أخبار عاجلة

«مش كنت تعلمنى العوم»

«مش كنت تعلمنى العوم»
«مش كنت تعلمنى العوم»

الأرجح أن السلطة «رئيساً وحكومةً» ليست من مريدى الشيخ «سيد مكاوى»، ولم تقبل منه نصيحة، وإلا لكان الرجل الذى لحن وغنى كلمات العظيم «صلاح جاهين» وجد تجاوباً حكومياً مع نصيحته التى يكررها منذ عشرات السنين: «قبل ما ترمينى فى بحورك.. مش كنت تعلمنى العوم!».

كما ترى المسألة بدهية جداً، وإنسانية أيضاً. لا يمكن أن تلقى أحداً فى البحر قبل أن يتعلم السباحة، أو تتأكد على الأقل أنه يجيدها. الإقدام على فعل كذلك دون التأكد من قدرة من نلقيه فى البحر على السباحة يصبح جريمة قتل مع سبق الإصرار والترصد.

قررت الحكومة «تعويم الجنيه»، نجحت كما تعرف فى «توحيد» سعره فى سوق الصرف، وتعتقد أنها قادرة على تفادى التداعيات السلبية لهذا القرار الخطير جداً الذى حاولت حكومات كثيرة الهرب منه طوال الأربعين عاماً الماضية تقريباً. كانت تعرف أن الجنيه لا يعرف «العوم»، لكن بعض القياسات والدراسات والأرقام المتفائلة تشير إلى أنه يمكنه «التضبيش» فى الماء حتى يجيد السباحة مع نفسه. هذا نوع من التعليم يمكن أن تسميه التعليم الذاتى، وبالتالى لا يكون أمام الجنيه سوى أن يستسلم للغرق، أو «يضبش» باتجاه الريح «الاقتصادية»، مازال مكبلاً عملياً حتى تنتظم حركته، ويجيد تنظيم ضرباته وأنفاسه، فيستقر فى الموج عائماً.

لكن قراراً كذلك من المؤكد أنه كان يحتاج لتعليم المجتمع كله «العوم» من قبله، وإن كانت الصدمة كما قلت لك إحدى وسائل «الإجبار» على التعلم، فالمتوقع أن تكون الحكومة- وهى تدرس قرارها الذى يوازى قرار «الحرب»- درست كل التداعيات، ووضعت خططاً واضحة للتصدى لها، إما بتعليم قطاعات «العوم»، أو بإلقاء أطواق نجاة لقطاعات أخرى، أو إبقاء قطاعات أخرى على البر ولو مؤقتاً.

قبل أن يصدر قرار حرب أكتوبر مثلاً، كانت القيادة العامة للقوات المسلحة لديها خطة مكتملة عن كل كبيرة وصغيرة على جبهة القتال وفى الجبهة الداخلية، كل جندى محدد له ما سيفعل من لحظة تلقيه إشارة العبور إلى أين سيتجه، ولأى اتجاه سيوجه نيرانه، وما المطلوب منه تحديداً.

الحكومة وهى تستعد لقرار مماثل فى خطورته وضعت خطة على الأرجح. يمكنك ببساطة أن تتخيلها وفق المعلن من تصريحات. اعتمدت على جناحين: واحد أمنى، والآخر نقدى. الأمنى تحرك فى اتجاه تأمين الشارع واستخدام الإعلام فى تفزيع الناس من خطورة الفوضى مع استغلال ما يسمى تظاهرات 11-11 لتكريس هذا التفزيع. والنقدى بعطاءات دولارية، وتوسع فى الاقتراض لتوفير السيولة الدولارية، كحلول مؤقتة، انتظاراً لنجاح سياسات جذب الاستثمار واستعادة السياحة وطمأنة المصريين فى الخارج على تحويلاتهم.

لكن القرار صدر، وبات على الحكومة أن تتحرك فى إطار ردود أفعال كثيرة، وكأنها لم تتحسب لها بجدية، ولم تدرس التأثيرات وتتبنى سياسات واضحة للتعامل معها، بدأت منذ صدور قرارات رفع أسعار المشتقات البترولية، وما صاحبها من أزمات فى سوق نقل الركاب، والبضائع والاستخدامات الزراعية والصناعية، والمخابز المستخدمة للسولار، فبدأت - بعد الانفجار وليس قبله - تكلف المحافظين بمتابعة تعريفة الركوب، وتتعهد بدعم المخابز وتحمل فروق الأسعار.

كذلك ما يجرى فى القطاع الطبى يؤكد أن الحكومة لم تدرس بجدية التداعيات والتعامل معها، ولم تضع خطة مسبقة للتصدى لنقص الأدوية والمستلزمات الطبية «المستوردة جميعها» أو حتى المواد الخام التى تُشغّل المصانع المصرية، فبقى المرضى حائرين، تتفاقم معاناتهم بسبب هذا النقص، ما جعل «نقابة الأطباء» تطلق نداءً كأنه استغاثة بالدولة لتتدخل لمواجهة هذه الأزمة الطاحنة، والمفترض أن تكون الدولة جاهزة للتدخل ولديها حلولٌ مسبقة من قبل إعلان «قرار الحرب».

تدرس الحكومة الدعم النقدى وتنقية المستفيدين من الدعم، دون أن تعلن ما هى معايير الاستفادة من عدمها تحديداً؟ ما يفتح الباب للشائعات، ولا تقول ما الذى ستفعله فى دعم البنزين مثلاً، إذا كان كل تركيزها على دعم المواد الغذائية. وبأرقام التعبئة والإحصاء، فكل من يملك سيارة لا يستحق الدعم، وبالتالى لا يستحق دعم البنزين، كما أن 90% من أصحاب المعاشات قد لا يستحقون إذا ما اعتبرنا أن 1200 جنيه أو أقل هو الحد الأقصى للاستحقاق، رغم غياب «خدمة صحية» مناسبة لهم، وهم من ينفقون أغلب دخولهم على مشاكلهم الصحية، كما تناقصت القدرة الشرائية لمعاشاتهم بعد أن فقدت 48% على الأقل من قيمتها.

ستمد الحكومة يدها لمن تحت خط الفقر، «هكذا تقول»، بتطوير منظومة الدعم وبرامج الحماية الاجتماعية، ومن هم أعلى هذا الخط قليلاً أو كثيراً دون الطبقة المتوسطة المستورة، ومنهم غالبية المدرسين والموظفين والعمال والمهنيين وشرائح من أساتذة الجامعات أيضاً، الذين فقدت دخولهم ما يقرب من نصف قيمتها وتضاعفت عليهم أسعار كل شىء، سيخرجون من خطط وبرامج الدعم والرعاية، ولا يتمتعون بخدمات حقيقية ومناسبة «صحة وتعليم ومواصلات عامة»، وتم جذبهم بعنف لأسفل باتجاه الفقر بدلاً من الدفع بهم للأمام فى اتجاه الستر، هل سيُتركون يدفعون النصيب الأكبر من فاتورة الإصلاح؟ وهل قدرت السلطة عواقب ذلك جيداً؟

الأرجح أنها أسئلة لم يطرحها «جنرالات» الحكومة الاقتصاديون قبل تجهيز خطة «الحرب»، لأنها جزء من عملية «تعليم العوم»، التى لم تبذل فيها الحكومة الجهد الكافى، مكتفية بإلقاء الجميع فى البحر دون أن تمنح الكل الفرصة العادلة فى النجاة.
[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك