أخبار عاجلة
محافظة الفيوم تنعي شهداء «كمين الهرم» -
رسميًا.. إقالة خير الدين مضوي من تدريب #الوحدة -

أ. د. هشام عطية عبدالمقصود يكتب: وقائع ليست أبداً مدهشة.. بعد هزيمة هيلارى «الفائزة» إعلامياً

أ. د. هشام عطية عبدالمقصود يكتب: وقائع ليست أبداً مدهشة.. بعد هزيمة هيلارى «الفائزة» إعلامياً
أ. د. هشام عطية عبدالمقصود يكتب: وقائع ليست أبداً مدهشة.. بعد هزيمة هيلارى «الفائزة» إعلامياً

لا شىء جديداً، إنه الإنسان بكل تعقيداته وتغيراته، وما يقرر أن يبديه أو يخفيه، وما بينهما من مساحات الرأى المتأرجح، لكن البداية لا تكون أبدا بأن نهدر تاريخاً مهماً ومطولاً من التقدم فى المعارف الإنسانية، فعدم نجاح عملية جراحية ما لا يعنى أن تنتهى عمليات ذلك القسم من الجراحات، لأننا فى اللحظة ذاتها التى نركز على تلك الحالة المأساوية، والتى يجدر أن ندرسها لنعرف هل وقع خطأ أو إهمال أم لا، فإنه يجدر بنا أن نتذكر آلافاً أخرى من العمليات ذاتها التى أعادت لليائسين والمتعبين قدرتهم على مواصلة الحياة.

فى استطلاعات الرأى ليس الأمر على هذا النحو تماما، لكنها مثل كل مجهود بشرى عُرضَة للخطأ والسهو والنسيان، وكل ما يستتبع عملا مرّت عليه أُلفة التكرار، فتجاوز وتجاهل الخصائص الدقيقة لحالة مختلفة، ثم فقد قدرته على منحها الأهمية وأدخلها فى سياق أُلفة المعالجة والتحليل التى تتوه فيها خصوصية وضع ما، فحدثت المفارقة أو الخطأ الكبير.

أستطيع القول بكثير من الثقة إن المشكلة بدأت من إعلام أمريكى تحيَّز وصنع آثاره الجانبية التى وسعت نطاقها رويدا، وقادت سلاسل الأخطاء ومتواليتها الهندسية حتى بعدت عن القدرة على تلمّس توجهات الرأى العام الحقيقية، وأن آثار ذلك الجانبية امتدت إلى الحالة الانتخابية فى علاقتها بمجمل النظام الاجتماعى والسياسى فى الولايات المتحدة، هكذا هيمنت صورة كلينتون «الفائزة حتما» فى وسائل الإعلام، وأفسحت المساحات لسياسيين ومثقفين وفنانين ومحللين واقتصاديين وصحفيين يقولون عن ترامب والتأثيرات السلبية الضخمة محليا ودوليا لانتخابه ما شاء لهم من هوى هيلارى وهوى الميديا والنخبة السياسية الكلاسيكية، يدهشك مثلا أنهم وهم يُذكّرون المواطن كل يوم بسجل ترامب غير الأخلاقى أنهم لا يُذكِّرون المواطن أيضا بأن رئيسا سابقا محبوبا وزوج مرشحة رئاسية منافسة قد تحرش وتمادى، بل أكثر من ذلك فعلها داخل مقر الحكم وأثناء الانشغال بمسؤوليات إدارة السياسات العامة، ثم تجرأ، أو فلنقل استخفَّ وحنث تحت القسم ومضى الأمر.. القضية على هذا النحو لم تكن أخلاقية تماما ولا موضوعية تماما.

ماذا حدث إذن؟ حمل الإعلام توجهاته المهيمنة ونثرها على الجمهور، وقلل من مساحات التنوع، فأخفى تعبيرا صريحا- مجاله وسائل الإعلام- وحوّله إلى معتقد ضمنى، وعبر مزيد من هيمنة الفكرة، تَكوّن مع الوقت لدى الجمهور العام من مؤيدى ترامب شعورٌ بخطأ إعلان صريح لتأييدهم له، لأن من سيفعل ذلك سيقع تحت تصنيف نمطى يتكرر كل يوم فى الإعلام بأنهم فئة وشريحة محدودة بل «مشبوهة» إنسانيا وأخلاقيا، وأن من يصوتون له سيكونون على شاكلته عنصريين ومتحرشين وأفظاظا وجهلاء ونهمين، كما وصف الإعلام الأمريكى ترامب.. وهو ما يفسر تلك الجمل المأزومة والدعائية الضمنية لهيلارى، بل غير المسؤولة التى خرجت من نخب ثقافية، بل رموز سياسية كبيرة مؤيدة لهيلارى تعلن أنها ستهاجر حال فوز ترامب.. ما اضطر تحت وطأة كل ذلك جمهور ترامب إلى الصمت أو الانزواء، وبتصميم ونية احتشدوا جميعهم دون اتفاق على التصويت لترامب، بينما استرخى وتراخى مؤيدو هيلارى ثقةً بأن كثيرين غيرهم لن يقصروا فى الذهاب للتصويت وسيحلون محلهم، وأنها كمرشحة لا تحتاج أكثر من ذلك للفوز.. أليس معها ويؤيدها كل هؤلاء المهمين والكبار أصحاب النفوذ والدور؟!.. هكذا مضى الأمر، فهل استطلاعات الرأى مسؤولة أيضا عن الذين قالوا سنرشح هيلارى ولم يذهبوا للتصويت؟

نعود للسؤال المهم: هل كذبت استطلاعات الرأى؟.. نعلم يقينا أن البحوث والدراسات العلمية، ومنها الاستطلاعات، لم تخترع وسيلة ما تجبر شخصا على عدم الكذب، فهى لا تمتلك وسائط استجواب مستعمرات جوانتانامو ولا وسائله فى استخلاص الحقيقة والإدلاء باليقين وحده، كرها أو طوعا، تحت وطأة كره معنوى أيضا، لكنها تتوسل بتقنيات وطرائق للقياسات تسعى لضبط التباينات وكشف عدم الصدق فى الإجابات، وتظل دوما لها حدود.

وتتعامل الاستطلاعات- فى تاريخها وثقافتها الديمقراطية فى مجتمعات الغرب- على أن البشر يستطيعون أن يعبّروا بحرية تماما عما يرونه دونما محاذير ودونما خوف، وهكذا مضت هذه الاستطلاعات فى طريق أَلِفته فى مجتمعاتها، لكنها فقدت فرادة اللحظة، وغاب عنها أن هناك وضعا مختلفا، وأن السباق الرئاسى هذه المرة يضم منافسا قدمته وسائل الإعلام والشبكات الإخبارية، ومنحته تصريحاته المندفعة تأكيدا بأنه عنصرى كاره للمهاجرين والأقليات التى قام النموذج الأمريكى على استيعابهم وتضمينهم وتوظيف طاقاتهم فى بناء النمط الأمريكى والدولة ذاتها متعددة الأعراق والأديان، ثم منحتهم حق تبوؤ مناصب وصلت إلى رئيس الولايات المتحدة ذاتها.

كانت هذه اللحظة تستدعى حالة استطلاع رأى مختلفة لا تتأسس على ما هو راسخ وتقليدى ومتبع من حالة «تقليدية» مكررة عبر السنوات قد ثبتت صحتها ودقتها سابقا، وتتلخص فى منظومة أسئلة توجه للناخب، تسأل عن مرشحه المفضل، ومبررات الترشيح، وتقيس السمات الديموجرافية المختلفة للناخبين المحتملين لكل مرشح، كانت اللحظة وإدراك خصوصية العداء الإعلامى شبه الكامل والعداء النخبوى ليس فقط على مستوى الولايات المتحدة بل على مستوى أوروبا وأغلب حلفاء الولايات المتحدة، وهو ما تبدى فى تصريحات واضحة تماما على لسان المستشارة الألمانية وغيرها من قيادات وزعماء. نقول كان ذلك يقتضى حالة أدق من القياس تركز على السلوك التصويتى السابق لمفردات عينات الاستطلاع ومدى انتظامهم فى التصويت خلال فعاليات انتخابية متعددة ومتنوعة سابقة، ومدى تحولات سلوك تصويتهم بين الشخصيات والأحزاب فى مرات سابقة، والعوامل التى تحكم ذلك، ومن كل هذه المؤشرات مع ربطها بالمحور المركزى للاستطلاع بشأن المرشح المفضل كان يمكن تماما أن تكون الأمور أكثر دقة.

لابد أخيرا من القول إن إخفاقا واحدا أحيانا يكون مدويا، لكنه فى مجال تجارب تمضى فى اتجاه المستقبل كشأن العِلم يكون أحيانا ضروريا ومفصليا فى إعادة بناء نجاحات كثيرة قادمة، لأن هذه التجارب ومراكز استطلاع الرأى التى تتأسس على دور مستقل ويتم إخضاعها لجهات المراقبة العامة تمتلك من الوعى والقدرات بدورها وعوامل استمراريتها حد القدرة على الاعتراف بالخطأ وتصحيح مساراتها.

ولابد أن نعرف يقينا أنه مقابل تحيزات الإعلام شبه الدائمة وخطأ مراكز استطلاعات الرأى أحيانا، فإن الناس أيضا كثيرا ما يكذبون.

* أستاذ بكلية الإعلام- جامعة القاهرة

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

المصرى اليوم

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رباط عنق أسود من فضلك