فى مدينة الضباب والوحدة والصمت

المصرى اليوم 0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

أتابع سيرتى العلمية والمهنية. كنت قد توقفت عند اكتمال مهمتى البحثية فى موسكو والتأهب للرحيل إلى إنجلترا. قال لى المستشار الثقافى إن علىّ، فور وصولى لندن، التوجه إلى المجلس البريطانى BRITISH COUNCIL لترتيب أمور معيشتى ثم إلى المكتب الثقافى المصرى لتقديم نفسى. نصحنى الأصدقاء بأن أصطحب معلبات تكفينى الغذاء حتى أحصل على نقودى. موظف الجمرك فى مطار موسكو عاين الأغذية وقال ساخرا: ألا يوجد فى المجتمعات الرأسمالية غذاء؟

فى الطائرة جاورنى موظف موفد فى مهمة لتوصيل حوائج شخصية لابنة نائب رئيس وزراء مصر التى تدرس فى لندن. نصحنى الرجل بإقامة مؤقتة فى فندق خلف المتحف البريطانى ولن تزيد تكاليفه على جنيهين فى الليلة. أوصلنى الرجل إلى الفندق بالسيارة الرسمية. كان إفطارى فى الصباح قطعة سمك مدخن وبيضة وكوب شاى وطبق به رقائق جافة لم أكن خبرتها من قبل وظننتها نوعا من المكسرات يتبل بالملح والفلفل. سارعت نحوى عاملة المطعم الجميلة وهى تقهقه وعلمتنى كيف أغرق رقائق الذرة فى اللبن البارد. النقلة الحضارية من الفول والطعمية والعسل بالطحينة إلى الكورن فليكس قفزة إلى المجهول. وجهتنى موظفة المجلس البريطانى إلى الإقامة بحجرة فى منزل مجاور لجامعة لندن. صاحب المنزل رجل هندى أسمر: الدكتور ماليبريمان، متجهم عملاق، يصطحب كلبين أسودين كالوحوش المزمجرة. استقبلنى بصرامة وقدم لى عقد الإيجار لأوقعه. حجرة فى السطح بجوار حمام نظيف، بها سرير ضيق، أعلاه مدفأة كهربائية وخزانة تتسع للقليل من الملابس ومكتب صغير. الإفطار كورن فليكس (خبرته هذه المرة) وسمك أو بيض وشاى وقطعتى توست. الإفطار من السابعة إلى الثامنة صباحا، ويحظر استقبال الضيوف، وتحظر الأطعمة واستضافة الجنس الناعم وصوت الموسيقى، الحمام الساخن سيكون معدا ثلاث مرات فى الأسبوع. الأجرة ثمانية جنيهات فى الأسبوع. محكمة شمال لندن هى المختصة بالمنازعات. أين أنت يا موسكو حيث حرية اللهو والطعام والشراب والجنون والعلاقات والفوضى.

فى طريقى للمكتب الثقافى، أجوب شوارع ماى فير البراقة كالفأر المذعور القادم من مزارع وغابات القوزاق. فى المكتب الثقافى المصرى أفهمنى المستشار (المتجهم والمتعجرف ذو السيجار) أن راتبى الشهرى ستون جنيها بإقامتى فى لندن يزيد خمسة جنيهات إن أقمت خارجها. يا إلهى: ستون جنيها أنفق منها اثنين وثلاثين للسكن وتبقى ثمانية وعشرون للطعام والمواصلات والكتب. حكومتنا كانت تكفل لمبعوثيها ما يحفظ حياتهم فقط ولا تسمح بأى تحويلات نقدية من الأهل بالوطن حتى يفرغ المبعوثون همّهم فى العلم.

بدأت بمكتبة مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. أسير على قدمى مسافة محطتين للمترو. علمنى أستاذى إسماعيل غانم أن أبدأ بمرجع شامل ثم أتابع مراجع هوامشه. أى باحث فى الفكر القانونى الإنجليزى يجب أن يتوقف عند عمد أربعة: وليام بلاكستون صاحب موسوعة التعليقات على القانون الإنجليزى، وأول من قام بتهذيب القواعد العرفية والسوابق القضائية المتراكمة، وجيرمى بنتام فيلسوف مذهب المنفعة الشهير، فهدف القانون عنده هو تحقيق المنفعة وتجنب الضرر، وجون أوستن الذى ربط بين القانون وسيادة الدولة وعنصر القوة والجبر والجزاء. هؤلاء من أقاموا دعائم النظام القانونى الإنجليزى الحديث، يناظرهم عندنا السنهورى والسعيد مصطفى وعلى بدوى وتلاميذهم. القانون ليس مجرد أمر يصدره السيد REX القابض على مقاليد السلطة فى المجتمع، كما كان يفعل القذافى وصدام عندنا ولويس السادس عشر فى فرنسا. سقطت أسطورة حاكم يجهر علانية (أنا القانون) وعادت إلى الظهور فى مجتمعاتنا وتسببت فى تدهورها. رابع الفقهاء الذين أثروا تأثيرا بالغا فى النظام القانونى الإنجليزى هو هربرت هارت، أستاذ أكسفورد، صاحب المؤلف ذائع الصيت (مفهوم القانون)، والذى كتبت عنه عشرات الدراسات بمختلف لغات العالم تأييدا ومعارضة لموقفه الذى يفصل بين مجالات القانون والأخلاق، ويضع دعائم معاصرة لعلم القانون بالمعارضة لفريق آخر يرى أن هذا الفصل هو الذى مهد لفظائع النازية وأن القانون والأخلاق متداخلان.

لم يكن يتبقى من راتبى بعد دفع أجرة السكن إلا بضعة جنيهات تكفى لغذاء متواضع فى مطعم الجامعة وإصبعين من الموز وتفاحة للعشاء أشتريها فى المساء فى طريقى للمنزل. لضيق ذات اليد كنت أبث همّى وقلة حيلتى فى كتب المكتبة. انتقلت إلى مكتبة معهد لندن للدراسات القانونية المتقدمة فى مبنى الجامعة. أفتتح المكتبة فى الثامنة صباحا وأتركها بعد غلقها فى المساء، وتابعت فيها أهم الدوريات العلمية الإنجليزية والأمريكية المتعلقة بموضوع بحثى. نمت المودّة الصامتة بينى وبين موظفة المكتبة ذات العيون الزجاجية الزرقاء والوجنات الوردية والابتسامة الساحرة. لم يتعد الأمر مجرد الابتسام المتبادل. كنت أزهد المكتبة إن غابت. لا نقود للترويح أو النزهة. كانت الحكومة المصرية تعطينا ما يكفى حد الكفاف. مضت شهور قضيتها بين القراءة فى المكتبة صباحا وتناول الفاكهة والنوم مساء فى صمت. دعتنى مسؤولة حزب العمال (كنت أعرفها من موسكو) لحفل موسيقى للشباب، وتعرفت على فتاة رقيقة. دعوتها للعشاء فى مطعم فاخر، فدفعت على ضوء الشموع أغلب راتبى. قضيت الشهر بأكمله بنصف وجبة غداء ودون عشاء، وكلما هاتفتنى رفيقتى تهربت. حضرت إلىّ قبل مغادرتى النهائية لتواجهنى ولتستفسر عما عساها أن تكون قد أخطأت تجاهى. قلت: لا شىء، ولكن بسبب عشائنا عانيت ضراوة الجوع لشهر كامل. قهقهت حتى انسابت دموعها وعاتبتنى على عدم مصارحتها لأنى شرقى متعجرف.

لم أعد أحتمل الحياة فى صمت، أحادث الكتب وتحادثنى. أصبح أوستن وهوهفيلد وكوكوريك وكلسن وباوند وغيرهم من الفقهاء أصدقائى، بكتبهم أحاورهم فى الصباح وأراهم فى أحلامى بالليل.

كان يروقنى منظر شباب الشحاذين يطلقون شعورهم ويغنون فى محطات المترو. تخيلت نفسى أحدهم فماذا أقول؟ وترنمت: «صديقتى جميلتى/ رفضت فروض مودتى/ حادثتها فى الحب ساعات كثيرة/ نظرت إلىّ فى صمت وفى استحياء/ حملت إلىّ قيثارتى الكسيرة/ حتى أغنى طالبا ثمن الزهور/ فلتعطنى ثمن الزهور/ حتى تعود رفيقتى».

ذهبت إلى المجلس البريطانى علّهم يجدون لى مكانا فى المدينة الجامعية وسط الزحام ينقذنى من الموت صمتا. قالت الموظفة إن ذلك يكلفك أكثر. انتابتنى هلوسة لفظية. هدّأت الفتاة من روعى وسألتنى: ماذا تريد؟ صرخت: أريد أن أتكلم مع أحد. ضحكت الفتاة ونادت بصوت عال (ليزا) احضرى. جاءت ليزا طويلة القامة عريضة المنكبين قاتمة البشرة تنفرج ضحكتها عن أسنان بارزة كالنمرة، جاحظة العينين كضفدع، قالت: هذه رفيقتك. لذت بالفرار بلا عودة. تذكرت (مع الفارق) قصة اليهودى الذى عانى ضيق مسكنه، فنصحه الحاخام باستضافة خنزير فلما فعل وضاق المسكن بأسرته والخنزير معا نصحه بصرف الخنزير. وعدت لأفرغ همّى فى الكتب وأمضى إجازتى سيرا إلى شارع أكسفورد وميدان الطرف الأغر وبيكاديللى لأشاهد الناس فى مدينة بلا قلب. أين أنت يا موسكو، يا بلدة قمع الكلمة ودفء المشاعر وعبادة الفرد، منك يا لندن يا بلدة الحرية والمعرفة والاغتراب والأنانية واللهث وراء الهدف.

حررت خطابين: الأول إلى الفقيه هربرت هارت فى أكسفورد أطلب لقاءه لأناقشه فى بحثى وما كتبته عنه فى رسالتى. حدد موعدا بعد أربعة شهور، ورسم خطوات برنامجى بالتفصيل منذ مغادرتى لندن حتى وصولى أكسفورد. وصلت الجامعة فى الموعد المحدد فشاهدت رجلا فى السبعينيات يأتى من بعيد يمارس رياضة الجرى ويتقدم نحوى مرحبا ومقدما نفسه على أنه البروفسور هارت. تناقشنا فى حجرته التى يوجد بها كرسى واحد وسرير (سفرى) وتغطى حوائطها الكتب. دعانى للغداء مع تلميذه الشاب وقتئذ (جوزيف راز) وسألنى الأخير: لماذا تدرس فى جامعة موسكو بأفكارها السيئة؟ قلت: يروقنى المقارنة بين الأفكار السيئة فى المجتمعات. تبينت أنه إسرائيلى، ومن عتاة الوضعية التى ترى أن القانون لا أخلاق له. أهدانى هارت عددا من كتبه وأهديته تسجيلات رحمانينوف وتشايكوفسكى.

الخطاب الثانى لصديقى الدكتور محمود عبدالفضيل. حصل لتوه على الدكتوراه فى الاقتصاد من جامعة باريس، وعمل محاضرا فى جامعة كمبريدج. كتبت له أشكو وحدتى.

تنتابنى اليوم الحيرة: لماذا لم تتمكن النخبة التى سافرت فى بعثات للخارج فى الستينيات من القيام بدورها فى النهوض بالوطن كما فعل أجدادهم من مبعوثى محمد على؟

وللحديث بقية.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق