشكل غير متوقع

(3)

المؤسف أن الخط الأساسي لقصة نمرود يتكرر في كل العصور، ولا أحد يتعظ، ليس في قصور الحكم وفقط، لكن في ملاعب الرياضة، وأسواق المال، وعروض الأزياء، وجمال الوجه، والقوة البدنية، والمفاخرة بالعزوة أو الولد. الاغترار والطغيان آفة كل عصور وكل الطبقات، وأراهنكم أن كل واحد منكم لو هرش في دماغه هرشة سيتذكر قصة لطاغية دارت عليه الأيام.. قد يكون زميل بلطجي في فناء المدرسة، أو صبي مشاكس من أولاد الجيران، أو شاب مفتول العضلات يقدم عضلاته على عقله، أو حسناء تددلت بجمالها على الدنيا حد الغرور، أو مسؤول تمادى في استخدام سلطانه وسلطاته لحكم الناس بالبطش والمذلة

(4)

لا أريد تسييس كل شىء في الحياة، ولا تحويلها إلى معركة أحادية لمعارضة سلطة بعينها، أو سلطان بذاته، لذلك سأختار قصتي من خارج السياسة، فالتاريخ والحياة العادية للناس، وقصص الدراما مشحونة بمثل هذه النماذج التعيسة والمُتعِسَة؟، لذلك سأشير لكم باختصار إلى قصة «زيشا الجبار»

(5)

كان سيجموند بريتبارت أقوى رجل في العالم في مطلع القرن الماضي، ولد في بولندا لأب يعمل في الحدادة، واكتشف في نفسه قوة أسطورية، تشبه قوة شمشون الجبار، فهاجر إلى أمريكا، واستثمر قوته في استعراضات السيرك، وعروض خاصة به، إذ كان يدق المسامير في خشب البلوط الصلب بكف يده، ويثني قضبان الحديد، ويعيد تشكيلها كأنها قطع من الحلوى أو الصلصال اللين، ويحمل فيلاً صغيرا ويصعد بها فوق مكعبات حديدية، ويجر بأسنانه عربة مليئة بالرجال، وأثناء أحد عروضه في أوروبا، كان يدق المسامير في لوح من الخشب، ثم أسنده إلى الجدار، وبدأ يتدرب على فقرة أخرى، غير أن أحد المسامير البارزة في لوح البلوط خدشت ركبته، فلم يهتم زيشا الجبار، لكن الجرح الصغير من المسمار الصغير أدى إلى وفاة أقوى رجل في العالم.

(6)

هل وصلت العبرة؟

هل يفهم الجبار أن قوته ليست قوة غطرسة غير مشروطة، وأنها مهما تمادت وزادت فإنها إلى زوال؟... ذلك هو السؤال

.............................................................................................................................................

* طوال المقال راودتني أبيات من قصيدة «العَدَّاء» وأظنها (إن لم تخني الذاكرة) للشاعر كمال نشأت يقول فيها: «أى الملوك دام؟/ أي جمال صاغه الخلاق/ ظل فاتنا إن مر عام بعد عام؟!»

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق الشرعية تعلن غدا دواما رسميا وحكومة الانقلاب تعتبره اجازة
التالى رباط عنق أسود من فضلك