أخبار عاجلة
عمرو السولية يجري أشعة رنين مغناطيسي -

أحلام لا يحاسب عليها القانون

أحلام لا يحاسب عليها القانون
أحلام لا يحاسب عليها القانون

كان السيد «فاء» مجهدا للغاية، وفى شوق لأن يلقى بنفسه على سريره بعد يوم مفعم بالعمل، فالمسؤولية الملقاة على عاتق سيادته كبيرة جدا، والقرارات المطالب باتخاذها تحتاج للمزيد من التأنى، وباعتباره من كبار رجال الدولة فلا بد له من قسط من الراحة يلتقط بعده الأنفاس استعدادا ليوم جديد، لذلك وبمجرد عودته إلى منزله ودخوله حجرة نومه، إذا به يستسلم لسبات عميق، وإذا به يرى فى المنام أن الجنيه المصرى يحترق ويصرخ مستغيثا به بالتدخل لإنقاذ حياته، استولت النخوة على قلب صاحبنا وبمجرد أن هم بالتحرك سمع صوتا يناديه: (دعه يموت، يغور فى 60 داهية، فحرقه أفضل من بيعه بالكيلو) رد «فاء»: (أعرف صاحب هذا الصوت) قطع الهاتف حيرة صاحبنا بقوله: (نَفِّذ ما تُمَر به وإلا.... ) أدار الرجل رأسه ناحية الصوت إذا به أمام امرأة فى ثوب ملائكى فضفاض أبيض فى أبيض وعندما دَقق فى ملامح وجهها فوجئ بأنها «كرستين لاجارد» مدير عام صندوق النقد الدولى، من هول المفاجأة لم يستطع السيد فاء مبادلتها ولو نصف كلمة، كما لم يعتبر ما رآه مجرد حلم أو كابوس يجب أن يستعيذ بالله منه بل رؤية محققة صادقة واجبة التنفيذ حتى إنه همس لنفسه: (من رأى لاجارد فى الحلم فقد رآها حقا، وعلى أن أذهب فورا إلى مكتبى وأستدعى صديقَى الوزيرين «قاف» و«راء» كى أشاورهما فيما رأيت)، وبدون إحم أو دستور ذهب الرجل لمكتبه واستدعى المسؤولين الكبيرين وحكى لهما ما رأى وسمع ثم سألهما: (بناء على هذه الرؤية المحققة، ماذا تظنان أنى فاعل بالجنيه المصرى؟).

امتلأ وجه المسؤولين بالسرور، بينما سارع «قاف» بالقول: (إنها البشرى يا سيدى، فحرق الجنيه فى الحلم- بحسب كتاب أبى العباس فى تفسير أحلام النسناس- يعنى أنك اتخذت قرارا بتعويمه- عَومك الله فى أنهار الجنة- أما عن رؤيتك لكرستين لاجارد فى الحلم فهى تؤكد على أنك لن تتراجع أبدا عن قرار التعويم هذا لأى سبب) ثم تابع راء: (ولكى تستفيد من التعويم ويتحقق الانتعاش الاقتصادى لمصر، أرجوك واصل تنفيذ توصيات ستنا لاجارد وخَفض الدعم عن المحروقات وارفع أسعارها بنسب تتراوح بين 40 إلى 50 %،)، قاطعه فاء: (هل أذبح الناس بالتضخم الذى سيزيد والأسعار التى سترتفع والغلاء الذى سيفترس الجيوب؟) رد «قاف»: (بلى، اذبحهم يا سيدى أفضل من أن يذبحنا صندوق النقد، وستجدهم إن شاء الله من الصابرين) ثم تابع راء: (خذهم يا سيدى على مشمهم ونفذ الرؤية وعلقة تفوت ولا حد يموت، قل لهم إنها إجراءات الإصلاح الاقتصادى لا كذب وسَلِّط عليهم من يدافع عن تلك الإصلاحات ويبررها) قال فاء: (أنا خائف من أن يتهمنى البعض بأننى أتخذ قراراتى وفق إملاءات صندوق النقد وشروطه) رد راء: ( وما العيب فى هذا؟ فلست أنت أول من عَوم الجنيه المصرى ولست آخرهم فقد سبقتك لتلك الخطوة حكومة الانفتاح الساداتى فى سبعينيات القرن الماضى عندما سمحت بعودة البطاقات الاستيرادية للقطاع الخاص وبدء حقبة الاقتراض من الغرب، فيما عُرِفَ بعد ذلك «بديون نادى باريس» ثم عاودت حكومة عاطف عبيد الكَرة فى يناير عام 2003 وخفضت قيمة الجنيه مقابل الدولار بنسبة 50 % تقريبا وارتفع سعر الدولار مقابل الجنيه من 3 جنيهات و60 قرشا إلى 5 جنيهات و35 قرشا) قاطعه فاء: وهل حدث الإصلاح الاقتصادى وحُلت أزمة التضخم؟) بالطبع لا، فكلها مجرد مسكنات لا تغنى ولا تسمن من جوع، المهم راحة الدماغ والبحث عن الحلول الجاهزة) التقط قاف الخيط محاولا الطرق على الحديد وهو ساخن: (اللعبة قديمة جديدة، فقط كن مطمئنا وأنت تلعبها، الآن الدولار أهم، ورفع سعر الفائدة على الجنيه سيكفل له الاحتراق فى فترة زمنية أطول، عَومه يا سيدى ولا تخف واتركه لسوق العرض والطلب، وأطلق العنان للبنوك كى يحدد كل منها السعر الذى يراه مناسبا للدولار، وقاسم السوق السوداء هذه الأرباح الطائلة التى تذهب كلها للسماسرة) رد فاء مستريحا: (عندكما حق سأصدر قراراتى دفعة واحدة سأعوم الجنيه وسأخفض الدعم وأرفع أسعار المحروقات وكافة فواتير الخدمات الأساسية وغير الأساسية، وعلى الشعب أن يتحمل ويصبر فالصبر مفتاح الفرج، من شاف بلاوى الناس هانت عليه بلوته، على الشعب ربط الأحزمة وربط الألسنة والانحناء للعاصفة حتى تمر بسلام).

بينما كان صاحبنا يعطى أوامره بالتنفيذ الفورى لشروط صندوق النقد الدولى، تَمَلكته رعشة شديدة أجبرته على أن يستيقظ من نومه لكن على أصوات الجماهير الحاشدة وهى تهتف محاصرة بيته بأصوات كالرعد: (الشعب يريد إسقاط النظام) فما كان منه إلا أن عض أصابع الندم على السياسات الفاشلة التى كانت متبعة وهمس لنفسه بصوت لم يسمعه سواه: (ليتنى تعلمت من دروس الماضى وفكرت فيما يقلص الفجوة بين الصادرات والواردات، ليتنى اخترت من يضع سياسات زراعية وصناعية تضاعف الإنتاج وتقلل الاعتماد على الآخرين، ليتنى أعود للوراء قليلا لأن سقوط النظام هذه المرة لا يعنى إلا سقوط الدولة وألا تقوم لها قائمة ولو بعد 1000 سنة، لكن ترى هل ينفع الندم بعد فوات الأوان؟).

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك