أخبار عاجلة

انقلاب فى الغرب (2)

انقلاب فى الغرب (2)
انقلاب فى الغرب (2)

دائما ما يصاحب الرئيس الأمريكى شخص يحمل حقيبة بها الأكواد الخاصة بإطلاق الحرب النووية. الشخص يحمل الحقيبة لكن القرار يرجع للرئيس وحده.. هناك فقط إجراءات لضمان أن قرارات الإطلاق صحيحة، بمعنى أنها نابعة فعلا من الرئيس، وأنها تصل صحيحة لمَن ينفذها من عسكريين دون لبس، لكن لا أحد من العسكريين- (أو وزراء الرئيس أو أعضاء الكونجرس أو القضاء)، لا أحد على الإطلاق- لديه تفويض أو سلطة وقف قرار الرئيس إذا قرر إنهاء الحضارة الإنسانية.

فى شهر يناير القادم سيكون هذا القرار فى يد شخص يبدو من الواضح أنه غير مُتَّزن ذهنيا، ملياردير مقاولات لا يجيد السيطرة على أعصابه، مزود بـ«أنا» تافهة منتفخة، نرجسية وفاقدة الانضباط، مُنصاعة لنزعات الانتقام (هكذا عندما «عصَّبته» منافِسته الديمقراطية فى إحدى المناظرات، فلوح بأنه «هيحبسها» إذا أصبح رئيسا، وعندما أهان عائلة العسكرى المسلم الفقيد لأنها أيدت «كلينتون»).

فى الأيام القادمة سنسمع الكثير من كلام من نوعية أن أمريكا لها «سيستم» لا يمكن أن يغيره «ترامب»، الذى هو جزء منه أو لعبة فى يده. بصرف النظر عن المثال السابق، الذى أعتقد أنه يشير إلى أن الرئيس فى يده الكثير، فلا أحد يشرح لنا بالتفصيل كيف سيُحجِّم «السيستم» جموح «ترامب» المحتمل؟ بل لا أحد يحدد لنا مَن هم بالضبط أعضاء السيستم، وماذا يريدون من مثل هذا البهلوان.. فى المقابل، فالذى يبدو من البديهى للعقل- الذى لا يفترض وجود أيادٍ خفية لا يُعرف عنها شىء- هو أن أجزاء «السيستم»، من نخب سياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية وأكاديمية، قد نبذت فى مجملها «ترامب» كليا، وعملت كل ما فى وسعها لإعاقة صعوده، فأين تروس «السيستم» التى يمكن أن تُحجِّمه الآن بعد أن انتصر؟

قطاعات واسعة من الحزب الجمهورى نفسه تخلت عنه خلال الحملة، لكن من المرجَّح أن تنصاع وراءه بعد أن نقل الحزب من الصحراء السياسية إلى السلطة، بما فى ذلك السيطرة على مجلسى الشيوخ والنواب.. ليس من المتوقع الآن أن تعمل تلك الأغلبية على إعاقة قراراته، ناهيك عن محاولة عزله، إلا ربما بعد خراب غير مسبوق. كذلك بالنسبة للقضاء، الذى سيبدأ «ترامب» ولايته بتعيين أحد أعضاء المحكمة العليا (بدلا من أنتونين سكاليا، الذى توفى لاحقا)، مما سيضمن أغلبية محافظة، ربما لن تتحرك ضده إلا بعد مصائب كبرى.

أما بالنسبة للجهاز الحكومى فسيبدأ «ترامب» ولايته بتعيين حوالى خمسة آلاف موظف على قمة الجهاز، فالولايات المتحدة ليست فيها «دولة عميقة» يمكن أن تعوق الرئيس، لأنه هو الذى يقوم بتعيين قمة جهاز الدولة، الذى يأتى معه من اليوم الأول ويدين بالولاء له.

ماذا عن رأس المال والمصالح الاقتصادية الكبرى إذن؟ بالقطع هذه ستتمكن من السيطرة على الـ«ترامب»، سيقول البعض. لكن رأس المال هذا كان داعما لـ«كلينتون»، التى حصلت على أكثر من ضِعف التبرعات التى حصل عليها «ترامب».. بل إن النخب، بما فى ذلك الاقتصادية منها، لم تدعم مرشحا من قبل كما دعمت «كلينتون»، ومع ذلك نجح «ترامب» على أساس أنه سيحارب تلك النخب «المجرمة».

ثم سيقول البعض: «ترامب» لا يحتاج لأحد ليمنعه من التهور أصلا، فكل الذى وعد به من هراء كان «كلام انتخابات»، سيختفى عندما يصبح رئيسا. وقد يستشهد هؤلاء بخطابه الأول بعد الانتخاب، والذى شكر فيه منافِسته الديمقراطية على «حملة انتخابية عظيمة»، وذلك بعد أن كان يلوح بسجنها.. لكنه قال أيضا إنه لم يحسب نفسه منذ البداية مجرد مرشح على رأس حملة انتخابية (مثلها)، إنما حسب نفسه زعيما لحركة اجتماعية عظيمة.. صحيح أنه قال إنه سيعمل على تمثيل كل الفئات، لكن هذا الكلام قاله الكثير من السياسيين- من «تاتشر» إلى «مرسى»- فى يومهم الأول، واتضح فى النهاية أن هذا فعلا كلام الانتخابات الذى لا معنى له.

بالطبع يمكن أن يتراجع الـ«ترامب» عن بعض تفاصيل وعوده اللامعقولة.. لكن ليس من المرجَّح أن يتخلى عن الشكل العام للعالم الذى وعد بصنعه، بل لا يمكن أن يفعل ذلك بدون فقدان شعبيته، المبنية كليا على قلب الكثير من الأوضاع السائدة فى بلاده خاصة، وفى العالم عامة، فمَن انصاع للشعارات الشعبوية، ومن ثَمَّ رفع «الأنا المنتفخة» لمقاول الأراضى الرخيص إلى مرتبة «قائد حركة»، يُتوقع منه أن يكون على مستوى وعوده.. و«ترامب» يعرف أنه وصل إلى ما وصل إليه ليس لأنه خفف من حدة خطابه فى المراحل الأخيرة من الانتخابات لكى يبدو «مسؤولا»، كما توقع البعض أنه سيفعل، ونصحه البعض الآخر بذلك، إنما لأنه تمسك بالخطاب الانقلابى الغاضب.

على هذا الأساس يمكن استنتاج أن «ترامب» يتزعم فعلا- أو على الأقل يعبر عن- حركة تاريخية تدفعه للصدام مع تصور نخب بلاده للعالم، ومع النظام العالمى الذى بُنى على أساس هذا التصور. وفى هذه الوظيفة سيشكل رأس الحربة لحركة تاريخية تجتاح الغرب الصناعى بأكمله، وتجسد نوعية من التقلبات لم يعرفها منذ عقود طويلة.. ومن المرجَّح أنه سيتصرف فى السلطة على هذا الأساس، فكما أشرت فى المقال السابق فإن مجرد صمود «ترامب» أمام هجوم النخب كان يعنى أن تطلعات مؤيديه ستؤخذ حتميا فى الاعتبار. أما فوز «ترامب» فينذر بأكثر من ذلك.. وللحديث بقية.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك