أخبار عاجلة
السعودية تستنكر الهجوم الإرهابي في الهرم -

تهاوي الحلم الأمريكي.. الحنين إلى ماضٍ كريه

تهاوي الحلم الأمريكي.. الحنين إلى ماضٍ كريه
تهاوي الحلم الأمريكي.. الحنين إلى ماضٍ كريه

«تعالوا،

سأجعلُ هذه القارَّة خالدة،

سأخلقُ عليها اسمَى جنس طَلَعت عليه شمس

سأزرعُ الرَّفقَة كثيفةً كالأشجار على أنهار أميركا».

والت ويتمان.

بدا المشهد الرمزي لإحراق العلم الأمريكي من قِبل مواطنين غاضبين عقب فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية، فضلا عن دعوات انفصال كاليفورنيا، تعبيرًا عن تهاوي الحلم الأمريكي المزعوم في مخيلة هؤلاء المحتجين، وكانت النيران التي تحرق «رمز الدولة» أكثر قوة من الدموع في أعين مناهضي رجل البيت الأبيض الجديد، ربما لأنه حسب تعبير جوزيه ساراماجو في «العمى»: «ماذا تعني الدموع عندما يفقد العالم كل المعاني؟».

كرّست الدعاية الأمريكية في المخيلة العالمية أسطورة «الحلم الأمريكي»، وتكفلت «هوليوود» بترسيخ تفوق الإنسان الذي يعيش في بلاد العم سام، ربما كان هذا صحيحًا من وجهة نظر الإمبرطورية وريثة الاستعمار، لكن الأكثر صحة والثابت تاريخيًا أنه عندما وطأ الرجل الأوروبي أرض أمريكا لم يتورع عن قتل السكان الأصليين، وارتكب بحقهم جرائم يندى لها الجبين، بهمجية قطاع الطرق واللصوص والمغامرين الهاربين من القارة العجوز إلى العالم الجديد، أي عالم جديد هذا الذي يُبنى على دم الأبرياء ويُعمد بالمذابح! وأية حضارة تلك التي يشيد أوتادها حفنة لصوص!.

حسنًا، الآن رجل الأعمال المعروف بالسوقية والغوغائية فضلا عن الجهل والغباء والصلف، هو الرئيس الأمريكي المنتخب، هذا هو النموذج الذي تقدمه للعالم «حضارة» الاستهلاك وتسليع كل شيء حتى القيم، نموذج متخم بكل ما هو كريه.

يبدو اختيار الناخب الأمريكي- الذي ينقذ العالم في اللحظات الأخيرة في أفلام هوليوود- لهذا الـ«ترامب» بهذه الكثافة رغم الرفض العالمي غير المسبوق، في واحدة من أشد معانيه دلالة، حنين إلى ماضٍ كريه، قائم على العبودية والعنصرية ومعاداة قيم إنسانية راسخة. الأمريكيون بعدما انتخبوا بارك أوباما، أول رئيس أسود، احتاجوا ثماني سنوات للتراجع والتفكير بنفس عقلية «ترامب» التي ترى أن مشاكل أمريكا سببها المهاجرون والمسلمون، يتغاضي الرئيس صاحب الخطاب العنصري المقزز عن حقائق تاريخية لدغدغة مشاعر الرجل الأبيض الذي يريد العودة إلى فترة تاريخية كان فيها «السيد» وكان هؤلاء «عبيد».

يُجسد «ترامب» قيم «الإمبراطورية الأمريكية» الحقيقية، هذه الحقيقة التي تبدت في قصف هيروشيما ونجازاكي بالقنابل النووية، ويوم غزّت الإمبرطورية الكبرى بلدا فقيرا مثل فيتنام، ويوم تآمرت لغزو العراق، فضلا عن تآمرها الدائم على دول أمريكا اللاتينية- تسميها باستخفاف حديقتها الخلفية- أمثلة كثيرة تؤكد ما شرحه المفكر الفرنسي الراحل روجيه جارودي في «أمريكا.. طليعة الانحطاط».

لا تكف الولايات المتحدة الأمريكية عن إزعاج العالم، تتآمر على الدول وتتدخل في شؤونها بذرائع نشر الديمقراطية حينًا، وفي أحايين أخرى تقوض هذه الديمقراطية لو كانت تخالف أعرافها الزائفة عن الحرية، تآمرت على سلفادور الليندي في تشيلي أوائل السبعينيات ونَصبت الديكتاتور بيونشيه في القصر الرئاسي، ولا تتعب من نشر عملائها في أرجاء العالم للمحافظة على مصالح نخبتها الحاكمة.

ربما لا يماثل الدهشة العالمية من اختيار الأمريكيين «ترامب» إلا هذه الفرحة المصرية بوصول رجل الأعمال المتهم بالعنصرية والتحرش الجنسي إلى البيت الأبيض، يقولون إنه يعادي الإسلام السياسي، والحقيقة أنه يعادي المسلمين، يروجون أنه سيُدرج جماعة الإخوان على قائمة المنظمات الإرهابية ويغفلون أن الولايات المتحدة الأمريكية تحكمها مؤسسات منضبطة، وسياساتها الخارجية لا ترتكن إلى أهواء الرئيس ورغباته مثل سياسات «أشباه الدول»، فضلا عن أن الجمهوريين عادةً لا ينهون فتراتهم الرئاسية- بالنسبة لنا كعرب- إلا بالرقص على جثة القضية الفلسطينية وفي مرات أخرى العراق وليبيا، مثلما حدث مع رونالد ريجان وجورج بوش الأب والابن.

أيضا لا أعرف سر سرعة الرئاسة المصرية في تهنئة هذا الـ«ترامب»، وكون القاهرة أول عاصمة تهنئ «رجل كريه» اهتزت أسواق العالم بمجرد اقترابه من البيت الأبيض وهوى سعر الدولار مقابل الين واليورو- ارتفع مقابل الجنيه – وانخفضت أسعار النفط قبل حتى أن تعلن النتيجة، حتى إن قيادات حزبه الجمهوري تخلوا عن دعمه أثناء حملته الانتخابية بسبب سوقيته في التعامل مع النساء وتصريحاته العنصرية.

وأخيرًا، الكلام السابق ليس حزنًا على خسارة هيلاري كلينتون لأنها في رأينا لا تمثل إلا الوجه القبيح من العملة الأمريكية الردئية، فيما يمثل دونالد ترامب الوجه الأكثر قبحًا، وليس علينا سوى الانتظار لمعرفة ما سيفعله رجل يتباهي بالعنصرية والجهل في حكم إمبراطورية تتداعى.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك