أخبار عاجلة
فتح معبر رفح البري بين مصر وغزة 3 أيام -

لويس عوض: حثالة المجتمع هم السادة الجدد له (1)

لويس عوض: حثالة المجتمع هم السادة الجدد له (1)
لويس عوض: حثالة المجتمع هم السادة الجدد له (1)

كان لقائى مع لويس عوض متعة فكرية وثقافية وأدبية لا تنتهى، وبقدر ما التقيت كثيرين فى حياتى من كتاب ومفكرين وشعراء ونقاد وأساتذة درسوا فى كبرى الجامعات الفرنسية والبريطانية والأمريكية، يبقى لويس عوض مثقفاً من نوع خاص فريد فى قضايا الفكر والأدب والفن والترجمة ومعرفة الثقافة الأوروبية.

وكان لويس عوض (1915- 1990 ميلادية) قد دعانى إلى غداء فى نادى السيارات بوسط القاهرة، وكان هو اللقاء الأخير لى معه، حيث مات بعدها بأشهر قليلة «توفى فى شهر أغسطس 1990 ميلادية»، وكانت محصلة جلستى معه ونقاشى هذه الأفكار، التى دونتها فى حينها، ولاتزال صالحة للدهشة والجدل حولها، إذ هو مفكر وناقد ومترجم من النوع العارف الرائى المستشرف للآتى، وكثير مما قاله فى هذه الجلسة كأنه قيل أو كُتب اليوم، أو كأن لويس عوض مازال يعيش بيننا الآن بفكره وجسده، يعاصر مشكلاتنا، ويرى أوجاعنا، ويشاهد آلامنا، يحلل ويشرِّح باحثا عن حلول بعد أن شخَّص الأدواء التى نعانيها.

وهو عندى من القلائل الذين كتبوا سيرتهم الذاتية بتجرد وموضوعية فى سرد الاعترافات، وقد جسد كتابه «أوراق العمر» خطوة مهمة ولافتة فى مجال كتابة المذكرات والسير الذاتية، ولَكَم تمنيت أن يكون بيننا لأهديه كتابى: «رحلة البحث عنى.. رواية حياة».

ولأن لويس عوض لم يكن اسما عابرا فى الجامعة المصرية، أو فى النقد والترجمة، أو خلال إشرافه على ملحق الأدب فى الأهرام، فلا يمكن- لمثلى- أن أطوى الأوراق التى كنت قد دونت فيها جلستى الأخيرة معه من دون أن أُطلع الناس عليها، وأن أُشرك القراء والمهتمين والمتخصصين فيما كان يشغل عقل لويس عوض.

فى بدء جلستى سألت لويس عوض عن إشكالية الشطح أو الجنون فى الفنون عموما، فقال لى:

(الفن يقترن من وقت إلى آخر بنوع من انفجارات الوعى، التى تقرب بين الفنان والشخصية غير السوية)، و(تحول الإنسان إلى مجرد ترس فى الماكينة الكبيرة للمجتمع الصناعى، وتحوله إلى كائن مستهلك، وأجهزة إعلام تغذى هذا الاتجاه، بإغرائه لشراء جميع الكماليات بالتقسيط، وبأن يستبدلها كل ثلاث سنوات أو سنتين، حيث يأخذون منه القديم ويعطونه الجديد، وهكذا يصبح أسيرا للأقساط المزمنة، التى تستهلك كل دخله ومدخراته.

من هنا وصل الشباب إلى قرار شاع آنذاك: لابد من الفكاك من هذا المجتمع الذى يستعبد الإنسان عن طريق الاستهلاك، وذلك يكون بمقاطعة الاستهلاك، ومقاطعة الإنتاج، وهذا لا يعنى أننى لا أعمل، بل أن أعمل عملا فرديا يدويا، وأرجع إلى الحرف اليدوية، والملبس البسيط، وكل ذلك احتجاج ورفض لجهاز الإنتاج الصناعى الضخم الذى يمسخ إنسانية الإنسان، وبالطبع هذا تطرف، وأعتبره- أيضا- نوعا من الجنون).

ولويس عوض- الذى كتب سنة 1969 ميلادية تاريخ الفكر المصرى الحديث، وكتب بعد ذلك «أقنعة الناصرية السبعة»، ودَرَس الحضارتين المصرية والأوروبية- استطاع دوما أن يكون رؤية خاصة بحال مصر السياسية والثقافية، فلما سألته عن تمزق الوشائج بين الثقافة الشعبية والثقافة الرسمية، قال لى:

(من وقت إلى آخر نلاحظ أن مجتمعنا يمر بأزمة مثل فترة الانتقال من عصر الملكية إلى عصر الجمهورية، كان المرء يشعر أنه لابد من حدوث تطور خطير فى المجتمع، لأن الأمور لا يمكن أن تخرج من الطريق المسدود إلا بتحول عنيف، وأعتقد أننا لا نزال فى مرحلة هزيمة 1967، لأن الحلول التى اهتدينا إليها بعد الهزيمة أو بعد موت جمال عبدالناصر لم تكن تؤدى إلى نتائج حقيقية، ربما كانت مثل المرهم الذى يسكِّن الجراح ولا يعالجها، بل إن هذه الحلول زادت من مشكلاتنا، فحتى سنة 1970 ميلادية لم نكن مَدِينين للخارج بهذه الدرجة الفظيعة، وكان هناك أيضا نوع من الانضباط الطبقى.

إنهم يعيبون على عبدالناصر أنه ساوى بين الناس، والحقيقة أنه رفع بعض الظلم عن الناس المساكين، وليس كل الظلم).

فقلت له: لقد وقع ظلم كبير على كثيرين، حيث انتقم عبدالناصر ورجاله ممن سبقهم فى الحكم، حتى بدا الأمر وكأنه معركة شخصية بين طرفين، ولم يعد الأمر ثورة قامت للقضاء على الاستعمار، بل للقضاء على طائفة ليست صغيرة من المصريين والتنكيل بهم وبذويهم، ولدىَّ من الوقائع والقصص الكثير كما تعرف.

فكان رد لويس عوض لى هو: (الذى حدث بعد هذا هو أن المظلوم تحول إلى ظالم، وأُطلق له العنان، فأخذ يرتع فى المجتمع، وكأنه الإقطاعى المستبد، وأصبحت فئة من حثالة المجتمع- فى مدى عشرة أو خمس عشرة عاما- هم السادة الجدد للمجتمع، وتوارى أبناء الأصول وسُحق المتعلمون، حتى إن المثقف الذى نُكب بالثقافة والعلم عليه أن يضغط أعصابه كثيرا، لكى يستطيع أن يتعايش مع هذا النوع، ومثلما كانت الأرستقراطية فى الماضى تحاول أن تجعل أبناء الفلاحين لا يتعلمون، يسير هؤلاء- أيضا- فى الطريق نفسه، من دون أن تكون لديهم أهلية السابقين، لذا تجدينهم يتبنون فكرة إلغاء مجانية التعليم، لأن أولادهم بمجرد أن يبدأ العام الدراسى يبدأون الدروس الخصوصية، ويدفعون آلاف الجنيهات، وهم لا يدفعونها من أجل العلم، بل من أجل شراء الامتحان، يعنى أنه مستعد لأن يضع فى جيبه كلا من الأستاذ والناظر والعميد مادام يمتلك الملايين، وهذا هو سر الاهتمام بإلغاء مجانية التعليم، إن المقصود بها تكوين طبقة حاكمة من أبناء السباكين والخضرية والفكهانية والجزارين وعمال الدوكو وتجار الشنطة والمُهَرِّبين وأصحاب البوتيكات وتجار المخدرات والصيع، الذين يملأون الشوارع ويتاجرون فى العملة أو يعيشون على ذكائهم الفطرى، إن هذه الطبقة لا تكتفى إذن بالمال، بل تتطلع إلى تسلق السلطة).

لويس عوض بالنسبة لى هو مفكر مقتحم، لديه شجاعة مفرطة، وجرأة نادرة فى القول والرصد والتحليل والرؤية، غير هَيَّاب أو خائف من أحد، ولقد تعرض كثيرا فى حياته لمضايقات من الرقابة، حيث صودر كتابه الشهير «فقه اللغة العربية»، وحوصر واتُّهم فى مصريته ووطنيته، ولقد كانت مجلة الشموع، التى أسستها فى سنة 1986 ميلادية، ورأس تحريرها أحمد بهاء الدين مكانا له، حيث احتفيت به واحتفلت أكثر من مرة، إذ خصصت له ملفات عن سيرته ومسيرته، وهو الذى تعلم «العاطفية» على يد أبيه، حنا خليل عوض.

ولقد التقينا معا فى مقولته، التى وردت فى كتابه الأخير «أوراق العمر»: «.. بدأت أدرك أن الحكام ليسوا وحدهم الظالمين، وأن القوانين نفسها يمكن أن تكون ظالمة».

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك