أخبار عاجلة
اخبار السعودية اليوم - الطائرة الباكستانية -
صور| دماء شهداء انفجار الهرم تروي أرض الوطن -

النار والصندوق

النار والصندوق
النار والصندوق

■ لم تكن شريرة، ولكن الشر عمَّ الأرض بسببها. هى أم الجنس البشرى، وأول امرأة تسكن الأرض. لا.. لا نعنى «حواء» الأديان الإبراهيمية، بل نتحدث عن «حواء» الأساطير والعقائد اليونانية القديمة. إنها «باندورا Pandora» (ومعنى الاسم: «الممنوحة كل المواهب»).

■ الأسطورة اليونانية تُحدثنا عن «جَرَّة باندورا»، ولكن أخطأ مترجم من القرن السادس عشر، فترجم القصة بعنوان: «صندوق باندورا». ووفقاً لمقولة: «خطأ شائع خير من صواب مهجور»، ذاع الخطأ وشاع حتى يومنا هذا.

■ «بروميثيوس prometheus» (ومعناه: «الحكيم») هو أحد الكائنات الجبارة، «تيتان Titan» من نسل الآلهة. قاد حربا ضد بعض «التياتن» المتمردين على كبير الآلهة «زيوس Zeus»، وانتصر عليهم، بعد عشرة أعوام من القتال، مما وطَّد وثبَّت «زيوس» على العرش. و«التياتن» (الجبابرة)، ومن بينهم «بروميثيوس»، هم أشبه بـ«الشغالات» فى عالم النحل، فهم يكدون ويكدحون ويقاتلون، أما «زيوس» فهو ينعم بالطعام والشراب والتناسل، بلا عناء. شعر «بروميثيوس» بالغبن، فاستخدم دهاءه المعروف فى خداع «زيوس»، فعند تقسيم إحدى الأضحيات (ثور) بينهما، جعل «زيوس» يختار نصيبه من العظام المغطاة بالدهون (تمويها)، تاركا له «اللحم» المغطى بالسقط (تمويها). وأخذ «بروميثيوس» اللحم إلى أهل الأرض ليطعموا.

■ غضب «زيوس» من خداع «بروميثيوس»، فقرر أن يحرم أهل الأرض من الاستمتاع بأكل اللحم، حرمهم من النار.. نار الشواء. (النار هى رمز للحياة.. والنور والمعرفة).

■ مرة أخرى، يخدع «بروميثيوس» الإله. يسرق النار ويعيدها إلى الأرض. وهنا يقرر «زيوس» أن يعذب «بروميثيوس» المتمرد تعذيبا أبديا، فيقيده بصخرة مُعلَّقا فوق الجبال، ويأتى طائر «النسر» كل يوم لينهش كبده طوال النهار. وفى أثناء الليل، ينبت له كبد جديد. وهكذا تتوالى الأيام، ويستمر العقاب الأبدى. (تُرى هل كانوا يدركون فى ذلك الزمان قابلية خلايا الكبد للتجدد؟!).

■ أما انتقام «زيوس» من أهل الأرض (وكانوا حتى تلك اللحظة كلهم من الرجال)، فقد كان «المرأة».. حيث كلَّف إله النار (هيفايستوس Hephaestus) بأن يصنعها من الطين (حمأ مسنون)، فكانت «باندورا»، تلك التى وهبها كل إله وإلهة صفة من الصفات وهِبة من الهبات، سواء المحمودة منها أم غير المحمودة. وُهبت.. الجمال.. الذكاء.. الصوت.. الحكمة.. الخداع.. التهور.. القسوة.. إلخ.

■ أرسل «زيوس» «باندورا» إلى أهل الأرض انتقاما منهم، وأرسل معها صندوقا مغلقا.

■ أثناء تجول «هيركل Heracle»، (ابن زيوس)، فى الجبال رأى «بروميثيوس» مُصفَّدا، والنسر ينهش كبده. تقدم «هيركل» وذبح «النسر»، وحرَّر «بروميثيوس» من قيوده.

■ وهب «زيوس» إلى أخى «بروميثيوس»، «إبيميثيوس Epimetheus»، (ومعناه: عديم الحكمة)، وهب له «باندورا» عروسا له، مصطحبة «الصندوق»، هدية العرس. نسى «إبيميثيوس» نصيحة «بروميثيوس» له، بعدم قبول هدايا من «زيوس»، وتزوج «باندورا»، ومن هذا الزواج جاء وتوالى النسل البشرى على الأرض.

■ ذات يوم- وبالرغم من تحذيرها مسبقا- دفع الفضول «باندورا» إلى فتح الصندوق. فتحته، وعلى الفور انطلقت منه كل الشرور.. الشقاء.. الجوع.. الأمراض، الأوبئة.. الحقد.. الكراهية.. القسوة.. الشيخوخة.. إلخ. أسرعت «باندورا» وأغلقت الصندوق.

■ وتحكى لنا الأسطورة أن «باندورا» حينما أسرعت وأغلقت الصندوق، كانت بذلك قد أطلقت الشرور، وحبست الشىء الوحيد الذى كان متبقيا فيه، وهو «الأمل».

■ المرأة كعقاب لأهل الأرض وأصل للشرور خطاب ذكورى عنصرى مُوغِل فى القدم وفى مختلف الثقافات والعقائد.

■ سارق النار.. «بروميثيوس» و«باندورا» أسطورتان تتناديان، أَثْرَتا الأدب والفن والفلسفة منذ القدم حتى يومنا هذا. وتناول الأسطورة اليونانية، بصفة عامة، تختلف تفاصيله، من كاتب إلى آخر، وفقا للحاجة إلى ملء ثغرات ناجمة عن نقص لبعض المعلومات، أو لشدة تعقيد مكوناتها. ولكن يظل الجوهر واحدا. وأيضا تختلف تفاسير رموز تلك الأساطير، وإسقاطاتها على واقع الحال، وذلك وفقا لتقلب العصور والميول، واجتهادات المفسرين. وعرضنا السابق لأسطورة «باندورا» تناول مكونها الرئيسى، المشترك بين معظم مَن عرض لها.

■ بلغ تعدد الاجتهادات الثانوية فى تفسير الرموز مبلغا، جعل البعض يرى أن إغلاق الصندوق على «الأمل» هو «حفظ» له من الضياع، وليس «حبسا» له، بينما عدَّ آخرون، من اللغويين، أن كلمة «الأمل Hope» ليست هى الترجمة الدقيقة للكلمة اليونانية الأصلية، فالمعنى الدقيق للكلمة- فى رأيهم- هو «التوقع Expectation». والتوقع مسألة مزدوجة، فمن الممكن أن نتوقع «خيرا» أو نتوقع «شرا».

■ وعلى الرغم من تعدد التفاسير والتأويلات، فإن مقولة «فتح صندوق باندورا» أصبحت تعبر بإيجاز، فى الوعى الجمعى والثقافة العالمية، عن «الشرور العظيمة، الناجمة عن قرارات تُتخذ، وأفعال تؤدَّى، دون إدراك للعواقب».

■ فى ظنى أن «تحرير سعر الصرف»، ورفع بعض «الدعم»، خطوة جديدة جريئة، أفصحت بها الحكومة عن مزيد من التبنى لـ«اقتصاد السوق». وهى بهذا- بالنسبة لبعض من حَسَنى النوايا وبعض من «المعارضين إلى الأبد»- تفتح باب الشرور.. تفتح «صندوق باندورا». ولا يجب أن ترتعش الأيادى تحسبا، فتسارع بإغلاق الصندوق على «الأمل». وليظل الصندوق مفتوحا (غنى عن القول، ضرورة أن «تخرج» إلى الوجود مظلة إجراءات حمائية للمتضررين، وليس لميسورى الحال).

■ خدعوك فقالوا: إن «الدعم» (بصورته الحالية) يراعى «البُعد الاجتماعى».. ويساهم فى تحقيق «العدالة الاجتماعية». ونرى ذلك «خطأ شائعا»، تعاملت معه حكوماتنا المتعاقبة- أيضا- من منطلق «خطأ شائع خير من صواب مهجور». وسياسة «الدعم الأعمى» لم تحقق على مدار أكثر من ستين عاما، سوى «عدالة» توزيع الفقر والجهل والمرض على عموم المصريين. الدعم يستفيد منه الغنى والفقير، المحتاج وغير المحتاج، على قدم «المساواة». وهذا ليس «عدلا». هناك فرق بين «المساواة» و«العدل».

■ «صندوق النقد» هو «صندوق باندورا»، يحتوى على الخير والشر معا. والعبرة بكيفية استخدام قروضه. والضرورات تبيح المحظورات.

■ المفهوم القاصر لـ«الليبرالية» على أنها حرية السوق وفقط هو مفهوم لا يدرك أن عناصر بقاء ونمو اقتصاديات السوق الحرة لا تكون إلا بمناخ الحرية الفكرية، والتعددية السياسية، وتداول السلطة على كافة المستويات. والمجتمع الذى لا يدرك من «الليبرالية» سوى الجانب الاقتصادى هو مجتمع يقف على قدم واحدة، ولابد له من السقوط.

■ أُطلقت دعوة «تجديد الخطاب الدينى»، ففُتح «صندوق باندورا»، وانطلق «إسلام الوهابية»، ناعقا فى الفضاء الإعلامى للبلاد. وأغلقوا الصندوق على سارق النار.. «إسلام بحيرى».

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق النيابة توجه 3 اتهامات لرجل الأعمال مدحت بركات
التالى رباط عنق أسود من فضلك